من التاريخ

شهادة أبي محمد العسكري عليه السلام

 

الشيخ عباس القمي
قبض أبو محمد (عليه السلام) بسر من رأى يوم الجمعة ثامن شهر ربيع الأول سنة ستين ومئتين في خلافة المعتمد وهو ابن ثمان وعشرين سنة ودفن في داره في البيت الذي دفن فيه أبوه (عليه السلام) بسر من رأى.
قال شيخنا الطبرسي : ذهب كثير من أصحابنا إلى أنه مضى مسموماً وكذلك أبوه وجده وجميع الأئمة (عليهم السلام) خرجوا من الدنيا بالشهادة وإسناده في ذلك بما رُوِيَ عن الصادق (عليه السلام) ما منا إلا مقتول أو شهيد واللّه أعلم بحقيقة ذلك.
أقول: وروي عن أبي محمد الحسن ابن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال عند وفاته لجنادة بن أبي أمية: ما منا إلا مسموم أو مقتول؛ وقال الكفعمي وغيره: سمه المعتمد .


 وروى الشيخ الصدوق عن أبيه وابن الوليد معاً عن سعد بن عبد اللّه قال: حدثنا من حضر موت الحسن بن علي بن محمد العسكري (عليهم السلام) ودفنه ممن لا يوقف على إحصاء عددهم ولا يجوز على مثلهم التعاطي بالكذب وبعد فقد حضرنا في شعبان سنة ثمان وسبعين ومئتين وذلك بعد مضي أبي محمد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) بثمانية عشر سنة أو أكثر مجلس أحمد بن عبيد اللّه بن خاقان وهو عامل السلطان يومئذ على الخراج والضياع بكورة قم وكان من أنصب خلق اللّه وأشدهم عداوة لهم فجرى ذكر المقيمين من آل أبي طالب بسر من رأى ومذاهبهم وصلاحهم وأقدارهم عند السلطان قال أحمد بن عبيد اللّه ما رأيت ولا عرفت بسر من رأى رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا (عليهم السلام) ولا سمعت به في هديه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته والسلطان وجميع بني هاشم وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر وكذلك القواد والوزراء والكتاب وعوام الناس وإني كنت قائماً ذات يوم على رأس أبي وهو يوم مجلسه للناس إذ دخل عليه حجابه فقالوا له: ابن الرضا على الباب فقال بصوت عال ائذنوا له فدخل رجل أسمر أعين حسن القامة جميل الوجه جيد البدن حدث السن له جلالة وهيبة فلما نظر إليه أبي قام فمشى إليه خطوات ولا أعلمه فعل هذا بأحد من بني هاشم ولا بالقواد ولا بأولياء العهد فلما دنا منه عانقه وقبل وجهه ومنكبيه وأخذ بيده وأجلسه على مصلّاه الذي كان عليه وجلس إلى جنبه مقبلاً عليه بوجهه وجعل يكلمه ويكنيه ويفديه بنفسه وأبويه وأنا متعجب مما أرى منه إذ دخل عليه الحجاب فقالوا الموفّق قد جاء وكان الموفّق إذا جاء ودخل على أبي الموفق باللّه هو أبو أحمد طلحة بن المتوكل أخو المعتمد على اللّه وولي عهده وهو الذي ألف باسمه زبير بن بكار الموفقيات وكان يخطب له بلقبين اللهم اصلح الأمير الناصر لدين اللّه أبا أحمد طلحة الموفق باللّه ولي عهد المسلمين وأخا أمير المؤمنين ولقب بالناصر حين فرغ من أمر محمد بن علي صاحب الزنج منه تقدم حجابه وخاصة قواده فقاموا بين مجلس أبي وبين باب الدار سماطين إلى أن يدخل ويخرج فلم يزل أبي مقبلاً عليه يحدثه حتى نظر إلى غلمان الخاصة فقال (رحمه اللّه) إذا شئت فقم جعلني اللّه فداك أبا محمد ثم قال لغلمانه خذوا به خلف السماطين لئلا يراه الأمير يعني الموفّق وقام أبي فعانقه وقبل وجهه ومضى فقلت لحجاب أبي وغلمانه ويلكم من هذا الذي فعل به أبي هذا الذي فعل؟ فقالوا هذا رجل من العلوية يقال له الحسن بن علي يعرف بابن الرضا فازددت تعجباً فلم أزل يومي ذلك قلقاً متفكراً في أمره وأمر أبي وما رأيت منه حتى كان الليل وكانت عادته أن يصلّي العتمة ثم يجلس فينظر فيما يحتاج من المؤامرات وما يرفعه إلى السلطان فلما نظر وجلس جئت فجلست بين يديه فقال يا أحمد ألك حاجة؟ قلت نعم يا أبه إن أذنت سألتك عنها فقال قد أذنت لك يا بني فقل ما أحببت فقلت: يا أبه من الرجل الذي رأيتك الغداة فعلت به ما فعلت من الإجلال والإكرام والتبجيل وفديته بنفسك وأبويك؟ فقال يا بني ذلك ابن الرضا ذاك إمام الرافضة فسكت ساعة فقال: يا بني لو زالت الخلافة عن خلفاء بني العباس ما استحقها أحد من بني هاشم غير هذا فإن هذا يستحقها في فضله وعفافه وهديه وصيانة نفسه وزهده وعبادته وجميل أخلاقه وصلاحه ولو رأيت أباه لرأيت رجلاً جليلاً نبيلاً خيّراً فاضلاً فازددت قلقاً وتفكّراً وغيظاً على أبي مما سمعت منه فيه ولم يكن لي همة بعد ذلك إلا السؤال عن خبره والبحث عن أمره فما سألت عنه أحدًا من بني هاشم والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء وسائر الناس إلا وجدته عندهم في غاية الإجلال والإعظام والمحل الرفيع والقول الجميل والتقديم له على أهل بيته ومشايخه وغيرهم وكل يقول: هو إمام الرافضة فعظم قدره عندي إذ لم أر له ولياً ولا عدواً إلا وهو يحسن القول فيه والثناء عليه فقال له بعض أهل المجلس من الأشعريين: يا أبا بكر:

فما حال أخيه جعفر؟، فقال ومن جعفر فيسأل عن خبره أو يقرن به؟ إن جعفر معلن بالفسق ماجن شريب للخمور أقلّ من رأيت من الرجال وأهتكهم لستره فدم خمار جبار قليل في نفسه خفيف واللّه لقد ورد على السلطان وأصحابه في وقت وفاة الحسن بن علي (عليهما السلام) ما تعجبت منه وما ظننت أنه يكون وذلك أنه لما اعتلّ بعث إلى أبي أن ابن الرضا (عليه السلام) قد اعتل فركب من ساعته مبادراً إلى دار الخلافة ثم رجع مستعجلاً ومعه خمسة نفر من خدم أمير المؤمنين كلهم من ثقاته وخاصته فمنهم نحرير وأمرهم بلزوم دار الحسن بن علي (عليهما السلام) وتعرف خبره وحاله وبعث إلى نفر من المتطببين فأمرهم بالاختلاف إليه وتعاهده في صباح ومساء فلما كان بعد ذلك بيومين جاءه من أخبره أنه قد ضعف فركب حتى بكر إليه ثم أمر المتطببين بلزومه وبعث إلى قاضي القضاة فأحضره مجلسه وأمره أن يختار من أصحابه عشرة ممن يوثق به في دينه وأمانته وورعه فأحضرهم فبعث بهم إلى دار الحسن (عليه السلام) وأمرهم بلزومه ليلاً ونهاراً فلم يزالوا هناك حتى توفي (عليه السلام) لأيام مضت من شهر ربيع الأول من سنة ستين ومئتين فصارت سر من رأى ضجة واحدة مات ابن الرضا وبعث السلطان إلى داره من يفتشها ويفتش حجرها وختم على جميع ما فيها وطلبوا إثر ولده وجاءوا بنساء يعرفن بالحبل فدخلن على جواريه فنظر إليهن فذكر بعضهن أن هناك جارية بها حبل فأمر بها فجعلت في حجرة ووكّل بها نحرير الخادم وأصحابه ونسوة معهم ثم أخذوا بعد ذلك في تهيئته (عليه السلام) وعطلت الأسواق وركب أبي وبنو هاشم والقواد والكتاب وسائر الناس إلى جنازته (عليه السلام) فكانت سر من رأى يومئذ شبيهة بالقيامة فلما فرغوا من تهيئته بعث السلطان إلى أبي عيسى المتوكل فأمره بالصلاة عليه فلما وضعت الجنازة للصلاة دنا أبو عيسى منها فكشف عن وجهه فعرضه على بني هاشم من العلوية والعباسية والقواد والكتاب والقضاة والفقهاء والمعدلين وقال: هذا الحسن بن علي بن محمد بن الرضا (عليهم السلام) مات حتف أنفه على فراشه حضر من خدم أمير المؤمنين وثقاته فلان وفلان ومن المتطببين فلان وفلان ومن القضاة فلان وفلان ثم غطى وجهه وقام فصلى عليه وكبر عليه خمساً وأمر بحمله وحمل من وسط داره ودفن في البيت الذي دفن فيه أبوه (عليهما السلام) فلما دفن وتفرق الناس اضطرب السلطان وأصحابه في طلب ولده وكثر التفتيش في المنازل والدور وتوقفوا على قسمة ميراثه ولم يزل الذين وكلوا بحفظ الجارية التي توهموا عليها الحبل ملازمين لها سنتين وأكثر حتى تبين لهم بطلان الحبل فقسم ميراثه بين أمه وأخيه جعفر وادعت أمه وصيته وثبت ذلك عند القاضي والسلطان على ذلك يطلب أثر ولده فجاء جعفر بعد قسمته الميراث إلى أبي وقال له: اجعل لي مرتبة أبي وأخي وأوصل اليك في كل سنة عشرين ألف دينار فزبره أبي وأسمعه وقال له: يا أحمق إن السلطان أعزه اللّه جرد سيفه وسوطه في الذين زعموا أن أباك وأخاك أئمة ليردهم عن ذلك فلم يقدر عليه ولم يتهيأ له صرفهم عن هذا القول فيهما وجهد أن يزيل أباك وأخاك عن تلك المرتبة فلم يتهيأ له ذلك فإن كنت عند شيعة أبيك وأخيك إماماً فلا حاجة بك إلى سلطان يرتبك مراتبهم ولا غير سلطان وإن لم تكن عندهم بهذه المنزلة لم تنلها بها واستقله عند ذلك واستضعفه وأمر أن يحجب عنه فلم يأذن له بالدخول عليه حتى مات أبي وخرجنا والأمر على تلك الحال والسلطان يطلب أثر ولد الحسن بن علي (عليهما السلام) .

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد