
إن وعد الله تعالى بالنصر قاطع لا يتردد فيه مؤمن، مهما قست الظروف، وامتدت المحنة، ولكن الوعد الرباني يتحقق عند توفر الشروط التي يطلبها الله تعالى منا. وأهم هذه الشروط هي:
الشرط الأول: مشيئة الله
فنحن نلتقي أولاً بقوله تعالى: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَی ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنَجۡعَلَهُمۡ أَئِمَّةً وَنَجۡعَلَهُمُ ٱلۡوَٰرِثِينَ 5 وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَنُرِیَ فِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنۡهُم مَّا كَانُواْ يَحۡذَرُونَ)[1].
فهي مشيئة إلهية قاطعة، ويا لها من مشيئة مباركة! المنّة على المستضعفين من الرجال والنساء والأولاد، وتحويل القوة والسلطان إلى هؤلاء المستضعفين من أيدي الجبابرة والطغاة، والتمكين لهم في الأرض، ثم الشماتة بالطغاة والجبابرة الذين كانوا يتحكمون من قَبْل في دماء المسلمين وأعراضهم، ويستكبرون في الأرض.
إنه الانقلاب الحقيقي في ميزان القوى، وفي أمر الإمامة والقيادة في الأرض إنه إرادة الله: (وَنُرِيدُ).
شروط تحقق المشيئة الإلهية
ولكن إرادة الله تعالى لها شروطها، ومن لطائف التعبير والسياق في القرآن الكريم فصل القضايا عن شروطها أحياناً ليبعث في نفوس المسلمين الأمل، وفي آية أخرى من كتاب الله نقرأ الوعد الإلهي بالتفصيل، ونقرأ شروطه بالإجمال:
(وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لاٰ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً)[2].
وهذه الآية الكريمة تُجمل الشروط في الإيمان والعمل الصالح:
ولا شك أن الإيمان هو الشرط الأول، وهو الأساس والقاعدة لكل جوانب الشخصية المؤمنة الداعية، وهو المنطلق لأفكاره ومفاهيمه وقيمه وسلوكه.
والنصر لا يشذ عن هذه القاعدة، فإن الإيمان بالله تعالى يمنح الإنسان المؤمن الثقة، والقوة، والتوازن، والطمأنينة، والسّكينة، وهي أهم القضايا في تحقيق النصر، ولا يتحقق شيء من ذلك من دون الإيمان بالله.
يقول تعالى، فيما يثبّت به فؤاد الفئة القليلة المؤمنة، بعد نكسة أُحُد: (وَلاٰ تَهِنُوا وَلاٰ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[3]. والاستعلاء الحقيقي يتحقق عندما تكون الأمة مؤمنة، وما عدا ذلك بطر، وغرور، وباطل.
ويخاطب (عز وجل) المشركين من قريش، بقوله: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللّٰهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)[4].
الشرط الثاني: العمل
وهو شرط متشعب كثير الأطراف، ويمتاز بصفات كثيرة؛ منها:
الصفة الأولى: التقوى
إن التقوى من أهم صفات العمل؛ وهي التزام حدود الله تعالى. وقد يستغرب بعض الناس الذين لم يألفوا الفكر الإسلامي، ولم يأنسوا بالقرآن الكريم أن تكون التقوى والتزام حدود الله تعالى في الحلال والحرام من أهم شروط النصر، ويتساءل: وما صلة الذنوب والمعاصي؛ سيّما لو كانت خارج حقل العمل والدعوة، بالنصر؟!
إن الذهنية الأوروبية تقف مستفهمة عن علاقة التقوى بالنصر، ولا تفهم أن تكون هناك صلة بين هذا وذاك، ولكن الذهنية الإسلامية التي بلورها القرآن الكريم لا تستطيع أن تفصل بين أطراف الشخصية، ولا تستطيع أن تفصل بين علاقة الإنسان بربه وعلاقته بالناس وعلاقته بالأشخاص وعلاقته بساحة القتال… إنها في النظرية الإسلامية كُلٌّ مرتبط، فإذا تفكك بعضه تهدم سائره، والقرآن الكريم صريح وواضح في ذلك: (وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)[5].
فمعية الله للمؤمنين مشروطة بالتقوى:
(إِنَّ الْأَرْضَ لِلّٰهِ يُورِثُهٰا مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ وَالْعٰاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)[6]. (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ)[7]. (فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)[8]. (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ)[9].
فالشرط الذي يجب أن يتصف به الداعية إلى الله تعالى بعد الإيمان: التقوى، وأي تهاون في ذلك أو تسامح في حدود الله وحلاله وحرامه يسلب عنه صفة الداعية المؤمن، ويخرجه من حظيرة الدعاة إلى الله تعالى.
إن التقوى (دار حصن عزيز، والفسوق دار حصن ذليل) ، فالتقوى تحمي صاحبها في حصن منيع من الشيطان ووساوسه، ومن أهواء نفسه وشهواته، وهي الخطوة الأولى من النصر، فإن ميدان الداعية الأول هو (نفْسُه)، فإذا أنجز مهمته في هذا الميدان، واطمأن من نفسه، وجاهد نفسه، تقع عليه بعد ذلك مسؤولية الدائرة الصغيرة من الجهاد.
ومن العجب أن تكون ساحة الحياة والصراع القائم بين الكفر والإيمان هي الدائرة الصغيرة لجهاد المؤمن، وساحة النفس، والصراع القائم فيها بين التقوى والفجور، هي الدائرة الكبرى لجهاد المؤمن.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1] القصص: 5 – 6.
[2] النور: 55.
[3] آل عمران: 139.
[4] الأنفال: 19.
[5] البقرة: 194.
[6] الأعراف: 128.
[7] البقرة: 194؛ والتوبة: 36 و123.
[8] هود: 49.
[9] الجاثية: 19.
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
نتائج المواجهة مع الأعداء.. ما الذي ينطبق علينا اليوم؟ (2)
السيد عباس نور الدين
الإقرار بنعم الله عزّ وجلّ
الشيخ علي رضا بناهيان
أسباب الحبّ
حبيب المعاتيق
الإمام الرّضا (ع): رؤوف آل محمّد (ص)
حسين حسن آل جامع
حين ينبض القلب مسكا
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
وجهة
ناجي حرابة
الخلاص والشيشيّ والخنيزي.. تجذُّرٌ في واحتي الأحساء والقطيف
(واتريمبوه واليومي)… حكاية أهزوجة قطيفيّة
الميتافيزيقا المثلومة
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
مقام الرضا الأعظم
معنى (لفت) في القرآن الكريم
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
أسباب الحبّ
آل ربح والسّيهاتي يوقّعان في القطيف إصدارَيهما الجديدين
اختتام النسخة الحادية عشرة من حملة التّبرّع بالدّم (عطاؤك حياة)