مقالات

حول معيار الخير


الشيخ محمد جواد مغنية ..
.... هناك مناقشات كثيرة وطويلة أثيرت حول مفهوم الخير والمعيار الذي يقاس به، ويمكن إرجاع الأقوال في ذلك والمناقشات إلى ثلاثة معايير:
الأول النظر إلى الجانب الموضوعي المادي البحت، وهو نفس الفعل، وإهمال شخص الفاعل، والمعيار الثاني بالعكس، نظراً إلى الجانب الذاتي، وهو شخص الفاعل ومقاصده دون الفعل، وجمع المعيار الثالث بينهما معاً، بين الفعل والفاعل والذات والموضوع، وهذا هو المعيار الإسلامي السليم والمنهج المنطقي القويم.
ويندرج في المعيار الأول قول من قال: كل فعل يجلب النفع واللذة والسعادة والصلاح للفرد أو الجماعة فهو خير مهما كان الباعث عليه والسبب الموجب لوجوده، والماركسيون على هذا المبدأ حيث قالوا بأن الأخلاق نتيجة حتمية للاقتصاد، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
واشتهر عن الفيلسوف اليوناني أبيقور (ت 270 ق.م) ـ أنه فيلسوف المعدة والملذات حيث قال فيما قال: الحياة الطيبة المباركة خيرٌ أولاً وآخراً. ودافع عنه بعض الباحثين بأن أبيقور كان ممعوداً، وأنه عاش على الخبز، وكان يتلهف على قطعة من جبن، وأن فلسفته تقوم على أن دفع المفسدة أولى من جلب المصلحة واللذة، وليس على الشره النهم، وأنا وكل عاقل يفضل حياة بلا ألم ولذة على حياة فيها لذة وألم: {فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ} فقد فاز وإن لم يدخل الجنة.
ومهما يكن من أبيقور وغيره فإن هذا المعيار بعيد عن الصواب لأنه يلغي شخصية الإنسان ويجعله مجرد آلة صماء لا يستحق الشكر على أفضل الأعمال وأجداها، مع أن الله سبحانه والناس جميعاً يذكرون ويشكرون من يفعل خيراً ويحسن صنعاً. قال عز من قائل: {وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ1}.
وليس من شك أن كل ما يحمي الحياة من الأسواء، ويأخذ بيد البشرية إلى ما تبغيه من أمن وعدل يصون الحقوق في كل الميادين، ومن عيش وادع وكريم لا أثر فيه لمستأثر ومحتكر ـ فهو خير، وكل ما يمس حياة الناس بأذى فهو شر، ولكن ليس معنى هذا أن فاعل الخير مجرد آلة لا وزن لحسه وشعوره.. كيف؟ {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}2 كما قال من خلق الإنسان في أحسن تقويم؟. وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام : "فاعل الخير خير منه، وفاعل الشر شر منه" لأن الفاعل علة الفعل، والعلة أقوى من المعلول وأكمل.
وقال هيجل: الخير كل الخير في طاعة الحكومة، والشر كل الشر في معصيتها. وقال آخرون: ما يراه الناس حسناً فهو عند الله حسن، ومثله أو قريب منه قول راسل: كل ما يقضي على ما بين الناس من تعارض فهو خير.
ويلاحظ بأن الحكومات والناس غير منزهين عن الجهل والأخطاء والشهوات والأهواء، ومن يكون كذلك لا يصلح مقياساً لحلال وحرام ولا يميز بين خير وشر، وصدق الله العلي العظيم: إذ يقول: { وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}3.. {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ4}.
ومن المعيار الثاني قول الصوفية بأن الأفعال الأخلاقية تُحدد بالباعث والنية فقط.
ويلاحظ بأن للنية ثقلها وأثرها، ولكنها لا تقلب الموازين والحقائق، فتجعل الحسن قبيحاً والقبيح حسناً، ويأتي الكلام عن النية في فصل مستقل.
وقال من قال: لا يمكن القطع بمقياس واقعي للخير لأن الفعل قد يعتبر خيراً عند قوم، وشراً عند آخرين.
ونجيب بأن هذا الاختلاف نتيجة طبيعية لعوائل بيئية وخارجية، ظروف شخصية أو عائلية، وليس بناشئ ومنبعث عن ضمير متيقظ للخير، ولا عن عقل متفتح على الحق وإلا لاستحال التناقض والاختلاف (أنظر فقرة فلاسفة اللاأخلاق وفقرة بين الأخلاق والعادات من فصل حول الأخلاق).
أما الإسلام فانه يجمع بين الذات والموضوع معاً، ويربط الفاعل بالفعل ويقول: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ}5. وفي آية ثانية: {إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}6. {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ}7.
وفي الحديث الشريف: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
إن القلب يضخ الفعل الاختياري ويبرزه إلى الخارج كما يضخ الدم في الجسم دوّاراً، فكيف نفصل بينهما؟. وعلى هذا الأساس قرن القرآن الكريم الإيمان بالعمل الصالح في العديد من سوره وآياته، وإذن يجب التركيز على الذات والموضوع، الفعل والفاعل معاً.


الهوامش:
-------------------------------
1- 158: البقرة
2- سورة الإسراء
3- 21: يوسف
4- 116: الأنعام
5- 7: البينة
6- 89: الشعراء
7- 10 : فاطر

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد