فجر الجمعة

نداء الجمعة: الشيخ عبد الكريم الحبيل: غزوة حنين

نداء الجمعة: الشيخ عبد الكريم الحبيل: غزوة حنين

 

تمر بنا في هذه الأيام عدة مناسبات، ومن هذه المناسبات الشهيرة في تاريخ الإسلام وتاريخ نبينا المصطفى (ص) هي غزوة حنين التي حدثت بعد فتح مكة، حيث أن رسول الله (ص) في السنة الثامنة من الهجرة وفي اليوم العاشر من شهر رمضان على ما روي في التاريخ أو قبله توجه بجيوش المهاجرين والأنصار إلى فتح مكة المكرمة وقد منّ الله عليه بذلك الفتح المبين "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا" 1 – الفتح، وكان ذلك في شهر رمضان المبارك قيل في العشرين منه وقيل قبله وقيل بعده وأيا كان، فبقي رسول الله (ص) العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك في مكة المكرمة وأياما قليلة من أوائل شهر شوال، وكانت قبائل ثقيف وهواز ومن حولهم من أهل الطائف لما عرفوا أن رسول الله (ص) فتح مكة أيقنوا بأن رسول الله (ص) سوف يتوجه إليهم بالفتح، فجمعوا جمعهم وكبرائهم وزعماء قبائلهم وحضروا عند أكبر زعيم فيهم وهو مالك ابن عوف واتفقوا على أن لا يفتحوا بلادهم لرسول الله، ولا أن يدخلوا في الإسلام، وإنما يخرجوا لرسول الله (ص) في جمعهم وعددهم لقتال رسول الله (ص)، فلما علم رسول الله (ص) بأمرهم جمع المسلمين في مكة المكرمة وخطبهم وحثهم على الجهاد والقتال ومواجهة الأعداء، وقد كان معه قرابة عشرة آلاف مقاتل الذين ساروا معه من المدينة المنّورة، ولحق بهم من أهالي مكة ألفا مقاتل، فصار العدد اثنى عشر ألف، وتوجه بهم رسول الله (ص) إلى منطقة قريبة من الطائف يقال لها حنين، كما يقال لها أيضا أوطاس، ولذا تعرف معركة حنين بمعركة أوطاس أو معركة حنين أو معركة هواز نسبة إلى القبيلة التي حاربت رسول الله (ص) ، وأعطى رايته ابن عمه علي ابن أبي طالب (ع)، وجهز جيشه ورتبه الترتيب العسكري النظامي المعروف في الحروب في ذلك الزمان، والله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه الكريم تلك الحادثة واقتصها علينا في آيات من سورة التوبة قوله تعالى "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ * ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ" 25-26-27 - التوبة، لقد نصركم الله في مواطن كثيرة، المواطن الكثيرة التي نصر الله رسوله فيها وهي كثيرة جدا، ولقد عدها مؤرخو السيرة النبوية إلى قرابة ثمانين موطن يعني ثمانين بين معركة وغزوة، حتى يروى في التاريخ أن أحد خلفاء بني العباس وقيل هو المتوكل العباسي مرض مرضا عضال، ثم نذر إن شفي من مرضه ليتبرع أو ليتصدق بمال كثير، فجمع العلماء علماء البلاط وحاشيته ومن معه وسألهم عن نذره كم يدفع؟ فمن قال له مئة ألف، ومن قال له مئة ألف درهم، ومن قال له أكثر، ومن قال له أقل، فلم يطمئن بذلك قلبه فقال له أحد وزراءه والمقربين عنده إبعث إلى ابن الرضا فإنه سيبين لك ذلك، والمقصود بابن الرضا في زمانه في هو الإمام علي بن محمد الهادي (ع)، فبعث إليه فلما أخبر الإمام (ع) قال قل له يتصدق بثمانين درهما، فقال له يا ابن رسول الله إذا رجعت إليه سوف يسألني من أين ذلك؟ قال قل له من قوله تعالى لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ولقد عددنا المواطن التي نصر الله فيها رسوله فبلغت ثمانين موطنا، فهو قد نذر بقوله لأتصدق بكثير بمال كثير، فمواطن كثيرة هو أقل الكثرة، المسلمون في تلك المعركة لما بدأوا القتال، وابتدأ القتال غداة، يعني فجرا، في ساحة المعركة التي هي معركة حنين، وكانت رجال هواز ومن معهم من القبائل قد كما يروى أنهم كمنوا في الشعب وخلف الأشجار وقد جاءوا بأيضا دوابهم ونسائهم وأطفالهم خلفهم لئلا يهزموا ولا يجبنوا في القتال، فحملوا على المسلمين حملة واحدة وفرّ المسلمون، وقيل يروى في التاريخ أن أول من فرّ هم أهل مكة لأنهم كانوا حديثي عهد بالإسلام، على كل حال فرّ المسلمون ولم يبق مع رسول الله إلا قلة قليلة جدا، أكثر ما قيل مئة من اثنى عشر ألف مئة هذا أكثر ما قيل مئة واحد، وإلا فقد روي أنه لم يبق معه إلا بنو هاشم فقط، هو وبنو هاشم، فأمر عمه العباس أن يصعد على هضبة ومرتفع وينادي فيهم وكان العباس ذو صوت جهوري، فصاح بهم يا معشر المهاجرين والأنصار، يا أصحاب سورة البقرة، يا أهل بيعة الشجرة، إرجعوا فإن رسول الله (ص) ثابت إرجعوا إلى مواطنكم فيقال أنه رجع الأنصار إلى رسول الله (ص) ، ولم يرجعوا إلا وعلي يكتف في المشركين في أسراهم، وفي تلك الغزوة قاتل رسول الله (ص) قتال الأبطال، حتى كان يرتجز ويقول "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"، وأنزل الله سكينته عليه وعلى المؤمنين، السكينة هي المعنويات، والثقة والإطمئنان، إذا المقاتل ما عنده

معنويات ولا عنده ثقة ولا عنده روح عالية وثقة بالنصر سوف ماذا؟ سوف يهزم، ولهذا الله سبحانه وتعالى ينزل سكينته ينزل الإطمئنان والإستقرار في نفوس المؤمنين المقاتلين الصابرين، أنزلها على المؤمنين، وأنزل جنودا لم تروها، ويروى أن المؤمنين هم الذين لا يرون الملائكة، إلا أن المشركين يروا الملائكة، ويرونهم بصورة مرعبة، فيرتعبون وينهزمون منهم إنهزاما كبيرا، "وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ" 26 - التوبة، علينا نحن أن نستلهم الدروس والعبر من تلك الغزوة، والله سبحانه وتعالى لم يقتص في كتابه حدثا تاريخيا لنبيه المصطفى أو لغيره من الأنبياء والرسل إلا للعبرة والعظة، فأولا أن سبب النصر هو المدد الإلهي سواء كان المسلمون في قلة أو في كثرة، فلقد نصر الله المسلمين يوم بدر وهم كانوا قلة في العدد والعدة، ولقد هزموا يوم حنين وقد كانوا كثرة وكثرة في العدد والعدة، إذا النصر والعون والمدد هو من الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى ينصر عباده المؤمنين، وعلى المؤمنين أن يثقوا بذلك النصر وأن الله سبحانه وتعالى لابد وأن يهيأ أسباب النصر، وينبغي بالمؤمنين أن يعدوا العدة مهما استطاعوا ويثبتوا ويصبروا ويواصلوا وإن الله سبحانه وتعالى على نصرهم لقدير، أيضا قول الله سبحانه وتعالى "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ"، ذلك لطف إلهي من الله سبحانه وتعالى، وذكر تلك الألطاف الإلهية تقوي عزائم المؤمنين في كل زمان وفي كل مكان، الله سبحانه وتعالى حينما يمتن بتلك النعمة على المؤمنين ليستشعر المؤمنون ذلك اللطف الإلهي المعنوي من الله سبحانه وتعالى فتقوى بذلك عزائهم، أيضا كذلك أن معركة حنين معركة كانت ذات أهمية كبرى جدا، حيث لو هزم المسلمون ذلك اليوم لهزم الإسلام، ولهذا خصها الله بالذكر "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ"، يوم حنين يدخل في المواطن الكثيرة، ولكنه خصص بالذكر لأهميته، "لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ"، فلو أن ذلك الجمع الغفير هزم ولو لا سمح الله هزم المسلمون لارتد حتى أهالي مكة على رسول الله (ص) ، ولذهبت كل تلك الإنتصارات أدراج الرياح، الإنسان قد يصاب بالعجب والغرور نتيجة العدة والعدد، ولكن المؤمن لا ينبغي أن يصاب بالعجب، بل يجعل دائما ثقته بالله وأن نصره من عند الله سبحانه وتعالى، كما أن في ذلك درس، أن أولئك الكفرة، وأعداء الإسلام، وأعداء المسلمين، المغرورون بما يمتلكون من عتاد، طائرات، طيران، وأنواع الطيران المتعدد، دبابات، مقاتلات، مخابرات إلى آخره، لا تغني عنهم شيئا، إذا كان المسلمون لم تغني عنهم كثرتهم شيئا، فما بالك بأعداء الله سبحانه وتعالى؟ إذا أراد الله سبحانه وتعالى أن ينصر عباده المؤمنين فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهيأ أسباب النصر كيف شاء هو سبحانه والله على كل شيء قدير، لقد أهلك الله جيش أبرهة الأشرم بـ "طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ"4 – الفيل، فالله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، أن العدد، الإمكانيات، العتاد، مهما كان لا تغني الإنسان شيئا أمام قدرة الله سبحانه وتعالى، والله كل ما في هذا الكون تحت أمره ونهيه يحركه ويأمره وإذا كل ما في هذا الكون يتحول إلى جنود نصر لله سبحانه وتعالى، وقد أهلك الله سبحانه وتعالى قوم عاد الذين قالوا "مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً" 15 - فصلت، أهلكهم الله بريح صرصر عاتية، لنعلم أيضا كذلك أننا دائما بحاجة إلى المدد الإلهي، الحاجة لا تنقطع إلى المدد الإلهي سواء كنّا في عدد قليل أو في عدد كثير، وأن تلك الأسباب المادية لا تغني لولا نصر الله سبحانه وتعالى، كما لنعلم أيضا كذلك أن الإدبار يستلزم غضب الله، أولئك الذين ولوا مدبرين لا شك أنهم ينالوا غضب الله، إن لم يتب الله عليهم في الدنيا فلا شك أن مصيرهم إلى النار، قال تعالى في سورة الأنفال "وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ" 16، الفرار من الزحف كبيرة من الكبائر، إن لم يتب يبوء بغضب الله ومن باء بغضب من الله مصيره إلى النار والمعاذ بالله، أن الله سبحانه وتعالى أيضا أنزل السكينة وأنزل السكينة على المؤمنين على رسوله وعلى المؤمنين، والله سبحانه وتعالى لم يقطع تلك السكينة وذلك المدد عن عباده المؤمنين، إذا صدقوا النية وأخلصوا لله سبحانه وتعالى، وها هو المدد الإلهي والنصر الإلهي الغيبي يشمل بعنايته عباده المؤمنين في كل مكان وفي كل زمان، وقريبا رأينا كيف نصر الله عباده المؤمنين قريبا وفي شهر رمضان المبارك هذا كيف أنزل الله النصر على عباده المؤمنين في انتصار الفلوجة، الذي أذهل الشرق والغرب، وذهلوا كيف تحقق ذلك النصر بتلك السرعة، أيضا التوبة بيد الله سبحانه وتعالى ليس كل من فرّ تاب الله سبحانه وتعالى عليه،

 

وإنما التوبة هي مشيئة بيد الله سبحانه وتعالى، قال تعالى "وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ * ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَن يَشَاء وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" 26 - 27، التوبة، يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء، من علم الله سبحانه وتعالى صدق نيته لا شك أن الله سبحانه وتعالى سوف يشمله بعناية مغفرته، ولنأخذ في زماننا هذا عبرا ودرسا، وليثق المؤمنون بنصر الله، نحن في زماننا هذا وفي أيامنا هذه خاصة يعيش المؤمنون في كل مكان حالات من القهر، من الاضطهاد، من المواجهة، من الإحتراب، ولكن ليعلم المؤمنون أن النصر بيد الله سبحانه وتعالى، وأن النهاية لابد أن تكون لنصر عباده المؤمنين، وأنهم متى صبروا وصابروا وثبتوا سوف ينتهي أمرهم إلى نصر الله سبحانه وتعالى، وليتحملوا ويتحملوا ما يمر عليهم من بلاء وعناء، وهم أهل لتحمّل ذلك البلاء، فإن شيعة أهل البيت لهم من مواقف أئمتهم وأصحاب أئمتهم دروس وعبر وما مر عليهم من بلاء مدى التاريخ، ولكن النتيجة كانت هي لعباده المؤمنين أن الله ثبت عباده المؤمنين وأنزل الله سبحانه وتعالى السكينة عليهم، فالله سبحانه وتعالى لابد أن يعقب ذلك البلاء وتلك المعاناة بنصر منه مؤزر، وفرج منه قريب، وإن تلك الدماء الطاهرة هي غالية عند الله تلك الدماء التي تسفك وتلك الأعراض التي تنتهك وتلك الحرمات التي ينتهكها أولئك القتلة المجرمون لابد أن ينتقم الله سبحانه وتعالى لها وأن الله عزيز ذو انتقام.