مقالات

فضيلة التوكل

 

الشيخ محمد مهدي النراقي .. 
التوكل منزل من منازل السالكين ومقام من مقامات الموحدين ، بل هو أفضل درجات الموقنين.
ولذا ورد في مدحه و فضله وفي الترغيب فيه ما ورد من الكتاب والسنة ، قال اللّه تعالى :{وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة : 23] ‏، وقال : {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران : 159] ‏، وقال : { وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق : 3] ‏، وقال : {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [الأنفال : 49].
أي عزيز لا يذلّ من استجار به ، فلا يضع من لاذ بجنابه ، وحكيم لا يقصر عن تدبير من توكل على تدبيره.
وقال رسول اللّه (صلى الله عليه واله): «من انقطع إلى اللّه ، كفاه اللّه كل مؤنة ، ورزقه من حيث لا يحتسب ، ومن انقطع إلى الدنيا ، وكله اللّه إليها» ، وقال (صلى الله عليه وآله): «من سره أن يكون أغنى الناس ، فليكن بما عند اللّه أوثق منه بما في يده» ، وقال (صلى الله عليه وآله): «لو أنكم تتوكلون على اللّه حق توكله ، لرزقتم كما ترزق الطيور، تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، وعن على بن الحسين (عليهما السلام) قال : «خرجت حتى انتهيت إلى هذا الحائط فاتكأت عليه ، فإذا رجل عليه ثوبان أبيضان ينظر في تجاه وجهى ، ثم قال : يا علي بن الحسين! ما لي أراك كئيبًا حزينًا؟ ، أعلى الدنيا؟ ، فرزق اللّه حاضر للبر والفاجر ، قلت : ما على هذا أحزن ، وإنه لكما تقول.
قال : فعلى الآخرة؟ ، فوعد صادق يحكم فيه ملك قاهر قادر ، قلت : ما على هذا أحزن ، وإنه لكما تقول ، فقال : مم حزنك؟ ، قلت : مما نتخوف من فتنة ابن الزبير وما فيه للناس ، قال : فضحك ، ثم قال : يا علي بن الحسين! هل رأيت أحدًا دعا اللّه فلم يجبه؟ ، قلت: لا! ، قال : فهل رأيت أحدًا توكل على اللّه فلم يكفه؟ ، قلت: لا! ، قال : فهل رأيت أحدًا سأل اللّه فلم يعطه ؟   قلت : لا!  ، ثم غاب عني» ، و لعل الرجل كان هو الخضر- على نبينا و(عليه السلام).
وقال الصادق (عليه السلام): «أوحى اللّه إلى داوود : ما اعتصم بي عبد من عبادي دون أحد من خلقي ، عرفت ذلك من نيته ، ثم تكيده السماوات والأرض ومن فيهن ، إلا جعلت له المخرج من بينهن».
وقال (عليه السلام): «إن الغنى والعز يجولان ، فإذا ظفرا بموضع التوكل أوطنا» ، وقال (عليه السلام): «من أعطى ثلاثًا لا يمنع ثلاثًا : من أعطى الدعاء أعطي الإجابة ، ومن أعطى الشكر أعطي الزيادة ، ومن أعطى التوكل أعطي الكفاية ، ثم قال : أتلوت كتاب اللّه- عز وجل- {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق : 3] ، وقال : {لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم : 7] ، وقال : {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر : 60] ، وقال (عليه السلام) : «أيما عبد أقبل قبل ما يحب اللّه - تعالى- أقبل اللّه قبل ما يحب ومن اعتصم باللّه عصمه اللّه ، ومن أقبل على اللّه قبله وعصمه ، لم يبال لو سقطت السماء على الأرض ، أو كانت نازلة نزلت على أهل الأرض فتشملهم بلية ، كان في حزب اللّه بالتقوى من كل بلية ، أليس اللّه - تعالى- يقول : {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} [الدخان : 51] ، وقال (عليه السلام): «إن اللّه - تعالى- يقول : وعزتي وجلالي ومجدي وارتفاعي على عرشي! لأقطعن أمل كل مؤمل من الناس في غيري باليأس ، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس ، ولأنحينه من قربي ، ولأبعدنه من وصلي  أيؤمل غيري في الشدائد والشدائد بيدي ويرجو غيري؟ ويقرع بالفكر باب غيري ، وبيدي مفاتيح الأبواب وهي مغلقة؟ ، وبابي مفتوح لمن دعاني  فمن ذا الذي أملني لنوائبه فقطعته دونها، ومن ذا الذي رجانى لعظيمة فقطعت رجاءه مني؟ جعلت آمال عبادي محفوظة ، فلم يرضوا بحفظي ، وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي وأمرتهم ألا يغلقوا الأبواب بيني وبين عبادي ، فلم يثقوا بقولي ، ألم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري إلا من بعد إذنى؟ ، فما لي لأراه لاهيًا عني؟ ، أعطيته بجودي ما لم يسألني ، ثم انتزعته عنه فلم يسألني رده ، وسأل غيري ، أفتراني أبدأ بالعطاء قبل المسأله؟ ، ثم أسأل فلا أجيب سائلى؟  أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟ ، أوليس الجود والكرم لي؟ ، أوليس العفو والرحمة بيدي؟ ، أولست أنا محل الآمال؟ ، فمن يقطعها دوني؟ ، أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟ ، فلو أن أهل سماواتى وأهل أرضي أملوا جميعًا ، ثم أعطيت كل واحد منهم مثل ما أمل الجميع ، ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة ، وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟ ، فيا بؤسًا للقانطين من رحمتي! ويا بؤسًا لمن عصاني و م يراقبني!».

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد