مقالات

أهداف ووسائل ثورة الطف


الشيخ عبد الهادي الفضلي ..
لکل حرکة اجتماعيّة عوامل سببت حدوثها، وأغراض يستهدفها القائمون منها، ووسائل خاصة يرونها أکفل بتحقيق تلکم الغايات والأغراض.
وکل حرکة ثورويّة ـ وهي نوع من الحرکات السياسية التي هي بدورها وطبيعتها نوع من الحرکات الاجتماعية ـ تقسم فی رأي فريق من علماء الاجتماع إلی نوعين، علی اعتبار الأهداف التي ترمي إليها:
ثورية: وهي التي تنشد نسف النظام الاجتماعي‏ القائم من قواعده وأسسه والقضاء عليه قضاءً تاماً، وإقامة نظام اجتماعي آخر بدله.
إصلاحية: وهي التي تهدف إلی تغيير ما لا يلتئم‏ مع روح وبنود النّظام الصحيح في نظرها، وما لا يتفق‏ وطبيعة المجتمع الذي ثارت في سبيله، وجعله منسجماً مع ما تقصد إليه من قيم ونظم وأخلاق وما شاکل.
والذی يتحکم في فرض أو إملاء هذا النوع من الحرکة أو ذاك هو طبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية لتلك الحركة.
علی ضوء هذا التقسيم المذکور أودّ أن أعرض بشي‏ء من‏ الإيجاز نوعية نهضة الإمام الحسين(عليه السلام) مستخلصاً ذلك من‏ خلال واقعها التاريخي، ومن واقع شخصية الإمام الحسين(عليه السلام) مُصلحاً ومسؤولاً عن رعاية المسلمين ومدّ الدعوة الإسلامية؛ لأن دعوة الإمام الحسين(عليه السلام) في واقعها امتداد لدعوة النبي (صلى الله عليه وآله).
علی ضوء هذا أودّ ان أشير موجزاً إلی أنّ نهضة الإمام‏ الحسين(عليه السلام) هل هي ثوريّة أم إصلاحيّة؟
وإلی الأغراض‏ التي استهدفتها.
ثم الوسيلة التي اتخذتها في تحقيق أهدافها، والتي هي ـ في نظرها ـ الکفيلة بذلك.
ألمحتُ إلی أنّ اعتبار الحرکة ثوريّة أو اعتبارها إصلاحية، رهين بطبيعة ظروفها الزمنية. فإذن هي ترجع فی‏ کونها ثوريّة أو کونها إصلاحيّة إلی واقع النّظام القائم وواقع‏ الحاکمين به، وإلی ما ينشده القائمون بالحرکة.
إنّ واقع النظام القائم زمن الإمام الحسين(عليه السلام)، وواقع الحکّام آنذاك بعيدان کل البعد عن واقع الإسلام، دين الأمة ونظامها المحبوب.
ويکفينا للتدليل علی ذلك: استبدادية معاوية ووصوليته، واستبدادية يزيد السافرة، ونفعيّة بطانته الحاکمة وانتهازيّة جهاز الدولة بشکل عام من أجل الوصول إلی مآربهم‏ الخاصة علی حساب المسلمين المظلومين، بحرمانهم من حقوقهم‏ وبامتهان کراماتهم وقيمهم الشخصية، ومجون يزيد وخلاعته‏ والأخلاق والقيم الاجتماعية غير الإنسانية لأغلبية أبناء ذلك‏ المجتمع الموبوء، وأمثال هذه من مفارقات ومناقضات لروح‏ الإسلام وتشريعاته العادلة التي يحدثنا التاريخ عنها بمل‏ء الصراحة.
وفي عقيدتي: إنّ نقل التاريخ لأمثال هذه المجافيات‏ لواقع الشريعة الإسلامية وروحها، فلتة من فلتات الزمن؛ لأنه کُتب بأقلام المثقفين الأذناب ـ آنذاك ـ السائرين‏ برکاب الحکّام الجائرين إلا ما شذ؛ ولأنه هو الذي وقف‏ موقف الخيانة والجناية في حق الحسين(عليه السلام) وآله فعدَّ نهضة الإمام (عليه السلام) من نتائج الصراع القبلي بين (هاشم وأميّة) الذي ظهر بأعنف أشکاله وصوره في مأساة الطف، کما يدّعي ويصوّر؛ ليمسخ حقيقته کصراع بين مَبْدَئَي: الإسلام المتمثل فی شخصيات‏ الحسين(عليه السلام) وآله، والجاهلية المتجسدة في شخصيات يزيد وآله.
ويکفينا أيضًا في البرهنة علی ذلك من مأثور التاريخ‏ لأقوال يزيد التي يدان بها قوله:
لعبت هاشم بالملك فلا    خبر جاء ولا وحی نزل
والتي تکشف عن واقعه ودخيلة نفسه التي تُعرب بدورها عن‏ عقيدته، وهو الحاکم العام.
من هذه ونظائرها نتبين أنّ نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) کانت حرکة ثوريّة استهدفت تحطيم ونسف النّظام الأموي القائم‏ لجوره ولنحله علی الإسلام نحلاً، وإعادة النّظام الإسلامي‏ إلی الحکم لسياسة المجتمع بالعدل، ورعاية الأمة بالحق.
وهذه ونظائرها من أهم عوامل ثورة الإمام‏ الحسين (عليه السلام) التي تمتدّ بجذورها التاريخية إلی أيام جده‏ الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله).
يرشد إلی تحديد تلکم الأغراض السامية التي استهدفتها ثورة الحسين(عليه السلام) واقعُه (عليه السلام) الذي ينطبق وواقع‏ الإسلام تمام الانطباق. وکلماته وأقواله الکريمة التي هي‏ بمثابة تحديد لنتائج مخططات ثورته وغاياتها المقدسة أمثال ما جاء في وصيّته (عليه السلام) لأخيه محمد بن الحنفية: (وإنّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي (صلی اللّه عليه وآله)‏، أريد أن آمر بالمعروف وأنهی عن المنکر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب. فمن قبلني بقبول الحق، فاللّه أولی بالحق ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتی يقضی اللّه بينی‏ و بين القوم وهو خير الحاکمين).

وما جاء فی کتابه (عليه السلام) إلی رؤساء الأخماس بالبصرة (أما بعد فإن اللّه اصطفی محمداً (صلى الله عليه وآله) علی خلقه وأکرمه‏ بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده، وبلّغ ما أرسل به (صلی اللّه عليه وآله). وکنّا أهله وأولياءه‏ وأوصياءه وورثته وأحق الناس بمقامه في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك! فرضينا وکرهنا الفرقة وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنّا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، [وقد أحسنوا وأصلحوا وتحرّوا الحق].
وقد بعثت إليكم رسولي بهذا الکتاب وأنا أدعوکم إلی کتاب‏ اللّه وسنة نبيه، فإن السنة قد أميتت والبدعة قد أحييت!‏ وإن تسمعوا قولي [وتطيعوا أمري] أهدکم [إلی] سبيل الرشاد![والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته]).
والوسيلة هي الأخری تمليها وتقررها طبيعة الحرکة وملابساتها وظروفها الزمنية.
وتلکم الظروف والملابسات بواقعها التاريخي آنذاك‏ کانت تفرض أن تکون وسيلة الثورة للإطاحة بنظام أميّة وحکمها الجائر المنافي للإسلام، هي (الشهادة)؛ لأنَّها هي‏ الاحتجاج الأخير والحاسم، والعامل القوي حينذاك، ولأنها هي (الفتح) کما يصفها الإمام (عليه السلام) بقوله: (من لحق‏ بي فقد استشهد ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح)؛ ولأنها هي‏ الانتصار بنفوسها المزهَقة ظلماً وبدمها المراق عدواناً.. (إنّ موت الشهيد فجر انتصاره).
والإمام الحسين (عليه السلام) يحتم اتخاذ الوسيلة المذکورة حيث ينظر الواقع الاجتماعي الحاضر آنذاك، وسوء المصير الذي آل إليه، ويدلّنا علی ذلك أيضاً أقواله المأثورة الشريفة أمثال ما في خطبته بمکة التي استهلها بذکر الموت: (ألا ومن‏ کان فينا باذلاً مهجته، موطناً علی لقاء اللّه نفسه، فليرحل‏ معنا فإني راحل مصبحاً إن شاء اللّه تعالی).
وما في‏ خطبته بکربلا: (أما بعد فقد نزل بنا من الأمر ما قد ترون، وإنّ الدنيا قد تغيرت وتنکرت وأدبر معروفها ولم يبقَ منها إلا صبابة کصبابة الإناء وخسيس عيش کمالرعی‏ الوبيل، ألا ترون إلی الحق لا يعمل به وإلی الباطل لا يتناهی‏ عنه، ليرغب المؤمن في لقاء اللّه، فإنی لا أری الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برماً).
هکذا تفعل العقيدة، وهکذا يصهر الإسلام شخصيات‏ أبنائه، فيُفدی بأغلی ثمن، ويُحمی بأعزّ شيء. وهکذا يکون المخلصون من حملة الرسالات‏ الإنسانية.
وهذه هي الدروس والعبر التي تفاد من حيواتهم‏ الخيّرة الحرّة وتضحياتهم المقدّسة في سبيل المبدأ.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد