عيد مبارك

لقاءات

مجالس القطيف القرآنية، حضور يزيّن حضور شهر رمضان


نسرين نجم

بين الماضي والحاضر

قال تعالى في محكم كتابه:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ}.. هو شهر مليء بالخيرات والبركات، شهر رمضان شهر القرآن الكريم... هذا الشهر الذي تنتظره مدينة القطيف بكل أحيائها بشيبها وشبابها، بنسائها ورجالها لإحيائه عبر أمسيات قرآنية توارثتها الأجيال منذ عقود طويلة...
بهذا الإرث القيم الذي لم يستطع التطور أن يلغيه، تزدان المنازل والقاعات وأماكن العبادة، بقارئي القرآن فتعم روح الألفة والمودة والرحمة ضمن أجواء روحانية إيمانية... حول هذا التوارث القيم والمقدس الأمسيات القرآنية، وفي جولة سريعة بين الماضي والحاضر، كان لنا هذا اللقاء مع قارئ القرآن السيد هاشم العلاوي من القديح والمشرف على برنامج "ربيع القلوب" في شهر رمضان المبارك الأستاذ حسين آل عبادي، البرنامج الذي مقره قرية الجارودية، والذي يقيمُ أمسيات في كل قرى ومدن القطيف ومنها الجارودية وسيهات وأم الحمام والجش والخويلدية والقديح والبحاري والعوامية وصفوى وسنابس وتاروت والربيعية والأوجام.

عرفت القطيف على مرّ التاريخ بإحيائها الليالي الرمضانية عبر أمسيات قرآنية تجمع الناس لتلاوة القرآن الكريم، ويذكر قارىء القرآن السيد هاشم العلاوي أنه: "من الصعب جدًّا تحديد كيف ومتى بدأت هذه العادة الحسنة المتبعة في جميع أرجاء منطقة القطيف المسمى بـ (الخَط) قديمًا وكذلك في منطقة الأحساء (هجر)، غير أني أزعم أنها بدأت منذ أن عرفت هذه المنطقة الإسلام ودخلت فيه طوعًا، واستقبلت إحدى أول تسع نسخ للقران الكريم كتبت في التاريخ الإسلامي. أما في الذاكرة المرئية التي أستطيع القول إنني عشتها، فيمكنني قول التالي: منذ أن وعت أذناي فإن القرآن الكريم كان يعلّم في الكتاتيب ويتلى في شتى المحافل والمناسبات، للرجال في مناسبات أحزانهم (الفواتح) وأفراحهم وكذلك للنساء في مجالسهن الخاصة.
أما في شهر رمضان المبارك وهو ربيع القرآن، فإن لقراءة القرآن الكريم خصوصية وكيفية مميزة كانت ومازالت كما هي، تختلف في الشكل فقط مع تطور المجتمع والتطور التقني. وتكون عادة للرجال في معظم البيوت أو في المجالس الحسينية والمساجد ليلًا بعد الإفطار مباشرة، ويكون كبير العائلة هو المسؤول عنها والمتصدر في مجالسها ويكون أبناؤه وأحفاده جميعهم متواجدين ومستمعين، وهي فرصة كبيرة في لـمّ شملهم وإشاعة اللحمة وصلة الرحم، ويكون المقرئ من حفاظ القرآن الكريم عادة، ومن المجيدين في التلاوة، يقرأ في كل ليلة جزءًا من القرآن الكريم يتبع ذلك قراءة دعاء الافتتاح المروي عن الإمام علي بن الحسين السجاد عليه السلام، ويختتم المجلس بقراءة حسينية، يستمر ذلك لثلاثين ليلة، وفي الليلة الأخيرة من شهر رمضان المبارك يحتفل بختم القرآن الكريم بتلاوة مميزة لقصار السور وتقدم فيه مأكولات أو أنواع من الفواكه. ويهدى ثواب القراءة أولًا لمحمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين ثم للمؤمنين والمؤمنات المتوفين من أقرباء العائلة، وللمسلمين جميعًا. أما النساء فتكون قراءتهن للقرآن الكريم في النهار (فرادى) في الحسينيات المخصصة لهن أو في البيوت المعروفة بتدريس القرآن الكريم".

الأستاذ حسين آل عبادي

وفي ذلك أيضًا يقول السيد حسين آل عبادي: "نعم عُرفت القطيف منذ زمن طويل في شهر رمضان الكريم بتلاوة القرآن في كل المنازل والبيوت والحسينيات والمجالس تقريبًا، لما لتلاوة القرآن من فضل عظيم خاصة في شهر القرآن وتسمى (الختمات) (يعني تلاوة القرآن الكريم كاملًا خلال الشهر الفضيل بل أحيانًا ختمتين وثلاث ختمات) هذا في الليل، وفي النهار يتسابق الشباب والشابات لتلاوة أكبر قدر ممكن من الختمات في وقت فراغهم، وتهدى هذه الختمات القرآنية للنبي وآله الكرام ولموتى المؤمنين والمؤمنات وخاصة أهل القارئ.. فمنذ كنت صغيرًا أرسلني أبي مع أحد إخواني لتلاوة القرآن والاستماع له في منزل أحد المؤمنين، وكنت أسمع صوت القرآن يصدح في كل منزل أو مجلس أو حسينية أمر بها".
وقد تابع آل علاوي، كما الكثير من العائلات القطيفية، بإحياء هذه الأمسيات في منزل العائلة، والسبب كما يذكره السيد هاشم علاوي: "من منطلق إحياء ليالي شهر رمضان بتلاوة القرآن تبركًا وتقربًا إلى الله تعالى، وحفاظًا على هذه الشعيرة وحفظًا لوصية الآباء والأجداد نواصل هذه المسيرة، نحن الذين كنا نتلمس أولى خطوات التلاوة صغارًا وندرس على يد المقرئين الشيوخ، والذين كانوا واعين بدورهم لهذه المسؤولية حيث كانوا يفسحون المجال لنا لتلاوة بعض الصفحات في كل ليلة ويصححون لنا أخطاءنا في التلاوة، حرصًا منهم بأن تنتقل الوصية لكل جيل بعد أن يوافي الكبار الأجل، ومن الجدير بالذكر أنهم لا يسمحون لنا بتلاوة أي آية بصورة خاطئة، وربما يشتاطون غضبًا إن لم نقم بتصحيح التلاوة".

ويرى آل عبادي بأن الحفاظ على هذا الإرث: "ليس سهلًا لكن التأييدات الإلهية ودعاء المؤمنين لها الأثر الكبير في بقائه، وأهميته تنبع من قداسة كتاب الله، وهو الثقل الأكبر ودستور الحياة الذي لا غنى عنه، والله تكفل بحفظه وبقائه إلى يوم يبعثون  قال الله تعالى (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحفظون)".
ويعتبر السيد هاشم علاوي بأن ما بين الماضي والحاضر أمورًا كثيرة تغيرت: "في الماضي كان التركيز على الجانب التقليدي من هذه الشعيرة أي التركيز على التلاوة دون القصد في شكل التلاوة أو الصوت المميز فيها دون الإخلال بتجويدها وصحتها، وبالطبع لم تكن أجهزة مكبرات الصوت ضرورية، أما في ظل التطور التقني أصبح لحسن الصوت وجودة الترتيل أهمية، ولكن تبقى الشعيرة كما هي مستمرة، بل ربما نستطيع القول إنها ازدادت بكثرة بسبب ازدياد السكان والتوسع العمراني. وأصبحت هناك محافل مخصصة تجمع المميزين في التلاوة على مستوى المناطق وتقام المسابقات المحفزة وتعطى الجوائز".


إرث الأجيال النفيس

وانطلاقًا من التطور الحاصل في الأمسيات القرآنية وتوسعها، يحدثنا الأستاذ حسين آل عبادي المشرف على البرنامج الرمضاني "ربيع القلوب" بالقول: "برنامج ربيع القلوب لتلاوة القرآن الكريم كان حلمًا يراود ذاكرتي ومخيلتي قبل سنوات طويلة عندما كنت أذهب لتلاوة القرآن الكريم في بيت أحد المؤمنين، وأمر كما ذكرنا آنفًا على بيوتات وحسينيات ومجالس القرية التي أعيش فيها وأسمع صوت القرآن يصدح بين جنباتها، وأحيانًا أسمع قراءة بعض الآيات قراءة خاطئة، فكنت أتعمد الوقوف للتأكد ثم أذهب لمجلس التلاوة وأفتح القرآن على الآيات التي تليت بالخطأ وأصححها عندي.. وفي أحد الأيام دخلت مصلى المقبرة وهو مصلى كبير وواسع ومكيف، فقلت في نفسي لماذا لا نستثمر هذا المصلى لتلاوة القرآن الكريم في شهر رمضان الكريم، فانبثقت الفكرة وأصبحت واقعًا وكان ذلك سنة 1432 هجرية قمرية ونعيش حاليًا العام الثامن لانطلاق هذا البرنامج المبارك الذي يحضره جمع طيب من المؤمنين يوميًّا خلال الشهر الكريم، حيث نقرأ جزءًا واحدًا كل يوم بصوت أحد القراء من جميع أنحاء محافظة القطيف بشكل مجدول ومنسق، كما وتقام فيه عدة فعاليات في الليل، منها إفطار جماعي وأمسيات قرآنية ومعارض وفعاليات أخرى متصلة بالقرآن الكريم، والهدف الرئيس للبرنامج هو تصحيح التلاوة عند عامة الناس وهناك أهداف أخرى نأمل أن تتحقق في القريب العاجل إن شاء الله".

وبالطبع هذه الأمسيات القرآنية لها الأثر الكبير على أفراد المجتمع، يعبر عنها السيد هاشم العلاوي بالقول: "قلنا بأن شهر رمضان ربيع القرآن، وإن من أبرز ما يحث عليه الشرع بعد الصيام هو تلاوة القرآن وصلة الرحم (كما جاء في الخطبة الشريفة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) في آخر جمعة من شهر شعبان، ولذلك هذه المجالس هي المجسد لكل ذلك، يجتمع أفراد العائلة والأقارب والجيران في جو إيماني يغرفون فيه من المعارف الدينية ويزيحون عن نفوسهم الشحناء والتباغض إن وجد، ويتراحمون فيما بينهم بالسؤال عن أحوال كل فرد والاستعانة على شظف العيش بالتعاون في سد حاجة كل محتاج، والتقريب بين كل متباعد وفض النزاعات وغيرها".
ولكنه رغم ذلك يتأسف لأنه: "سابقًا كان الناس وخصوصًا الشباب لا يشغلهم شاغل عن مثل هذه المجالس، لقلة البدائل المتاحة ولدور الآباء المحث لهم على الحضور والمشاركة، أما هذه الأيام فالمشاغل كثيرة والبدائل تجذبهم أحيانًا عن التواجد باستمرار كما كان يفعل آبائهم، ولكن بصورة عامة لم يؤثر ذلك على استمرارية وتزايد هذه المجالس. الشيء الجميل المبتكر بواسطة هذا الشباب الناشئ هو أن العديد منهم إذا تواجدوا في مثل هذه المجالس فإنهم يسارعون في أخذ المصحف الشريف والمتابعة مع المقرئ ليختموا القرآن الكريم، مستفيدين من المتابعة ضامنين بذلك صحة التلاوة، ويهدون ثواب ذلك لأحد أقاربهم".

السيد هاشم العلوي

وبالنسبة إليه شخصيًّا، وكقارئ للقرآن، يعتبر بأن هذه الأمسيات القرآنية هي: "جلاء للنفوس واستنزال لرحمة الله تعالى طمعًا في الفوز بالعتق من النار في هذا الشهر الكريم. وكذلك استئناس بذكر الماضين من أرحامنا وفرح بلقيا الأهل والأقارب والجيران من المؤمنين".
ويرى الأستاذ آل عبادي انطلاقًا من عمله في إحياء هذه الأمسيات بأن: "الإقبال على مجالس القرآن والختمات والأمسيات القرآنية بشكل عام جيد يزاداد يومًا بعد يوم، وفي الآونة الأخيرة انتشرت مجالس القرآن الكريم واللجان القرآنية في محافظة القطيف ويوجد أكثر من 40 لجنة ومجلس قرآني رجالي ونسائي مسجلين تحت مظلة المجلس القرآني المشترك بالقطيف والدمام، والذي يعمل بشكل دؤوب في نشر الثقافة القرآنية وإشاعة الأجواء القرآنية ولديه مشاريع ريادية وكل اللجان تعمل معه في وتحت مظلته، ولدينا مشاريع خاصة بكل لجنة منها إقامة المعارض القرآنية والأمسيات المشتركة والمهرجانات القرآنية والفعاليات المختلقة..".

وتستمر القطيف على هذا النهج  الذي يعبّر بشكل أساس عن هويتها الإسلامية والثقافية والاجتماعية وقد نجحت في نقله من جيل إلى آخر، وهذا ما انعكس إيجابًا على نشر روح الألفة والرحمة بين أبناء المنطقة.