عيد مبارك

علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ علي رضا بناهيان
عن الكاتب :
ولد في عام 1965م. في مدينة طهران وكان والده من العلماء والمبلغين الناجحين في طهران. بدأ بدراسة الدروس الحوزوية منذ السنة الدراسية الأولى من مرحلة المتوسطة (1977م.) ثم استمرّ بالدراسة في الحوزة العلمية في قم المقدسة في عام 1983م. وبعد إكمال دروس السطح، حضر لمدّة إثنتي عشرة سنة في دروس بحث الخارج لآيات الله العظام وحيد الخراساني وجوادي آملي والسيد محمد كاظم الحائري وكذلك سماحة السيد القائد الإمام الخامنئي. يمارس التبليغ والتدريس في الحوزة والجامعة وكذلك التحقيق والتأليف في العلوم الإسلامية.

نقطة الانطلاق لإدراك رحمة الله


الشيخ علي رضا بناهيان

من خصوصيّات الله تعالى، التي إذا آمنّا بها انقلبنا من الأعماق، "رحمتُه" عز وجل. ومن أجل أن نلتفت إلى رحمانية الله ولطفه ونستوعب أكثر أهمّية رحمة الله ودورها في العالم علينا أوّلاً أن نلاحظ حال القوانين التي تسود حياة البشر. الخصوصية الأهم والمبدأ المسيطر على هذا العالم هو النظام والإتقان والدقة التي جعلها الله تعالى في حياة البشر، وهو ذات النظام الذي نلجأ إليه لإثبات وجود الله.
لا بد لهذا العالم أن يكون عالماً منظَّماً كلّ شيء فيه محسوب ومدروس بدقة، فلو كان مضطرباً وغير منظّم لما أمكننا العيش فيه أساساً. ولتتصوّروا ما كان سيحصل لو لم يكن هذا العالم دقيقاً منظّماً؟ فما الذي كان سيحدث، مثلاً، لو اختلّت الحسابات الرياضية الخاصة بدوران الكرة الأرضية حول الشمس مثقال ذرة؟
وها نحن قد دخلنا في إطار هذا النظام المتقَن وأمامنا فرصة "للخطأ" والتكامل. كل ما هنالك انّنا إذا أخطأنا ضمن عالم منظَّم ودقيق فلا بد أن نواجه ردّة فعل ونتلقّى العقوبة على فعلنا. لكن أنْ يُتاح لنا ارتكاب الخطايا في مثل هذا العالم البالغ التنظيم دون أن نتلقّى العقاب على ما ارتكبنا، فهذا يرجع إلى لطف الله عز وجل بنا؛ أي إنه تعالى يتدارك خطايانا على نحو متواصل.
إحدى مظاهر النظام المسيطر على العالم هو "الزمن" الذي ترون كم هو يسير ويمضي دونما رحمة! لكن باستطاعة الله أن يتدارك ماضيك. فهو سبحانه لا يمحو ذنوبك السالفة فحسب، بل هو قادر على أن يحوّل ماضيك الفاسد إلى ماضٍ صالح! «يُبَدِّلُ اللهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ» (الفرقان/70).
فلنجعل من "قسوة العالم" نقطة انطلاقة لنا نحو الالتفات إلى رحمة الله ورأفته! أحد الأمثلة على هذه القسوة هو "قانون ردّ الفعل"، والمثال الثاني هو "قانون القابلية"؛ فقد لا أملك القابلية لبلوغ الكثير من أمنياتي العريضة، غير أن الله يتدخل بلطفه ورحمته فيقول: "سأعطيك هذا من فضلي"، أي: سأتجاهل قواعد العالم وأعطيك الكثير؛ «ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» (المائدة/54).
من نقاط الانطلاق نحو الالتفات إلى رحمة الله هي أن نشاهد النظام المُتقن لهذا العالم ونتعامل معه بجدّية. فحين نشاهد جدّية هذا العالم سنلمس رحمة الله عز وجل. سيصاب الإنسان بالذعر حقّاً إذا شاهد النظام الذي يسود العالم، إذ سيعلم أنّه سيتلقّى ردّة فعل على أيّ خطيئة يقترفها، لكن عليه أن يعلم أنه ثمة دوماً فرصة، هي "لطف الله ورحمته" التي من ميسورها تخطّي قواعد العالم كافّة لتُصلح جميع تصرفاته السيئة، وتأخذ بيده، وتمضي به إلى الإمام.
على الأمّهات أن يلتفتن لدى تربية أولادهن إلى أنّ الطفل ينبغي أن يعرف ـ من ناحية ـ أنه سيتحمّل وِزرَ أيّ خطأ يقترفُه، وأن يعلم ـ من ناحية أخرى ـ بأن هناك في هذا العالم لطفاً ورحمة أيضاً! فإذا تمرّس الإنسان على كلا الأمرين معاً تمرّساً جيّداً فسوف لا يستطيع ـ حقّاً ـ العيش من دون الله إذا كبر!
إذا تصوّر امرؤٌ أنه يمكن لأي حدث في هذا العالم أن يحدث هكذا عشوائياً فهذا دليل على أنه لم يتخرّج من مدرسة ابتدائية جيّدة ولم يتربَّ تربية حسنة في كنف أسرته! إذ يتعيّن في المدارس أن يمطرونا باستمرار بالنظام المُحكَم لهذا العالم ويزقّونا به زقّاً كي نستوعب ذلك، ثم كل ما أخذَت هيبةُ هذا النظام بألبابنا يخبرونا بأن: "هناك أيضاً رحمة الله، وباستطاعة الله هنا أن يأتي بمعجزة!"

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد