مقالات

التوبة


الشيخ المفيد ..
القول في التوبة :
وأقول: في التوبة ... إنها مقبولة من كل عاص ما لم ييأس من الحياة، قال الله - عز وجل -: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } [النساء: 18] ، وقوله سبحانه:{حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } [المؤمنون: 99، 100]. ولست أعلم بين أهل العلم كافة في هذا الباب اختلافًا.


- القول في حقيقة التوبة :
أقول: إن حقيقة التوبة هو الندم على ما فات على وجه التوبة إلى الله - عز وجل -، وشرطها هو العزم على ترك المعاودة إلى مثل ذلك الذنب في جميع حياته ، فمن لم يجمع في توبته من ذنبه ما ذكرناه فليس بتائب، وإن ترك فعل أمثال ما سلف منه من معاصي الله - عز وجل -، وهذا مذهب جمهور أهل العدل ولست أعرف فيه لمتكلمي الإمامية شيئًا أحكيه ، وعبد السلام الجبائي ومن اتبعه يخالفون فيه.


- القول في التوبة من القبيح مع الإقامة على مثله في القبح :
أقول: إن التوبة من ذلك تصح وإن اعتقد التائب قبح ما يقيم عليه إذا اختلفت الدواعي في المتروك والمعزوم عليه، فأما إذا اتفقت الدواعي فيه فلا تصح التوبة منه، وهذا مذهب جميع أهل التوحيد سوى أبي هاشم الجبائي فإنه زعم أن التوبة لا تصح من قبيح مع الإقامة على ما يعتقد قبحه وإن كان حسنًا فضلًا عن أن يكون قبيحًا.


- القول في التوبة من مظالم العباد :
أقول: إن من شرط التوبة إلى الله سبحانه من مظالم العباد الخروج إلى المظلومين من حقوقهم بأدائها إليهم أو باستحلالهم منها على طيبة النفس بذلك والاختيار له، فمن عدم منهم صاحب المظلمة وفقده خرج إلى أوليائه من ظلامته أو استحلهم منها على ما ذكرناه، ومن عدم الأولياء حقق العزم على الخروج إليهم متى وجدهم واستفرغ الوسع في ذلك بالطلب في حياته والوصية له بعد وفاته، ومن جهل أعيان المظلومين أو مواضعهم حقق العزم والنية في الخروج من الظلامة إليهم متى عرفهم وجهد وأجهد نفسه في التماسهم، فإذا خاف فوت ذلك بحضور أجله وصى به على ما قدمناه، ومن لم يجد طولًا لرد المظالم سأل الناس الصلة له والمعونة على ما يمكنه من ردها أو آجر نفسه إن نفعه ذلك وكان طريقًا إلى استفادة ما يخرج به من المظالم إلى أهلها.
والجملة في هذا الباب أنه يجب على الظالمين استفراغ الجهد مع التوبة في الخروج من مظالم العباد، فإنه إذا علم الله ذلك منهم قبل توبتهم وعوض المظلومين عنهم إذا عجز التائبون عن رد ظلاماتهم، وإن قصر التائبون من الظلم فيما ذكرناه كان أمرهم إلى الله - عز وجل - فإن شاء عاقبهم وإن شاء تفضل عليهم بالعفو والغفران، وعلى هذا إجماع أهل الصلاة من المتكلمين والفقهاء.


- القول في التوبة من قتل المؤمنين :
أقول: من قتل مؤمنًا على وجه التحريم لدمه دون الاستحلال ثم أراد التوبة مما فعله فعليه أن يسلم نفسه إلى أولياء المقتول، فإن شاؤوا استقالوا منه وإن شاؤوا ألزموه الدية وإن شاؤوا عفوا عنه، وإن لم يفعل ذلك لم تقبل توبته وإن فعله كانت توبته مقبولة وسقط عنه بها عقاب ما جناه. وبهذا نطق القرآن و عليه انعقد الإجماع، وإنما خالف فيه شذاذ من الحشوية والعوام. فأما القول فيمن استحل دماء المؤمنين وقتل منهم مؤمنًا على الاستحلال فإن العقل لا يمنع من توبته وقبول التوبة منه، لكن السمع ورد عن الصادقين من أئمة الهدى (عليهم السلام) أنه من فعل ذلك لم يوفق للتوبة أبدًا ولم يتب على الوجه الذي يسقط عنه العقاب به مختارًا لذلك غير مجبر ولا مضطر كما ورد الخبر عنهم (عليهم السلام): (إن ولد الزنا لا ينجب ولا يختار عند بلوغه الإيمان على الحقيقة وإن أظهره على كل حال، وإنما يظهره على الشك فيه أو النفاق دون الاعتقاد له على الإيقان)، وكما ورد الخبر عن الله - عز وجل - في جماعة من خلقه أن مآلهم إلى النار وأنهم لا يؤمنون به أبدًا ولا يتركون الكفر به والطغيان، وعلى هذا القول إجماع الفقهاء من أهل الإمامة ورواة الحديث منهم والآثار ولم أجد لمتكلميهم فيه مقالًا أحكيه في جملة الأقوال.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد