عيد مبارك

علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
حيدر حب الله
عن الكاتب :
ولد عام 1973م في مدينة صور بجنوب لبنان، درس المقدّمات والسطوح على مجموعة من الأساتذة المعروفين في مدينة صور (المدرسة الدينية). ثم سافر إلى الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانية لإكمال دراساته الحوزويّة العليا، فحضر أبحاث الخارج في الفقه والأصول عند كبار آيات الله والمرجعيات الدينية. عام 2002م، التحق بقسم دراسات الماجستير في علوم القرآن والحديث في كلّية أصول الدين في إيران، وحصل على درجة الماجستير، ثم أخذ ماجستير في علوم الشريعة (الفقه وأصول الفقه الإسلامي) من جامعة المصطفى العالميّة في إيران (الحوزة العلمية في قم). من مؤلفاته: علم الكلام المعاصر، قراءة تاريخية منهجيّة، فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حجية الحديث، إضاءات في الفكر والدين والاجتماع (خمسة أجزاء) ...

المدارات الفكرية (2)



حيدر حبّ الله ..

دورها في المعرفة وضرورات الوعي الفلسفي بها

4ـ يؤدّي اختلاف الأنساق الفكريّة إلى ظهور أسئلة أو استفهامات في الذهن أو غيابها عنه، وإقبال الإنسان على الاهتمام بها وترك غيرها. فمثلاً: عندما ندخل في نَسَق أو إطار المذهب الإنساني (Humanism) فإنّ الكثير من الأسئلة تأتي إلى ذهننا في ما يتعلَّق بموقف الدين من قضايا الإنسان، مثل: لماذا كان للزوج حقّ التعدُّد بينما تحرم الزوجة منه؟ ولماذا كان حقّ الطلاق للرجل دون المرأة؟ إلى عشراتٍ، بل مئاتٍ من الأسئلة، التي ما كانت تخطر في ذهن الذين كانوا يعيشون في مدار ما قبل المذهب الإنساني، إلاّ في حالاتٍ قليلة وعابرة.
إنّ كلّ مدار فكريّ يجذب لنفسه أسئلةً وإشكاليّات، ويغيّب الاهتمام بغيرها، بل ويُفْقِده قيمته. فهل تجد في العصر الحديث اهتماماً بمسألة صفات الله تعالى إلاّ من زاوية ارتباطها بفضاء الإنسان. فسابقاً كنّا نسأل: هل الصفات عين الذات؟ أمّا اليوم فالسؤال بات: هل صفة العدالة في الله متجلِّيةٌ وهو يرى الشرور في العالم تلحق بني البشر؟! كيف نفهم صفة الرحيم في ضوء وضعه للكافرين في النار خالدين فيها؛ لأجل معصية ارتكبوها لبضع سنوات؟!

هذا التحوُّل في الأسئلة ـ بمعنى تركيز النظر على بعضٍ دون بعض، وارتفاع مستوى الاهتمام ببعضٍ دون بعض ـ سببه أنّ العقل الإنساني دخل في (المدار الإنساني) منذ قرون قليلة. فكلّ شيء يأخذ شرعيته من إنسانيّته، ولا عكس. ولهذا حوّل كلّ الأسئلة إلى أسئلةٍ تتّصل بالإنسان وقضاياه وخدمته. بينما كان الأمر في السابق مختلفاً، حيث كانت كلّ الأسئلة تستهدف الإنسان لكي يفهم الله أو يرضيه. بل لو طرحت مثل هذه الأسئلة في السابق فليس لأجل الدفاع عن الله؛ لكي يكون له موقع وحجّة أمام الإنسان بالضرورة، بل لأجل فهم الله نفسه. ولهذا نرى ـ على سبيل المثال ـ أنّ قضيّة الشرور غالباً ما طُرحت سابقاً في سياق إثبات التوحيد، والردّ على القائلين بتمييز إله الشرّ عن إله الخير، بل حتّى عقائد الثنويّة كثيرٌ منها جاء بسبب إرادة التنزيه لله نفسه.
اليوم نحن نشهد سَعْياً واضحاً لأنسنة الله، وليس لتأليه الإنسان. فالله يصبح مرضيّاً كلّما كان إنسانيّاً، والإنسان يمكن أن نضع له مبرِّرات كثيرة لأخطائه مهما كان مجرماً، فيما لا نتقبَّل كثيراً وضع تبريرات لتصرُّفات الله سبحانه.
في كلّ مدارٍ فكري يتغيَّر تموضع الأفكار؛ فيأخذ بعضها دور المركز؛ فيما يتراجع بعضها الآخر نحو الهامش، ليدور في فلك المركز. والذي نجده هنا أنّ سائر القضايا يتمّ فهمها في ضوء المركز، ويتمّ الاقتناع بها بقَدْر قربها وانسجامها مع المركز. بل أعتقد أنّ لهذا دَوْراً في تفضيل بعض التيارات الدينيّة الحديثة في الغرب تقديمَ الله بصفته محبّاً رحيماً، حتّى أكثر من تقديمه بصفته قاضياً عادلاً.

سآخذ مثالاً دينيّاً مرّةً أخرى: عندما يصبح المركز في العقل الشيعي هو قضيّة الإمامة، فأنتَ تلاحظ أنّ كلّ الأشياء يتمّ تفسيرها تفسيراً (إمامياً)، أي منسجماً مع المركز. فكلُّ ما وافق المركز فهو مقبولٌ، وكلُّ تفسيرٍ يختلف أو لا يصبّ في صالح المركز فهو مستبعدٌ أو ضعيف الإضاءة. فالحياة الصالحة والسعيدة هي في ظلّ وجود الإمام، واعتبار سائر مصادر المعرفة الدينيّة يتلو مستوى اعتبار مرجعيّة الإمامة، وكل المشكلات هي بسبب عدم حضور الإمام. وأيضاً في عصر مركزيّة الإمامة تجد كلّ النصوص القريبة منها قد بُعثَت وصار لها أهمّية عالية تدور حولها الجهود، وتلاحظ كيف أنّ الباحث يتحرَّك ـ حتّى من حيث لا يشعر ـ نحو ربط كلّ الأمور بمركز الفلك. فالمبدأ والمعاد تجد فيهما فكرة الإمامة حاضرةً، وفي مختلف الظواهر تجد هذه الفكرة حاضرةً بقوّةٍ، في فهم الأشياء وتفسيرها.
لكنْ في عصر سؤال النهضة، الذي عرفه المسلمون منذ ما يقرب القرنين، نجد أنّ محور كلّ الأشياء كان العدالة الاجتماعيّة والسعادة الإنسانيّة وصلاح الفرد والمجتمع، تحت قاعدة العقل. فكلُّ محاولةٍ فكريّة يحظى العقل فيها بالقيمة فهي مقبولةٌ، وكلُّ محاولةٍ تقلِّل ـ ولو بشكلٍ بسيط ـ من العقل فهي متوجَّسٌ منها. إنّ خاتميّةَ الرسالات هناك تصبح بمعنى وصول العقل إلى مرحلة النضج؛ وقدرةَ الشريعة على إدارة الحياة تصبح بمعنى مساهمة العقل الإنساني (وليّ الأمر) في منطقة الفراغ. إنّنا هنا نشهد نوعاً من العَلْمَنة المؤمنة، التي تعيد للعقل الإنساني اعتباراً في فضاء الدين بشكله الزمني الحديث.
ما الذي نريده بالضبط على المستوى العمليّ؟
هذا كلُّه يعني لي أنّ مفاتيح الأنساق الفكريّة شيءٌ أكثر خطورة مما نتصوَّر، ومن ثم فتحديد موقفٍ واعٍ منها أمرٌ شديد الأهمّية، وانسياق عقولنا نحو نَسَقٍ فكري معيَّن من حيث لا نشعر هو أمرٌ خَطِر وحسّاس، رغم أنّني أعتقد أنّ صفوة الصفوة من الناس مَنْ يقدرون على الخروج من الأنساق والمدارات، وجعلها بنفسها موضوعاً للبحث والتأمُّل والمراجعة في زحمة الصراعات الفكريّة الكبرى في العالم.

الرسالة التي أريدها من هذه الوريقات تتلخَّص في:
1ـ إنّ المدار الفكري يفترض ـ منطقيّاً ـ أن يكون موضوعاً للنظر قبل أن يكون إطاراً للتفكير.
2ـ إنّ المدارات الفكريّة الكبرى تحتاج عادةً لعقل فلسفيّ متعالٍ، ومن دون احترام العقل الفلسفي بالمعنى الواسع المعاصر للكلمة فلن نتمكَّن في غالب الظنّ من الوصول إلى مطالعةٍ جادّة للأنساق الفكريّة. وهذا ما يتطلَّب اهتماماً من دولنا وحواضرنا العلميّة، ووزارات العلوم والتعليم، ومن الجامعات والمعاهد الفكريّة والدينية...، اهتماماً بالنشاط الفلسفي ونشر ثقافته في المجتمع، وتربية الأطفال على العقل الفلسفي، وعدم إبقائه في إطار التَّرَف الفكري تارةً؛ والمحظور الدينيّ تارةً أخرى. وتوجد تجارب مشهودة في العالم اليوم لترويج الثقافة الفلسفية، حتّى بين الأطفال. وهو ما يستدعي أيضاً إعادة إنتاج نَمَط فلسفيّ بإمكانه أن يقدِّم رؤى نافعةً وأكثر عملانيّةً. فنحن اليوم بحاجةٍ لعقلٍ فلسفيّ نهضويّ، وليس لعقلٍ فلسفيّ مغرق في الغيبوبة عن أسئلتنا المعاصرة المتّصلة بالنهوض.
إنّ العقل الفلسفي لن يتمكَّن من أن يصبح ثقافةً مجتمعيّة، إلاّ عبر قنوات التأثير المجتمعي العامّ. ففي الغرب اليوم نلاحظ كيف أنّ التيارات الفلسفيّة والدينيّة الكبرى تسعى لإيصال رسالتها عبر الفنّ والإعلام والسينما والموسيقى والقصّة والرواية والرسم والنحت وغير ذلك. إنّ ترجمة العقل الفلسفي إلى ذلك هي مقدّمة مهمّة لإيصال رسالته، وتدريب العقل الجَمْعي على إدمان الطريقة الفلسفيّة العقلانية في التفكير.
إنّ الكثيرين منّا لم يتمكَّنوا بَعْدُ من امتلاك عقلٍ فلسفيّ، فهُمْ غرباء تمامَ الغربة عن هذا العالم، بل حتّى المحبّين للفلسفة كثيراً ما وجدنا لديهم حُبّاً، ولم نجد عندهم فلسفةً، بل بعضُهم حوَّل الفلسفةَ؛ بحبِّه لها، إلى انحيازٍ وتحزُّب وعصبيّة وتبعيّة، فنحرها ظانّاً أنّه يحبّها، فصار مصداقاً بشكلٍ ما لقول القائل: (ومن الحُبّ ما قتل)، وبتعبير أحد كبار أساتذة الفلسفة المعاصرين المعروفين بميولهم الهادغيريّة ـ وهو الدكتور رضا الداوري الأردكاني ـ: الفلسفة ليست حزباً، وليس فيها تبعيّة، كثيرون ممَّنْ وطّنوا أنفسهم للدفاع عن فيلسوفٍ ما هم محبّو الفلسفة، لكنّ القليل منهم مَنْ يصدق عليه أنّه فيلسوف.
وفي ظنّي فقد نطق حقّاً، وقال صدقاً؛ فقد ظلمنا الوَعْيَ الفلسفيّ، وساهمنا مع بعض خصوم الميتافيزيقا في نحره، حتّى صار قائد الوَعْي عند بعضنا هو التاريخ أو العاطفة.
3ـ إنّ الدراسات المقارنة بين الحضارات، والمدارس الفكريّة والروحيّة الكبرى، والأديان بتنوّعها، مفتاحٌ لا مناص منه للولوج في مرحلة تشكيل وَعْيٍ بالأنساق الكبرى، واتخاذ موقف تتطلَّبه المرحلة اليوم، أكثر نضجاً وجدّية وقدرة. فما لم يدخل أهل النظر في مرحلة المقارنات الكبرى بهذا الحجم فمن الصعب أن نكتشف موضعنا على خارطة الأنساق الفكريّة. تلك المقارنات التي من هذا النوع تعطي نتائج مذهلة ومدهشة حقّاً، وتثير في عقولنا الكثير من الصور... إنّ العقل الذي يعاني شحّاً في الصور، ونضوباً في الفرضيات والإمكانات، وجفافاً في الموادّ الخامّ المتنوّعة، يصعب عليه الإجابة عن الأسئلة الكبرى؛ فلولا التصوُّرات ما جاءت التصديقات، كما يقول البحث الفلسفي.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد