مقالات

عقيلة بني هاشم


الشيخ فرج آل عمران

قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «كُلُّ بَني أُمٍّ يَنْتَمونَ إِلى عُصْبَتِهِمْ، إِلّا وُلْدَ فاطِمَةَ، فَإِنّي أَنا أَبوهُم وَعُصْبَتُهُمْ».
وعنه صلّى الله عليه وآله: «إنَّ اللهَ، عزَّ وجلَّ، جَعَلَ ذُرِّيَّةَ كُلِّ نَبِيٍّ في صُلْبِهِ، وَإِنَّ اللهَ تَعالى جَعَلَ ذُرَّيَّتي في صُلْبِ عَلِيِّ بْنِ أَبي طالِبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ».
فهذا الشرف الحاصل للسيّدة زينب عليها السلام شرفٌ لا مزيدَ عليه، وكفاها فخراً أنّها فرعٌ من شجرة أهل بيت النبوّة الذين مدحَهم الله تعالى في كتابه العزيز. فإذا ضممنا إلى ذلك أنّ أباها عليّ المرتضى، وأمّها فاطمة الزهراء، وجدّتها خديجة الكبرى، وأخويها سيّدا شباب أهل الجنّة صلوات الله عليهم أجمعين، فماذا يكون هذا الشرف، وإلى أين ينتهي شأوه ويبلغ مداه؟
وإذا ضممنا إلى ذلك أيضاً علمها وكمالها ومعرفتها بالله تعالى، كان شرفها شرفاً خاصّاً بها وبأمثالها من أهل بيتها.
جاء في بعض الأخبار أنّ الحسين عليه السلام، كان إذا زارته السيّدة زينب عليها السلام يقوم إجلالاً لها، وكان يُجلسها في مكانه.
وقال العلّامة السيّد جعفر بحر العلوم في كتابه (تحفة العالم): «..ويكفي في جلالة قدرها ونبالة شأنها ما ورد في بعض الأخبار من أنّها دخلت على الحسين عليه السلام، وكان يقرأ القرآن، (فأمسك صلوات الله عليه عن القراءة) وقام إجلالاً لها».
كما أنّها كانت أمينة أبيها على الهدايا الإلهيّة. ففي حديث مقتل أمير المؤمنين عليه السلام، الذي نقله المجلسيّ في (تاسع البحار): «نادى الحسن عليه السلام أخته زينب: هَلُمّي بِحَنوطِ جَدّي رَسولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ، فَبادَرَتْ زَيْنَبُ مُسْرِعَةً حَتّى أَتَتْ بِهِ...».

النيابة الخاصّة عن سيّد الشهداء عليه السلام
وأمّا علمها عليها السلام، فهو البحر الذي لا ينفد؛ فإنّها سلام الله عليها، هي المتربّاة في مدينة العلم النبوي، المُعتكفة بعده ببابها العلويّ، المتغذّاة بلبانه من أمّها الصدّيقة الطاهرة سلام الله عليها، وقد طوَت عمراً من الدهر مع الإمامَين السبطَين يزقّانها العلم زقّاً.
وقد نصّ لها بهذه الكلمة ابن أخيها عليّ بن الحسين عليهما السلام: «يا عَمَّةُ، أَنْتِ، بِحَمْدِ اللهِ، عالِمَةٌ غَيْرُ مُعلَّمَةٍ، وَفَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَةٍ»، يريد عليه السلام، أنّ مادّة علمها من سنخ ما مُنح به رجالاتُ بيتها الرفيع؛ أُفيض عليها إلهاماً لا بتخرّجٍ على أستاذ أو أخْذٍ عن مشيخة، وإن كان الحصول على تلك القوّة الربّانيّة بسبب تهذيبات جدّها وأبيها وأُمّها وأخويها، أو لمحض انتمائها عليها السلام إليهم، واتّحادها معهم في الطينة القدسيّة، فأُزيحت عنها بذلك الموانع المادّيّة وبقي مقتضى اللّطف الفيّاض وحده، فأُفيض عليها بأجمعه، إلّا ما اختصّ به أئمّة الدين عليهم السلام، من العلم المخصوص بمقامهم الأسمى.
ويظهر من الفاضل الدربنديّ في (أسرار الشهادة) ومن غيره، أنّها عليها السلام، كانت تعلم علم المنايا والبلايا، كجملة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، منهم ميثم التمّار، ورُشيد الهجريّ، وغيرهما، بل جزم في (أسراره) أنّها، صلوات الله عليها، أفضل من مريم بنت عمران وآسية بنت مزاحم وغيرهما من فضليات النساء، وذكر قدّس سرّه عند كلام السجّاد عليه السلام لها: «يا عَمَّةُ، أَنْتِ، بِحَمْدِ اللهِ عالِمَةٌ غَيْرُ مُعلَّمَةٍ، وَفَهِمَةٌ غَيْرُ مُفَهَّمَةٍ»، أنّ هذا الكلام حجّة على أنّ زينب بنت أمير المؤمنين عليه السلام، كانت محدّثة أي ملهَمة، وأنّ علمها كان من العلوم اللدنّية والآثار الباطنية.
وعن جماعة كبيرة من المُحدّثين، أنّ زينب الكبرى كانت تروي عن أُمّها وأبيها وأخويها، وعن أمّ سَلَمَة وأمّ هانئ وغيرهما من النّساء، وممّن روى عنها ابن عبّاس، وعليّ بن الحسين عليهما السلام، وعبد الله بن جعفر، وفاطمة الصغرى بنت الحسين عليه السلام ، وغيرهم.
وفي (مقاتل الطالبيّين) لأبي الفرج الأصفهانيّ: «زينب العقيلة بنت عليّ بن أبي طالب عليه السلام، وأمّها فاطمة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله، والعقيلة هي التي روى ابن عبّاس عنها كلام فاطمة عليها السلام في فدك، فقال: حدّثتني عقيلتنا زينب بنت عليٍّ عليه السلام».
وقال العلّامة القزوينيّ في كتابه (رياض الأحزان وحدائق الأشجان): «يستفاد من آثار أهل البيت... أنّها عليها السلام من كمال معرفتها، ووفور علمها، وحسن أعراقها، وطيب أخلاقها، كانت تشبه أُمّها سيّدة النساء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها في جميع ذلك... وأباها عليه السلام في قوّة القلب في الشدّة والثبات عند النائبات، والصبر على الملمّات. والشجاعةُ الموروثة من صفاتها، والمهابةُ المأثورة من سماتها».
وعن الشيخ الصدوق: «كانت زينب عليها السلام لها نيابة خاصّة عن الحسين عليه السلام، وكان الناس يرجعون إليها في الحلال والحرام حتّى برئ زين العابدين عليه السلام من مرضه».


لا تَنسيني في نافلة اللّيل..

وأمّا عبادتها عليها السلام، فهي تالية أمّها الزهراء عليها السلام، وكانت تقضي عامّة لياليها بالتهجّد وتلاوة القرآن، ففي (مثير الأحزان) للعلّامة الشيخ شريف الجواهري قدّس سرّه: «قالت فاطمة بنت الحسين عليه السلام: وأمّا عمّتي زينب، فإنّها لم تزل قائمةً في تلك الليلة - أي العاشرة من المحرّم - في محرابها، تستغيث إلى ربّها، فما هدأت لنا عينٌ ولا سكنت لنا رنّة».
وعن الفاضل النائيني البروجردي: «أنّ الحسين عليه السلام، لمّا ودّع أخته زينب عليها السلام، وداعه الأخير قال لها: يا أُخْتاهُ لا تَنْسيني في نافِلَةِ اللَّيْلِ»، وهذا الخبر رواه هذا الفاضل عن بعض المقاتل المعتبرة.
وقال بعض ذوي الفضل: أنّها صلوات الله عليها ما تركت تهجّدها لله تعالى طول دهرها، حتّى ليلة الحادي عشر من المحرم. ورُوي عن الإمام زين العابدين عليه السلام أنّه قال: «رَأَيْتُها تِلْكَ اللَّيْلَةَ تُصَلّي مِنْ جُلوسٍ».
وفي بعض المقاتل المعتبرة عن مولانا السجّاد عليه السلام، أنّه قال: «إِنَّ عَمَّتي زَيْنَبَ مَعَ تِلْكَ المَصائِبِ وَالمِحَنِ النّازِلَةِ بِها في طَريقِنا إِلى الشّامِ، ما تَرَكَتْ تَهَجُّدَها لِلَيْلَةٍ».

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد