قصبات

رحلة الشّيخ منصور بن سبيّ الأحسائيّ بين الكتب وأسرار النّجوم

الشّيخ منصور بن سبيّ الصّائغ الأحسائيّ، أحد علماء الأحساء الأعلام الموسوعيّين، الذين جمعوا بين التّأليف ونسخ المخطوطات والاهتمام بمختلف العلوم والمعارف.

 

خلّف وراءه إرثًا علميًّا كبيرًا ومتنوّعًا، اختلف بين الدّراسات الدّينيّة واللّغويّة والحساب والفلك والتّقاويم وعلم الهيئة، فكان بحقّ نموذجًا للعالم العامل، الذي عاش في رحاب الكتب والمخطوطات، باحثًا ومؤلّفًا وورّاقًا.

 

وُلد الشّيخ منصور في حدود سنة 1010هـ، في الأحساء، أو البصرة بحسب بعض المؤّرخين، وشهدت حياته تنقّلات علميّة متعددة، انطلقت بأصفهان سنة 1025هـ، التي كانت حينها واحدة من أبرز المراكز العلميّة والدّينيّة، قبل أن ينتقل إلى رضي آباد، حيث تفرّغ للتّأليف، ثم إلى أنكهت في بلاد فارس، التي اتخذّها مقرًّا له في أواخر حياته، وفيها صنّف رسالة «في الأعداد والأوفاق».

 

تتلمذ، بحسب الباحث الشّيخ محمد علي الحرز، على عدد من كبار العلماء، من بينهم الشّيخ البهائي والسيد محمد باقر الميرداماد، وأبدى اهتمامًا خاصًّا بمؤلفاتهما، فنسخ العديد من رسائلهما وكتبهما، ضمن نشاط علميّ واسع جمع فيه بين التّعلّم والتّوثيق وحفظ المعرفة.

 

خلّف الشّيخ منصور مؤلفات متعددة، من أبرزها «رسالة النّاسخ والمنسوخ»، و«حساب الفرائض»، و«الأصول عند الأقدمين»، و«قضايا أمير المؤمنين»، و«الأدوات في النحو»، و«في معرفة النفس»، و«اختلاجات الأعضاء»، إلى جانب مصنّفاته في الفلك والحساب.

 

وفي كتابه «الشيخ منصور بن سبي ومشروع المكتبة المتنقّلة»، يصف الحرز شخصيّته العلمية بالموسوعيّة، مشيرًا إلى أن اتّساع مكتبته وممارسته حرفة نسخ الكتب - التي اتّخذها أيضًا وسيلة لكسب الرزق - أسهما في تعميق معارفه، وصقل قدراته في التّأليف والتّصنيف، حتى أصبح من أبرز الورّاقين المعروفين بجمال الخطّ وسعة الاطّلاع.

 

شكّلت علوم الفلك والهيئة جانبًا مهمًّا من اهتماماته، إذ ألّف «رسالة في معرفة التقاويم»، أنجزها يوم الأربعاء في السّابع من صفر سنة 1081هـ، موزّعًا موضوعاتها على ثلاثين فصلًا، تناولت حساب الجمل، والتّواريخ العربيّة والرّومية، والكواكب السّبعة السّيّارة وأفلاكها، والبروج، ومنازل القمر، وحركة الكواكب وخصائصها.

 

وتميّزت الرسالة - وفق قراءة الحرز - بدقّة عباراتها وكثافة معلوماتها ولغتها العلميّة المباشرة، التي تتطلب معرفة مسبقة بمبادئ الفلك، كما عكست تصوّرات علماء تلك المرحلة عن الأجرام السّماويّة وعلاقاتها بالتّقاويم والأحداث.

 

يمثل إرث الشّيخ منصور بن سبيّ الأحسائيّ العلميّ، شاهدًا كبيرًا على حضور علماء الأحساء في حركة المعرفة والتّأليف والوراقة خلال القرن الحادي عشر الهجري، ودورهم في نقل العلوم، وحفظ المخطوطات، وتداول المعارف بين المراكز العلميّة في المنطقة.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد