قرآنيات

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾


السيد موسى الصدر ..
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا / وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا﴾ (1).
 الملاحظ في هذه الآية أنّ القرآن الكريم بصدد تأسيس مبدأ عامل وشامل في الاقتصاد عندما ينهي عن أكل الأموال بغير التجارة الناتجة عن التراضي، ومبدأ التجارة المطلقة الخاضعة للتراضي من الطرفين، لا خاضعة من طرف واحد.
مبدأ عام لا يخضع إلا للقيود الواردة في القرآن الكريم وفي أماكن أخرى من جهل أو ظلم أو غش أو غير ذلك من الأمور، ما عدا هذه القيود فإنه مبدأ عام يسمى في الحقوق بأصالة حاكمية الإرادة، فالإنسان حر في أن يتعامل على ضوء المصالح من خلال شكل يختاره، أو أي حد يختاره، شرط أن لا يكون استغلال أو استثمار أو إكراه أو ضغط من طرف على طرف آخر.
هذا المبدأ واضح في الآية الكريمة، ولكن في هذه الآية ملاحظتان اجتماعيتين كبريان: الأولى، التعبير الجميل:﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾. فقد يسند القرآن الكريم الأموال الموجودة بين أيدي الناس الى الناس، فكأن ما لكل فرد هو للجميع رغم أنّ القرآن الكريم يؤكد على الملكية الشخصية، ولكن مع ذلك كون المال بيد الإنسان من منطق القرآن أمانة، ورغم عدم جواز تصرّف شخص آخر في هذا المال فهو مال للجميع.
 فبهذه السورة يحاول القرآن الكريم أن يؤكد أنّ هذا المجال رغم ملكيته لفرد، فهو كالمال الثابت للجماعة، فإذا احترم مال الجماعة، وإذا لم يحترم وأكل بالباطل فقد خسرت الجماعة هذا المال.
 وهذا الأسلوب القرآني وارد في أماكن مختلفة من القرآن الكريم، بالنسبة للأولاد والأموال وبالنسبة إلى المصالح الاجتماعية وغير ذلك.
 عندما يجعل أموال الناس، وكفاءة الناس، وخصائص الناس، وحاجات الناس للجماعة فلا يفرّق القرآن الكريم بين الفرد والجماعة.
والمبدأ الأبرز من هذا المبدأ ذيل الآية عندما يقول، بعد أن يتمم المبدأ العام: ﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾. يضيف القرآن الكريم هذه الجملة: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾.
من الظاهر ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ يعني لا تنتحروا أو إذا قلنا أنفسكم مثل مبدأ أموالكم هي نفس كل إنسان فلا تقتلوا أنفسكم، يعني لا تقتلوا بعضكم بعضاً إنّ الله كان بكم رحيماً.
 هذا المعنى الظاهر، ولكن وجود هذه الفقرة مباشرة وضمن آية واحدة، بعد كلمة ﴿لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾، تلقي هذه الكلمة أضواء جديدة على مفهوم المبدأ الأول، ولعل الواضح من هذه المقارنة أنّ القرآن الكريم يريد أن يقول إنكم أيها المؤمنون إذا أكلتم أموالكم بينكم بالباطل وما جعلتم مبادلتكم بالتراضي فسوف تتعرضون للمقاتلة الداخلية.
الأخطار التي تتعرض المجتمعات لها من جراء عدم احترام أموال الناس وأكل الأموال بالباطل والرغبة في استثمار القوي للضعيف، وفي اغتصاب القوي من الضعيف، هذا الوضع يعرّض المجتمع للخطر أو للانتحار الداخلي، وللمقاتلة بين أبناء المجتمع بعضهم مع بعض.
 وهذا الأسلوب القرآني وارد في آيات الصدقات، مثلاً عندما يقول القرآن الكريم في الآية: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (2)، عدم الإنفاق يعرّض المجتمع للهلاك، وهذا الشيء الذي نشاهده في المجتمعات التي ليس فيها العدالة، تتعرّض هذه المجتمعات للانقسامات وللثورات وللانفجارات الداخلية، وتتعرّض بالتالي للتهلكة كما يسمّيه القرآن الكريم.
 هذا أيضاً عندما يكون المجتمع متنكراً للنظام الصحيح الصادر عن التراضي، والقائم على العدل بين أبنائه في مبادلة الأموال، يتعرّض هذا المجتمع بدون شك للمقاتلة الداخلية، أو على حد تعبير القرآن الكريم قتل النفس الذي يحصل نتيجة لهذه الأوضاع والمخالفات.
 ومن الطبيعي أن يكون في نهاية الآية: ﴿إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. وهنا يوضح في هذه النقطة ما ورد في الآية الأخرى ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا﴾ مَن يفعل ذلك يعني يقتل نفسه، أو يعني أكل أمواله بينهم بالباطل، ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًاً﴾ في الدنيا ونصليه ناراً في الآخرة، كنتيجة طبيعية للانحراف الحاصل من الأعمال، وكان ذلك على الله يسيراً.

 ــــــــــــــــــــ
1- البقرة/195.
2- النساء 29 / 30.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد