عيد مبارك

من التاريخ

الرمّال والأمير


الشهيد مرتضى مطهري

مثل معروف ـ إلا أنّه أسطورة ـ قالوا: إن رمّالاً علّم ابنه علم الرمل والأخبار بالمغيبات، وكان يقبض من البلاط أموالاً كثيرة، فقام بتعليم ابنه هذا العلم ليحتل منصبه بعده، ثم عرفه للأمير، فأراد الأمير اختباره، فوضع بيضة في يده وقال: هل بإمكانك أن تخبرني بما في يدي؟ فلم يدر، فقال الأمير: إن وسطها أصفر وأطرافها بيضاء، ففكر قليلاً ثم قال: إنها طاحونة في وسطها جزرة، فاستاء الأمير وأحضر أباه وقال: ما هذا العلم الذي علمته إياه؟ فقال علمته العلم بشكل جيد، ولكن هذا لا عقل له، فقد قال الكلام الأول عن علمه، ولكن هذا الثاني عن جهله، لم يطرق ذهنه أن الطاحونة لا يمكن أن تستوعبها كف الإنسان، وهذا ما يجب أن يحكم به العقل.
وهناك قصة معروفة وقد سمعت بها لحد الآن من عدة أشخاص: قالوا: قد جاء أجنبي إلى كرج فصادف قروياً، وكان هذا القروي يجيب بأجوبة سليمة ومتينة، عن كل سؤال يطرحه عليه، بعد ذلك قال: من أين علمت كل هذا؟ فقال: (بما أننا لم ندرس فأخذنا نفكر)، هذا الكلام مليء بالمعاني: أن من يتعلم ينقل علمه، ولكني أفكر والفكر أفضل من التعليم بكثير.
إن هذه المسألة وهي ضرورة إيجاد نضج فكري وعقلائي في الأشخاص والمجتمع، وتقوية قدراتهم على التجزئة والتحليل، وهذا أمر أساسي، ففي التعليم والتربية والمدرسة يجب أن تكون وظيفة المعلم أسمى من تعليم الطفل، بأن يعمل على تقوية قدرته على البحث والتحليل، لا أن يلقي المعلومات في فمه فقط، إذ إن الاكتفاء بإلقاء المعلومات وتراكمها في ذهن الطفل سيؤدي إلى ركود ذهنه.
من بين العلماء أفراد كثيرون تتلمذوا على عدة من الأساتذة، وأنا لا أعتقد بقابلياتهم، للسبب نفسه الذي يرونه من مفاخرهم، فمثلاً يقال: إن فلاناً حضر مدة ثلاثين سنة درس المرحوم النائيني أو حضر درس الآغا ضياء مدة خمس وعشرين سنة بشكل متوال، إن العالم الذي قضى ثلاثين سنة أو خمس وعشرين سنة من عمره في حضور درس هذا الأستاذ أو ذاك لم يُبقِ لنفسه مجالاً يفكر فيه، فهو يأخذ دائماً وقد بذل جميع قواه في الأخذ، ولم يبق له وقت ليصل بجهده إلى شيء.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد