متابعات

جاسم الصّحيح عبر بودكاست (كناية): القصيدة المفتوحة على الّلانهاية

شارك مؤخرًا الشّاعر جاسم الصّحيح في بودكاست (كناية) عبر منصّة (أثير)، في لقاء طويل ثريّ غنّيّ بتجربته الإبداعيّة الكبيرة، مليء بالأحداث والصّور والذّكريات الّتي شكّلت منه الشّاعر والمهندس والإنسان.

 

وتحدّث الصّحيّح عن علاقته بالمسابقات الشّعريّة، لا سيّما مسابقة (أمير الشّعراء) التي شارك فيها في العام ألفين وسبعة، وذلك بعد سنوات من الحضور الشّعريّ والجوائز، أبرزها جائزة البابطين، قائلاً إنّ جائزة البابطين منحته مكانة لدى الأدباء والمهتمّين، فيما فتحت له مسابقة (أمير الشّعراء) أمامه طريقًا واسعًا، وشقّت له منبرًا إعلاميًّا كبيرًا، ووضع تجربته أمام جمهور عربيّ عريض.

 

وأشار الصّحيّح إلى أنّ مشاركته في المسابقة لم تكن نتيجة دعوة خاصّة، فهو شارك كسائر المشاركين بعد مشاهدته الإعلان عنها، وبيّن أنّ أرامكو حينها أتاحت له المجال للتّفرّغ خلال مراحل المشاركته، لحاجته إلى الوقت والاستعداد، الأمر الذي هيّأ له أن يخوض تجربته الجديدة بعيدًا عن ضغط العمل اليوميّ.

 

شارك الصحيّح بداية بقصيدة حملت العنوان: (الخلاص)، وهي قصيدة حمّلها كثيرًا من تجربته الفكريّة ومعاناته الحقيقيّة، لافتًا إلى أنّها أبصرت النّور تأثّرًا بقراءته لرواية الأديب الألماني هرمان هسّه (سدهارتا) الرّواية التي تتناول رحلة البحث عن الحقيقة، ومحاولة الإنسان أن يشقّ طريقه بنفسه، بعيدًا عن التّبعيّة المطلقة لأيّ نموذج، مبيّنًا أنّها تركت فيه أثرًا كبيرًا، وأسهمت في تشكيل انقلاب فكريّ، انعكس في قصيدته، وقال الصحيّح إنّ القصيدة تأهّلت رغم معارضة أحد أفراد لجنة التّحكيم الذي رأى فيها كثيرًا من الصّوفيّة في الوقت الذي لا ينتمي الصحيّح إلى الصّوفيّة، وبعد ذلك تابع الشّاعر مسيرته وصولاً إلى المرحلة النّهائيّة.

 

لم يكن الصحيّح يتوقّع الفوز بالمركز الأوّل لتقارب الدّرجات بين المشاركين، وفي النّتيجة حصل على المركز الثّالث بعد أن فاز بالمركز الأوّل الشّاعر الإماراتي كريم معتوق، وفاز بالمركز الثّاني الشّاعر الموريتاني محمد ولد طالب. بعد ذلك أشار الصحيّح إلى أنّ تسمية المسابقة (أمير الشّعراء) لا تعني أن يصبح الفائز بها أميرًا للشّعراء، لأنّ المسابقة تحمل اسم أحمد شوقي أمير الشّعراء، كما يمكن أن تحمل أيّ مسابقة أخرى اسم شاعر كبير دون أن يساوي الفوز فيها الفائز بذلك الشّاعر، مؤكّدًا أنّ زمن الألقاب المطلقة قد تغيّر، وأنّ السّاحة الشّعريّة تضمّ أسماء وتجارب كبيرة لا يلغي بعضها بعضًا.

 

رأى الصّحيّح أن المسابقة كانت فرصة له لإعادة تقديم تجربته أمام جمهور جديد، وخلالها ألقى مقاطع من قصيدته الطّويلة الشّهيرة التي حملت العنوان (ما وراء حنجرة المغنّي)، القصيدة التي كتبها خلال أيّام المسابقة، وضمّنها خلاصة خمسة وعشرين عامًا من علاقته بالشّعر، بما فيها من قراءة ومعاناة وأسئلة وتجارب لا تظهر كلّها للمتلقّي.

 

ووصل الصحيّح بالحديث إلى علاقته بأشكال كتابيّة أخرى، قائلاً إنّه حاول كتابة الرّواية، لكنّه اكتشف أنّها ليست مجاله، وأنّ طريقته في الكتابة الشّعريّة كانت تطغى على السّرد، إذ كان يتعامل مع الرّواية كما لو أنّها قصيدة طويلة، لذلك أقرّ بعدم أهليّته لكتابة الرّواية رغم أنّه كان قد أنجز فصولًا ومحاولات متعددّة.

 

وجرّب الصحيّح كذلك كتابة قصائد للأطفال، لكنّه لم يواصل التجربة، موضحًا أنّ بعض ما كتبه لم يكن سهلًا حتى على الكبار فهمه، وربما يعود ذلك إلى طبيعة لغته الشّعريّة المركّبة، وإلى تأثّره بتجارب كبار الشعراء، كما أبدى الصحيّح اهتمامًا بالتّمثيل، لكنّه ربط موافقته على خوض أي تجربة بتجسيد شخصيّة المتنبي، مشيرًا إلى أداء الممثل اللّبناني عبد المجيد مجذوب لشخصيّة المتنبّي بصورة يصعب تجاوزها، حتى إنه قال إنّ المتنبي نفسه، لو خرج من قبره، لما أدّى الدّور أفضل منه.

 

أما فيما يخصّ الإعلام، فكان حديث للصحيّح عن تجربته في تقديم برنامجه الذي يحمل العنوان: (قول على قول) مبيّنًا أنّه شارك في تجربة إعلاميّة أخرى، إيمانًا منه أنّ البرامج الثّقافيّة ينبغي أن يقدّمها أصحاب الاختصاص والتّجربة، لا أن تظلّ حكرًا على المذيعين الذين يقدّمون موضوعات لا ينتمون إليها بالضّرورة، مؤكّدًا أنّه رغم وجود فريق لإعداد مواد برنامجه، لكنّه يعيد صياغة ما يُكتب له، كما يكتب عددًا من الحلقات بنفسه، لأنّ المقدّم في نظره يجب أن يكون مطّلعًا على موضوعه، قادرًا على الإجابة والتّفاعل وإضافة ما يتجاوز المادّة المعدّة.

 

وفي ختام الحوار، قرأ الصحيح مقاطع من قصيدته التي تحمل العنوان: (نجمة الأرض الأخيرة)، وممّا جاء فيها: ورثنا سماء بالكهوف مشمّعه، فضقنا بما للأنبياء من السّعه، فيا نجمة الأرض الأخيرة في يدي، أضيئي إلى أن يبلغ الضّوء مصرعه، عييت بتأويل الحياة وسرّها، عيائي بتأويل العيون المبرقعه، يخاصمني وعيي فحيث وضعته، من الكون عاصاني وبدّل موضعه، فإن لم يكن بدّ من العلم فليكن، سؤالاً ولن أمشي مع الخضر إمّعه، وإن لم يكن بدّ من الخضر ذاته، فما الرّشد أن أغتال ذاتي وأتبعه، تعبّدت في كلّ الصّوامع لم أجد، لنجواي مثل الأبجديّة صومعه، أقيم صلاتي في القصيدة كلّما، تهاوى خيال وانحنيت لأرفعه، سمائي سماء الحبر أجلو مدارها، وأكتب كي لا يخطئ النّجم موقعه، لي السّمّ سمّ الخالدين فلم يزل، يكرّر منّي فيلسوفًا تجرّعه، ولي دهشة عذراء ترعى طفولتي، فإن شئتها أمًّا وإن شئت مرضعه، ولي كبرياء قلعة لم يطح بها، سوى الحبّ في غاراته المتنوّعه، عميقًا تلقّيت الطّعون فلم أجد، رماحًا رماحًا كالأكفّ المودّعه، إذا دار ذكر الشّوق دارت بي الرّحى، فأسمع ما بين الأضالع جعجعه، يهاجر في فصل التّأمّل خاطري، بعيدًا كأحلام الشّعوب المجوّعه، وما الشّعر إلّا نخلة نبتت على، تقاطع درب عن شوارع أربعه، تمدّ لأبناء الرّصيف عذوقها، ومن حولهم تلقي ظلالًا موقّعه، وما الشّاعر الإنسان إلّا عمارة، من النّاس في أحجارها رصّ أضلعه، على كلّ ضلع طابق من خلائق، يعيشون من سحر الخيالات أبدعه، ومن يتربّى في حضانة شاعر، فلا عجب أن يحضن الكون أجمعه.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد