من التاريخ

أوّل ما كتب الله تعالى في التوراة

 

اِعلم أيّها الولد الحبيب،  أنّ الله خلقك منّي بقدرته، وجعلني سبباً لتكوّنك بمشيئته، فأنت إليّ منسوب، وبي معروف ومنعوت، أنا وأمّك التي أنشأك الله في أحشائها، وغذّاك بلبنها، وربّاك في حجرها، لم نزل - بلطف الله تعالى لك - عطوفين عليك، رؤوفين بك، نحرسك بجهدنا من الأذى، وندفع عنك ما نستطيع دفعه من الردى، ونقيك بأنفسنا، ونغذّيك بمهجنا، تنام وأعيننا ساهرة، وتسكن وحركاتنا دائمة، نستقلّ لكن (لك) بذلك الجهد، ونشتغل بك عن كلّ فرض، إنْ تألّمَ أحد أطرافك حلّ ذلك الألم قلوبنا، وإن تكاملت لك الصحّة، لم يزل (قلقنا عليك وخوفنا)، فحقّنا عليك واجب لا يبطل، وفرضنا لك لازم لا يعطّل، وإحساننا لك لا يقابل بشكر، وإكرامنا لك لا يكافأ ببرّ.
قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «لا يجزي ولدٌ عن والده إلّا أن يجده مملوكاً فيشتريه ويعتقه». وفي خبر آخر: «إنّ كلّ أعمال البرّ يبلغ منها الذروة العليا، إلّا حقّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وحقّ والديه».
وقد ارتفعتَ بجميل التربية عن درجة الأصاغر، وألحقَك حميدُ النشوء بمنزلة الأكابر، وبالغتُ في تأديبك، وحسنِ تقويمك وتهذيبك، وإنّي لمّا خفتُ عليك عثرة قدم الشبيبة في حقّ والديك، وزلّة الدالّة عليهما بتضييع فرضهما عليك، حيث تكسب ذمّ العاجلة، وتعتقب عذاب الآجلة، رأيت أن أنبّهك على واجب حقّهما، وأعرّفك لازم فرضهما.

فقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «ما نحَلَ والدٌ ولدَه نِحلةً أفضل من أدبٍ حسنٍ يُفيده إيّاه، وجهل قبيح يردّ منه وينهاه». 
اِعلم يا ولدي، أنّ الله جلّ جلاله علم حاجتك إلى أبوَيك فجعل لك عندهما منزلة تغنيك عن وصيّتهما بك، وعلم غناهما عنك فأكّد وصيّتك بهما. 
فاعرف وفّقك الله الفرق بين هاتين الرتبتين، وميّز بعقلك بين المنزلتين؛ تعرف وجوب حقّ الوالدين.
ثمّ عد إلى بديهة عقلك الشاهدة لديك، بوجوب شكر المنعم عليك وانظر، هل أحد من البشر أكثر نعمة عليك من أبيك وأمّك؟! وأولى منهما بشكرك وبرّك؟!

واعلم أنّ الشكر ليس هو مجرّد الاعتراف بالنعمة، وإنّما هو الاعتراف بها مع التعظيم لمولاها، فإن استجَزتَ تضييع حقّهما، وسامحت نفسك في الإخلال بواجبهما، فهل ترضى من ولدك أن يقابلك بمثلها لك؟!
أما بلغك قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: «برّوا آباءَكم تبرَّكم أبناؤكم، وعفّوا تعفّ نساؤكم»؟! أتلُ يا بنيّ ما علّمك الله تعالى من آياته، وتأمّل مضمون تبيانه، إنّ الله سبحانه وتعالى قد قرن الوالدين بنفسه، وأتبع ذكرهما بذكره، وجعل شكرهما تابعاً لشكره. فقال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ لقمان:14.
ثمّ أمرك بالرأفة لهما، والتحنّن عليهما، والتذلّل لهما، وأخبرك أنّه قضى بذلك في سابق كلامه، وأوجبه في مقتضى حكمه، وجعله مقروناً بتوحيده، ومضافاً إلى عبادته، فقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ الإسراء:23-24.

وقد فهم ذو البصيرة والمعرفة باللغة العربية من فحوى قوله سبحانه: ﴿..فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ..﴾ أنّه زجر بذلك عن كلّ قبيح زاد على الأفّ، وأنّه لو علم سبحانه قبيحاً يكون أقلّ من هذه اللفظة لكان هو المذكور في النهي ".."
وقد روي أنّ الإمام الصادق عليه السلام، سئل عن هذه الآية، فقيل [له]:
«ما هذا الإحسان في قوله تعالى: ﴿..وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..﴾؟
فقال: هو أن تُحسنَ صحبتَهما، ولا تكلّفهما أن يسألاك ممّا يحتاجان إليه شيئاً وإن كانا مستغنيَين، أليس الله تعالى يقول: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ..﴾ آل عمران:92؟!
قيل له: فقوله تعالى: ﴿..إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾؟
قال: إن ضرباك.
ثمّ قال عليه السلام: لو علم الله تعالى شيئاً أدنى من أفٍّ لنهى عنه، وأدنى العقوق أن ينظر الرجلُ إلى والدَيه فيحدّ النظرَ إليهما.
قيل: فقوله تعالى: ﴿..وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾؟
قال: يقول: غفر اللهُ لكما، فذلك قول كريم.
قيل: فقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ..﴾؟
فقال: لا تملأْ عينَك من النظر إليهما إلّا برحمةٍ ورقّةٍ، ولا ترفع صوتك فوق صوتهما، ولا يدك فوق أيديهما، ولا تتقدّم قدّامهما، وقلْ: ﴿..ربِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾».

ولو لم يرِد من القرآن من الوصيّة بالوالدين غير هذه الآية، لكان فيها كفاية للعاقل، وإيقاظ للغافل، فكيف وقد أردف الوصيّات بهما تشديداً وقرَن وجوب الإحسان إليهما بوجوب عبادته تأكيداً.
فقال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..﴾ البقرة:83.
وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..﴾ النساء:36.
وقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا..﴾ العنكبوت:8.
وأكّد الأمر، وضاعف الفرض، بأن عطف ما أوجبه من الإنسان إليهما على ما أوجب تحريمه من الشرك به، الذي هو أعظم المعاصي، وأكبر الكبائر، ولا يرجى لصاحبه مغفرة من غير توبة، وبيّن أنّه تعبّد به الأمم السالفة، وأنزله في كتبه الماضية.
فقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا..﴾ الأنعام:151.
وقيل: إنّه هو أوّل ما كتب الله تعالى في التوراة. وليس هو من العبادات التي يجوز نسخها، ويسوغ ورود السمع بضدّها؛ لأنه موجبات العقل، وكلّ ما أوجبه العقل فهو على هذا السبيل. فاعرف وجوب هذا الفرض، وشهادة الأدلّة بلزومه لك من العقل والسمع.
ـــــــ
المحقّق الكراجكي (الشيخ أبو الفتح محمّد بن عليّ المتوفى سنة 449 هجرية)

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد