عيد مبارك

لقاءات

مجالس القطيف القرآنية، مجمع للمعارف وإرث للسعداء


نسرين نجم

شهر القرآن الكريم:

ختم الله عزّ وجلّ الكتب السماوية بكتاب الله الخالد وحجته البالغة على الناس أجمعين "القرآن الكريم" الذي أنزله ليهدي به عباده إلى الصراط المستقيم، ففيه الرحمة وفيه المنهاج الكامل والشريعة التامة لحياة المسلمين، وفيه الروح والنور والشفاء وهو كتاب الحقّ : {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ}...
وقد اشتمل القرآن الكريم على تعاليم لبناء المجتمع بالطريقة الأفضل، وحوى ثروة الفكر والمعرفة والحضارة، فهو دستور الحياة، إضافة إلى ما له من تأثير على النفوس والقلوب...
وبما أننا في شهر رمضان المبارك، شهر القرآن الكريم، فمن الأدبيات الخاصة بشهر الله عزّ وجلّ والواجبة على كل فرد تلاوة القرآن الكريم لما في ذلك من الخير والصلاح، سيما وأن لتلاوة القرآن الكريم فضائل لا تُعد ولا تُحصى، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}... خاصة إذا كان هناك استحضار للقلب وإخلاص للنية لله عزّ وجلّ، وخشوع، ووقوف عند كل عبرة ومعنى.


ومن خصائص هذا الشهر اجتماع صلة الرحم والأصدقاء والجيران أبناء الحي والمنطقة في أجواء الأمسيات القرآنية، فأي فضل وأي رحمة وأي أجر يناله المشارك بها؟ هذا ما تمسكت به مدينة القطيف على مرّ التاريخ وأصبح جزءًا لا يتجزأ من إرثها وتراثها... عن هذه الأمسيات القرآنية أجرينا هذا الحوار مع قارئي القرآن الكريم: جاسم بن عيسى علي آل باقر، وأحمد آل سيف:


القطيف وشهر القرآن:
رغم غزو مواقع التواصل الاجتماعي والمسلسلات الرمضانية شاشاتنا وبيوتاتنا وإلهائها للكثير من الأجيال الناشئة عن القيام بواجباتهم الدينية خاصة في الشهر الفضيل كتلاوة القرآن الكريم، الكتاب الذي يُعتبر علامة من علامات المؤمنين المتقين الذين ينشدون الأجر من رب العالمين.
 ورغم توفّر كل وسائل اللهو، سيما تلك التي تبعد الشاب عن دينه وعن هويته، والتي جعلته يعيش في واقع مأزوم وصراع لا ينتهي بين ما تربى عليه وما يرغب في أن يكون عليه، ورغم التقصير الحاصل ببعض الأحيان في الخطاب الديني الموجه للشباب والذي يحاكي شؤونهم وشجونهم وآلامهم وآمالهم، لا يزال هناك بعض المساحات الرمضانية التي يمكن العمل عليها لإعادة تثبيت الهوية لدى الشباب وللحفاظ على أصالتهم الدينية. قصدنا بهذه "المساحات الأمسيات القرآنية"... حيث أننا نلاحظ بأن عددًا لا بأس به من شباب القطيف تربوا ونشأوا على تلاوة القرآن الكريم، لا بل أصبح القرآن جزءًا أساسيًّا من شخصيتهم، إلى درجة أن البعض منهم أصبح من قارئي القرآن الكريم، وهذا ما يقوله القارئ جاسم بن عيسى: "بدايتنا مع التلاوة كانت منذ الطفولة، ولكن توجهنا للتخصص القرآني بعد أن أصبحت معلمًا في التعليم العام، وما دفعنا هو أن جدي ملا على آل باقر رحمه الله كان معلمًا للقرآن فأحببت أني أكون مثله، رغم أني لم أره، فقد توفي عام 1390 هجرية".


ويقول المقرئ أحمد آل سيف: "بدأت منذ العام ٢٠١١ التلاوة، وبدأت بمحاكاة بعض القراء، بعدها صرت من الحاضرين دائمًا في المجالس القرآنية، بعد ذلك انضممت إلى لجنة قرآنية، وهذا يعني لي الشيء الكثير، فشرف لي أن أخدم كتاب الله".
اهتمت اللجان القرآنية الموجودة في القطيف إلى جانب العائلات التي توارثت هذه الهبة الربانية "الأمسيات القرآنية" بها، وأولتها رعاية كبيرة، فالقطيف تعتبر بأن إحياء مثل هكذا أمسيات إنما هو تجارة رابحة، حيث تعزز أواصر المودة والرحمة بين أبناء البلدات والأحياء، فهذه المحافل القرآنية يتم إحياؤها طيلة أيام شهر رمضان المبارك، ويتنافس بكل محبة أبناء مدينة القطيف من قرّاء القرآن بالتلاوة والترتيل، وتقام الكثير من المسابقات لتعزيز هذه الشعيرة "تلاوة القرآن الكريم" عند الناس خاصة عند الجيل الناشئ، فتضج القاعات والحسينيات والمساجد بذكر الله وتلاوة كتابه...


التفاوت في الحضور
ورغم تفاوت الحضور بين الماضي والحاضر، إلا أن الناس تحتاج إلى الأنس وإلى الدواء الذي يشفيها من الهموم الاجتماعية والاقتصادية والمعيشية، فالقرآن الكريم هو ربيع القلوب وأنيس المؤمنين.. عن حركة الأمسيات القرآنية في القطيف ما بين الماضي والحاضر يقول القارئ جاسم بن عيسى: "تختلف الحركة القرآنية في البلد بين الماضي والحاضر، ففي الماضي كان يُعتمد على المعلم فقط، أما الآن فالأمر مختلف باختلاف الوسائل الحديثة، من بروجكتر وإنترنت وتسجيلات، أما من ناحية الإقبال، فالإقبال في السابق كان أفضل، لأنه لم تكن هناك خيارات كثيرة أمام الناس وكانت المجالس سلوتها الوحيدة، أما الآن فعدد المقبلين  يتفاوت في كل مرة". ويوافقه الرأي أحمد آل سيف بالقول: "الإقبال يكون ضعيفًا في بعض الإمسيات وفي بعضها يكون الحضور غفيرًا".

ومن مميزات هذه الأمسيات القرآنية بأنها تفتح أبوابًا واسعة ليتعلق الإنسان بالقرآن الكريم حتى بعد مرور هذا الشهر الفضيل، وعندها تحصل تغييرات لربما تكون جذرية في حياة الفرد من ناحية تزكية الروح والرقي الأخلاقي والصبر على الشدائد، وتهذيب السلوك وترسيخ المعاني والقيم الإسلامية السامية في النفس.
فالقرآن الكريم بما فيه من آيات عظيمة وتوجيهات حكيمة تورث تربية سلوكية سوية للفرد وفق منهج رباني حكيم، لذا يستثمر بعض القراء هذه الأمسيات لترك أثار إيجابية عند المستمعي،ن سيما صغار السن منهم، وخاصة من ناحية التلاوة الصحيحة، وفهم المعاني الحقيقية، وهذا ما يؤكده القارئ جاسم بن عيسى: "نحاول أن نترك أثرًا على جميع المتعلمين سواءً أكانوا صغارًا  أم كبارًا، فهناك فرق بين التلاوة الصحيحة والتلاوة الفصيحة، فالصحيحة أن تكتفي بصحة التلاوة للكلمات، أما الفصيحة فهي المجودة حيث صفات الحروف ومخارجها وأحكام التجويد كاملة وعلم الوقف والابتداء، فعندما سئل الإمام علي عن معنى الترتيل قال :"تجويد الحروف ومعرفة الوقوف".
القرآن الكريم أساس الفضائل، وحياة القلوب وسر السعادة في الدنيا والآخرة... بل هو مصدر السعادة الحقيقية وبه تستقيم مسيرة المرء في الحياة فيشعر بالبهجة، والارتياح، والأمن.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد