
بعد أن بيّن القرآن صفات المنافقين وخصائصهم [في الآيات 8 إلى 16 من سورة البقرة]، يقدّم مثالين متحرّكين لتجسيم وضعهم:
الأوّل: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ في ليلة مظلمة، كي يهتدي بها إلى طريق ويبلغ مقصده. ﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾.
لقد ظنّ هؤلاء أنّهم قادرون على أن يحقّقوا أهدافهم بما لديهم من إمكانات إنارة محدودة. ولكنّ نارهم سرعان ما انطفأت بسبب عوامل جوية، أو بسبب نفاد الوقود، وظلّوا حائرين لا يهتدون سبيلاً.
ثمّ تضيف الآية الكريمة أنّ هؤلاء فقدوا كلّ وسيلة لدرك الحقائق: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾.
والمثال المذكور يصوّر بدقّة عمل المنافقين على ساحة الحياة الإنسانية. فهذه الحياة مملوءة بطرق الانحراف والضلال، وليس فيها سوى طريق مستقيم واحد للهداية، وهذا الطريق مليء بالمزالق والأعاصير، ولا يستطيع الفرد أن يهتدي من بين الطرق الملتوية إلى الصراط المستقيم، كما لا يستطيع أن يتجنّب المزالق ويقاوم أمام الأعاصير، إلّا بنور العقل والإيمان، وبمصباح الوحي الوهّاج.
هؤلاء الذين سلكوا طريق النفاق، ظنّوا أنهم قادرون بذلك أن يحافظوا على مكانتهم ومصالحهم لدى المؤمنين والكافرين. وأن ينضمّوا إلى الفئة الغالبة بعد نهاية المعركة. كانوا يخالون أنّ عملهم هذا ذكاء وحنكة. وأرادوا أن يستفيدوا من هذا الذكاء وهذه الحنكة، كضوء يشقّ لهم طريق الحياة ويوصلهم إلى مآربهم. لكنّ الله سبحانه ذهب بنورهم وفضحهم.
جدير بالذكر أنّ القرآن استعمل عبارة ﴿اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي إنّهم استفادوا للإنارة من «النّار» ذات الدخان والرماد والحريق، بينما يستنير المؤمنون بنور الإيمان الخالص وبضوئه الساطع.
باطن المنافقين ينطوي على النار، وإن تظاهروا بنور الإيمان، وإذا كان ثمّة نور فهو ضعيف في قوّته، وقصير في مدّته.
هذا النور الضعيف المؤقّت، إمّا أن يكون إشارة إلى الضمير والفطرة التوحيدية، أو إشارة إلى الإيمان الأوّلي لهؤلاء المنافقين.
مثال آخر لحال المنافقين
في المثال الثاني صوّر القرآن حياة المنافقين بشكل ليلة ظلماء مخوفة خطرة، يهطل فيها مطر غزير، وينطلق من كلّ ناحية منها نور يكاد يخطف الأبصار، ويملأ الجوّ صوت مهيب مرعب يكاد يمزّق الآذان. وفي هذا المناخ القلق ضلّ مسافر طريقه، وبقي في بلقع فسيح لا ملجأ فيه ولا ملاذ، لا يستطيع أن يحتمي من المطر الغزير، ولا من الرعد والبرق، ولا يهتدي إلى طريق لشدّة الظلام.
هذه الصورة يرسمها القرآن على النحو التالي: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ * يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا..﴾.
هؤلاء يحسّون كلّ لحظة بخطر، لأنّهم يطوون صحراء لا جبال فيها ولا أشجار تحميهم من خطر الرعد والبرق والصواعق، ونحن نعلم أنّ خطر الصاعقة يتّجه إلى كلّ ارتفاع على الأرض. لكنّ الأرض التي يسير عليها هؤلاء خالية من أيّ ارتفاع سوى مرتفع أجسامهم، ومن هنا فخطر الصاعقة يهدّدهم كلّ آن بتحويلهم إلى رماد!
المنافقون مثل هؤلاء المسافرين، يعيشون بين المؤمنين المتزايدين المتدفّقين كالسيل الهادر وكالمطر الغزير، لكنّهم لم يتّخذوا لهم ملجأ آمناً يقيهم من شرّ صاعقة العقاب الإلهي.
نهوض المسلمين بواجبهم الجهادي المسلح بوجه أعداء الإسلام يشكّل صواعق وحمماً تنزل على رؤوس المنافقين. وتسنح أحياناً لهؤلاء المنافقين فرصة للهداية واليقظة، لكنّ هذه الفرصة لا تلبث طويلاً، إذ تمرّ كما يمرّ نور البرق، ويعود الظلام يُطبق عليهم، ويعودون إلى ضلالهم وحيرتهم.
انتشار الإسلام بسرعة كالبرق الخاطف قد أذهلهم. وآيات القرآن التي تفضح أسرارهم صعقتهم، وفي كلّ لحظة يحتملون أن تنزل آية تكشف عن مكائدهم ونواياهم.
والمنافقون خائفون أيضاً أن يأذن الله بمحاربتهم، وأن يحثّ القوّة الإسلامية المتصاعدة على مجابهتهم، كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ الأحزاب:60-61.
كونوا مؤمنين حقًّا وسيكون النصر حليفكم
الشهيد مرتضى مطهري
معنى (مشج) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (4)
محمود حيدر
دراسة تكشف أسبابًا غير تقليدية للنوبات القلبية التي تصيب الشابّات بشكل خاص
عدنان الحاجي
سعة جامعة الإمام الصادق (عليه السلام)
الشيخ جعفر السبحاني
في معنى الصدق
السيد محمد حسين الطبطبائي
نحن لا نخشى غير الله (2)
الشيخ علي رضا بناهيان
اختلاف الألسن واللّغات
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
الإمام الصادق: بهاء مزّقه السّمّ
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
على الجميع أن يرجع إلى مبدأ النور
كونوا مؤمنين حقًّا وسيكون النصر حليفكم
معنى (مشج) في القرآن الكريم
فقاعات نانوية مُحفَّزة بالموجات فوق الصوتية قادرة على اختراق (حصن) الكولاجين في الأورام السرطانية
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (4)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (17)
(التّوحّد والإنسانيّة) فعاليّة في القطيف بمناسبة اليوم العالميّ للتّوحّد
نوح هذه السفينة هو الإمام المهدي (عج)
معنى (برد) في القرآن الكريم
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (3)