قرآنيات

أسباب تقوية محبّة الله تعالى


صدر المتألهين الشيرازي
اعلم أنّ أسعد الخلق في الآخرة أقواهم حباً لله وأشدّهم شوقاً للقائه، فإنّ معنى الآخرة القدوم على الله ودرك سعادة لقائه، وما أعظم نعيم المحبّ المستهتر إذا قدم على محبوبه بعد طول شوقه وتمكّن من دوام مشاهدته أبد الآباد من غير مزاحم ومكدر ومنغص ورقيب وخوف الانقطاع؟!
إلّأ أنّ هذا النعيم على قدر الحب واستيلائه وشدّته، وإن لم ينفك عن أصل المحبّة مؤمن كما لا ينفكّ عباده عن أصل المعرفة، وإلّا لم يكن المؤمن مؤمناً...

وإنّما يحصل ذلك (قوّة المحبّة) بشيئين:
1 أحدهما: قطع العلائق وإخراج حبّ الدنيا وما فيها من القلب، فبقدر ما يشغل القلب بغير الله ينقص منه حبّ الله، ويفرغ إناء قلبه عن ذكر الله بقدر اشتغاله بغيره، لأنّ قلب كلّ أحد واحد {مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ} (الأحزاب:4)
والكفر عبارة عن امتلاء القلب بمحبة الباطل، وكلّ ما سوى الله باطل دون وجهه الكريم، والمحبّ التام المحبّة لله مَنْ امتلأ قلبه من محبته، وإليه الإشارة بقوله: {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (91)} (الأنعام) بل معنى قوله "لا إله إلا الله" على التحقيق، أي لا معبود ولا محبوب سواه...
ولذلك قال النبي صلّى الله عليه وآله: "مَنْ قال لا إله إلا الله مخلصاً وجبت له الجنّة" ومعنى الإخلاص أن يخلص قلبه لله، فلا يبقى فيه شركة لغير الله، ومن هذا حاله فالدنيا سجنه، لأنّها مانعة له عن مشاهدة محبوبه، وموته خلاصه من السجن وقدومه على محبوبه.

2 والسبب الثاني لقوّة المحبّة قوّة المعرفة لله تعالى واتّساعها واستيلاؤها على القلب، وذلك بعد تطهيره من الشواغل وهي بمنزلة وضع البذر في الأرض بعد تطهيرها من الحشيش (الحاصل بالسبب الأوّل)، فيتولد من هذا البذر شجرة المحبّة والمعرفة.
وهي الكلمة الطيبة التي ضرب الله لها مثلاً في قوله: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)} (إبراهيم) وإليه الإشارة بقوله {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ} فهي المعرفة، نعم {وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} ويحركه ولذلك قال {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} لأنّ العمل الصالح كالحامل له، وإنما فائدة العمل كله في تطهير القلب أولا من الدنيا ثم في إدامة طهارته، وأصل الطهارة والصفاء لكونه أمراً عدمياً لا يراد لنفسه بل لهذه المعرفة...

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد