قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، عضو مجلس خبراء القيادةrn مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي

خلق الإنسان في القرآن‏


الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي‏ ..

تختلف (1) آيات القرآن من جهات حول خلق الإنسان، فبعض الآيات واردة في مجال خلق أول إنسان. ومن الواضح إنه إذا تبيَّنا مبدأ أول إنسان فإنَ مبدأ جميع أفراد الإنسان الآخرين من الناحية التاريخية سوف يكون واضحاً. أي إذا قلنا إنَ آدم قد خلق من الطين فإنه يصحّ قولنا إنَ جميع الناس قد خلقوا من التراب. هذا بحسب أحد الاعتبارات. وباعتبار آخر يمكننا أن نلاحظ جميع أفراد الإنسان بصورة مستقلة، ومن الواضح أنَ هذا اللحاظ لا ينفي اللحاظ الأول. بمعنى أن نقول إنَ كل إنسان قد خلق من نطفة، والنطفة مخلوقة من مواد غذائية، وهذه المواد إمَّا من لحوم الحيوانات أو من ثمار الأشجار والمعادن، وكل هذه تعود إلى الأرض، إذاً مبدأ خلق كل إنسان باعتبار كل فرد من أفراد هذا النوع هو التراب من هذه الجهة بغضّ النظر عن إمكانيَّة إعادته إلى التراب باعتبار الإنسان الأول مخلوقاً من الطين (2).
وقد استعملت بعض الآيات كلمة البشر في مورد شخص آدم (ع)، ولعلَّها قد استعملت في آيات أخرى بمعنى يشمل جميع أفراد الإنسان.
يقول تعالى: «إني خالقٌ بشراً من صَلصالٍ من حَمأٍ مسنون، فإذا سوَّيتهُ ونفختُ فيه من روحي فقعوا له ساجدين» (3).
ويقول عزَّ وجل: «إني خالقٌ بشراً من طين، فإذا سوَّيته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين» (4).
فمن الواضح جداً أنَ المقصود هنا شخص معيَّن هو آدم (ع)، والشاهد على ذلك قول إبليس: «لأحتنكنَ ذرّيته»، ولو كان المقصود من البشر جميع الناس لم يصحّ القول (ذرّيته).

إذاً وردت كلمة البشر في هذه الموارد بما أنها اسم عام ومورد استعماله فرد واحد، واستعمال الاسم العام في إطلاقه على الفرد «حقيقة» وليس «مجازاً» لأنَ خصوصية المصداق ليست ملحوظة في هذا الإطلاق. بينما إذا استعملنا الاسم العام في خصوص مصداق واحد مع ملاحظة خصوصيته، كما إذا استعملنا كلمة «الإنسان» مكان اسم شخص كعليّ مثلًا بعنوان كونه شخصاً خاصاً فهذا «مجاز» قطعاً. فإذا قال الله تعالى: «إني خالقٌ بشراً» وكان المقصود من هذا البشر هو آدم (ع) فهذا ليس مجازاً. وكذا قوله عزّ وجل: «إني جاعلٌ في الأرض خليفة» (4).
فالخليفة أسم عام استعمل في مورد آدم (ع) لكنَّه لم يلاحظ خصوصية شخصه بحيث يوجب انحصار الخلافة فيه، فإذا وجد دليل على تعميمها لغيره عدَّ معارضاً للآية. ولم يستعمل في مورد جميع أفراد الناس بحيث تدل الآية على ثبوت الخلافة لكل إنسان، فإذا وجد دليل على اختصاصها بأفراد معيّنين كان معارضاً لها. بل أنها تدلّ على ثبوت الخلافة لآدم (ع) مع السكوت عن غيره، وإثبات الخلافة لغيره أو نفيها عنه رهن لدليل آخر.
مثل قوله عزَّ وجل: «إني خالقٌ بشراً من صلصال من حمأٍ مسنون»، فلو لم يخلق الله إلَّا آدم بحيث لا يوجد إنسان بعده، فهذا الكلام صادق، ويجري مثل هذا في قوله: «إني جاعلٌ في الأرض خليفة»، إذاً مع أنَ كلمتي البشر والخليفة اسمان عامان، ولكن تعميمهما لا يثبت إلَّا بدليل آخر، فنحن نقول درّس اليوم معلّم تلميذاً، والمعلم والتلميذ اسمان عامان، ولكنّ هذه الجملة لا تدلّ على‏ أنَ جميع المعلّمين درّسوا جميع التلاميذ، فكذا قوله: «إني خالقٌ بشراً»، فليس المقصود بها كل من تطلق عليه كلمة البشر، إن نفس العبارة لا تدل على ذلك، وإنما يكفي أن يوجد فرد واحد يطلق عليه اسم البشر وتكون كل هذه الأمور مختصَّة به.

من أي شي‏ء خُلق الإنسان؟
عندما نلاحظ كيفيَّة تناول القرآن الكريم لمبدأ وجود الإنسان يبدو لأول وهلة أنَ بين الآيات اختلافاً في ذلك، ففي آية يقول تعالى إننا خلقناه من الماء: «وهو الذي خلَق من الماء بشراً» (6).
وفي آية أخرى يقول من ماء دافق: «خُلق من ماءٍ دافق» (7).
وفي آية ثالثة يقول من نطفة و ...
ولكننا إذا تعمَّقنا في الأمر فسوف لن نجد اختلافاً، لأن النطفة والماء والماء الدافق كلها «ماء» ويمكن الجمع بينها، وقد أُطلقت كل منها لجهة خاصة، ومن هنا نعلم أنَ «الماء» باصطلاح القرآن لا ينحصر في ذلك السائل الخاص المركَّب من أوكسجين وهيدروجين وله خاصيَّة الأيُنَيْسيشن (8)، وإنما هو اصطلاح واسع يشمل حتى النطفة، فمن الواضح جداً أنَ المقصود بالماء الدافق ليس إلَّا النطفة. ونحن في الاصطلاح الشائع بيننا لا نطلق عليها الماء إلَّا بإضافة قيد، وعلى أيّ حال فهو يطلق عليها لفظة «الماء»، ويمكن القول إنَ الماء في هذه الموارد يعني المائع أو السائل، ولكن هذا إطلاق حقيقي أم مجازي؟ فذلك بحث آخر.
ويمكن القول إنَ الماء موضوع في اللغة للسائل الخاص المركب من الهيدروجين والأوكسجين ولكنه يطلق على كل سائل من باب التوسع الذي هو لون من ألوان المجاز.
وبعد أن عرفنا معنى الكلمة في الآية فليس من المهم أن نثبت أنه استعمال حقيقي أم مجازي، وهذه البحوث لغوية وذات قيمة في مجالها، ولكنها لا فائدة فيها لتفسير الآية بعد فهم المراد منها.

ومن ناحية أخرى نستطيع القول: إنَ المقصود من الماء هنا هو الماء المتعارف فإذا قال لقد خلقنا الإنسان من ماء فهو بناءً على قوله تعالى: «وجعلنا من الماء كل شي‏ء حي» (9)، والإنسان موجود حيّ ويعدّ القرآن الماء مبدأ وجود كل حي. هذا أيضاً وجه، لكنَ الوجه الأول أقرب.
وعلى أي حال ففي موارد التعبير ب (الماء) يمكن الجمع بين الآيات، لكن الذي يوجب توهم الاختلاف أكثر من‏ التعبيرات المتنوعة من قبيل:
التراب: (فاطر: 11)، الطين: (المؤمنون: 12)، حمأ مسنون: (الحجر: 26)، صلصال: (الحجر: 26) وأمثالها.
ونؤكد إنه يمكن الجمع بين هذه الآيات أيضاً، فالتراب إذا أضيف إليه الماء أصبح «طيناً»، وإذا جفَ ماؤه غدا «صلصالًا»، ويطلق على الطين في سواحل البحار والأنهار اسم «الحمأ»، وعندما تكون فيه لزوجة يسمى ب (الطين اللازب) (10)، فكل هذه ناشئة من التراب.
ويبقى عندنا الاختلاف بين الآيات المؤكدة على «الماء» والآيات المشيرة إلى «التراب» فما هي كيفية الجمع بينها؟
نقول: لو كان في الجملة حصر بحيث إذا قال: «خلقكم من تراب» قال معناه قد خلقكم من التراب فحسب، أو إذا قال: «خلقكم من ماء»، فهو يعني من الماء وحده، يغدو الاختلاف محقّقاً، ولكننا نعلم أنه عندما نريد بيان منشأ ظهور أيّ موجود فتارة نذكر جميع العناصر المكوّنة له، وتارة أخرى نذكر بعضها حسب ما تقتضيه البلاغة، وهذا أمر متعارف، وبناءً على هذا يصبح الجمع بين هاتين الفئتين من الآيات بهذه الصورة وهي أنَ بعض الآيات تؤكُّد على بعض العناصر المكوّنة له كالتراب أو الماء، وبعضها يؤكّد على مجموعها الذي هو الطين.
وفي هذا أيضاً إشارة إلى المراحل المختلفة في وجود الإنسان: فالإنسان الأول قد خلق من التراب أو الطين، ولكن أفراد الإنسان في المراحل اللاحقة مخلوقون من نطفة. إذن يمكن القول إنَ سائر أفراد الإنسان مخلوقون من تراب أيضاً بملاحظة المبدأ البعيد، أو من نطفة بملاحظة المبدأ القريب.       

            
 الهوامش:
 (1) يوجد بينها اختلاف وليس تناقضاً، أي إن كل فئة منها تنظر إلى جهة ليست ملحوظة في آيات أخرى.
 (2) لا نريد أن نبيّن هنا أن الآيات تنظر إلى أية جهة، وأن أي معنى ينسجم معها، وإنما نحاول التأكيد على أن هذه الرؤية صحيحة.
 (3) سورة الحجر: الآية 29.
 (4) سورة ص: الآية 72.
 (5) سورة البقرة: الآية 30.
 (6) سورة الفرقان: الآية 54.
 (7) سورة الطارق: الآية 6.
 (8) الأيُنَيْسيشن: إصطلاح كيماوي، يستعمل في دراسة محاليل الحوامض والأملاح وما يحدث من تأثير وتأثّر بين تلك المحاليل. وهناك نظرية للعالم السويدي (آرنيوس) حول تأثير الحوامض على الفلزات، فحسب هذه النظرية عندما تنحلّ جزيئات الحامض والملح في الماء تنحلّ كلها أو بعضها إلى ذرَّات صغيرة تسمى الأيُنَيْسيشن ويظهر في المحلول نوعان من الأيُن، أحدهما يحمل شحنة كهربائية موجبة والآخر يحمل شحنة كهربائية سالبة.
 (9) سورة الأنبياء: الآية 30.
 (10) سورة الصافات: الآية 11.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد