كما أنّ الإنسان جسم وروح فإنّ للعبادات كذلك جسماً وروحاً.
جسم الصلاة يتمثل في التكبيرات والركوع والسجود والأذكار والقراءة والتشهد والتسليم وأمثالها، أمّا روح الصلاة فهو حضور القلب والتوجه لله فحسب وقطع ارتباط القلب بغير الله، وأنّ الصلاة المقبولة عند الله هي التي تقرّب الإنسان إلى الله، وتبعده عن الفحشاء والمنكر والأعمال القبيحة، وتعرج بالمؤمن إلى سماء الفضيلة.
لذا نقرأ في الروايات أنّه لا تقبل من الصلوات إلّا ما كان فيها حضور القلب. وهناك طرق لنيل حضور القلب في الصلاة ذكرناها في ج 14 من تفسير الأمثل ص 204 وما بعد.
وإنّ جسم الصيام يتمثّل في ترك الطعام والشراب وباقي المبطلات، أمّا روح الصيام فيظهر في الوصول إلى قمة التقوى يقول تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فإن أحيا الصيام روح التقوى في الصائم، عندها يكون صيامه جسماً وروحاً، أمّا إن كان صيامه كما قال علي عليه السلام: (كَمْ مِنْ صائِم لَيسَ مِنْ صِيامِهِ إلّا الجُوعُ وَالعَطشُ، وَكَم مِنْ قَائم لَيسَ مِنْ قِيامِهِ فِي اللّيلِ إلّا التَّعب وَالسَّهرُ).
إنّ المهمّ هو الاهتمام بروح العبادات بالإضافة إلى أجسامها، لأنّ من يهتمون بجسم العبادات فحسب ويغفلون عن روحها يرتكبون أخطاء جسيمة في هذا المجال، وكذلك من لا يهتمون بجسم العبادات ويتخيلون أنّهم يركزون على روح العبادات، فإنّهم قد ارتكبوا أيضاً أخطاء وسلكوا الطريق الخطأ، فجسم الحج يتمثل بالإحرام والوقوف في عرفات والمشاعر وأعمال منى والطواف والسعي والحلق والتقصير وأمثال ذلك، أمّا روح الحج فيتمظهر بأنّه عندما يرجع الحاج من مكة فيجب أن يكون إنساناً جديداً كيوم ولدته أمه، لا أن يرجع من هناك قد ملأ جيوبه بالأموال أو اشترى أدوات وأجهزة غير مطلوبة قد صنِّعت في دول غير معروفة.
نعم، إنّ روح الحج تتمثل في إيجاد وخلق التحول والتغيير في روح الإنسان، عبر النظر إلى آثار رسول الله صلى الله عليه وآله والتاريخ الحيّ للإسلام في مكة والمدينة المنورة، وعبر السفر والسير الروحي إلى قلب تاريخ الإسلام وزمن رسول الله صلى الله عليه وآله في صدر الإسلام، وأن ينظر بعين القلب كيف وقف رسول الله وحيداً مع خديجة وعلي (عليهما السلام) مقابل أنظار المشركين وأعداء الإسلام قائمين يصلّون لله عزّ وجلّ، ولا يفكّرون في ذلك إلّا برضى الله عزّ وجلّ.
وللإنفاق كذلك، جسم وروح، فجسمه يتمثّل بالمساعدات المادية وغيرها من قبل الناس القادرين وإعطائها للمحتاجين، أمّا روحه فهو الإخلاص وقصد القربة إلى الله تبارك وتعالى.
سؤال: لا دخل لأحد في نية الناس، فعندما يقوم شخص خيّر ببناء مدرسة أو مسجد أو حسينية أو مستشفى، فما الذي يغيّر من ذلك الشيء إذا كانت نيّته الرياء أو القرب إلى الله؟
جواب: إنّ هناك فرقاً شاسعاً بين من يقوم ببناء المستشفى بقصد رضى الله عزّ وجلّ وخدمة المحتاجين وبين من يقوم بذلك رئاء الناس والتظاهر أمامهم، فالأوّل يكون في سعي دؤوب للتقرّب إلى الله تعالى وجسر الهوّات بينه وبينه تعالى، وأمّا الآخر فدائب لاستغلال هذا الأمر عبر التظاهر به أمام الناس، إنّ هذا الفرق هو كالفرق بين من يبني مكاناً لرضى الله أو يسافر إلى منطقة محرومة، وبين ذلك الشخص الذي يعمل ويذهب إلى مكان آخر حتى يجتمع حوله الناس ويمدحوه، وإنّ الفرق بين هذين المثالين لا يمكن أن يكونا خافيين عن أحد.
فالمهندس والمعماري المرائي يفكر فقط بنفسه واللحظة التي يعيشها وذلك عبر الانتهاء من البناء واستلام النقود والوصول إلى الشهرة حتى لو أدى ذلك الأمر إلى انهدام ذلك البناء بعد مدّة قصيرة وما يؤدي من خسائر مادية وجسدية في المستقبل، أمّا ذلك الذي يعمل لرضا الله عزّ وجلّ فإنّه يفكر أيضاً في مستقبل عمله أيضاً..
إنّ الأعمال التي تؤدى في سبيل الله عزّ وجلّ ونوعيتها المستمدة من الإخلاص والتقرب إلى الله تتميز بأنّ قليلها كثير وأنّها دائمة رغم قلتها، ولنا في التاريخ الإسلامي نماذج كثيرة على ذلك بالإضافة إلى نماذج أخرى في سائر الأديان الأخرى، بأنّ العمل القليل المخلص كان مادة لخيرات كثيرة.
السيد محمد حسين الطبطبائي
الشيخ محمد مصباح يزدي
الفيض الكاشاني
الشيخ محمد صنقور
السيد عادل العلوي
عدنان الحاجي
السيد محمد حسين الطهراني
السيد عباس نور الدين
الشيخ جعفر السبحاني
السيد جعفر مرتضى
عبد الوهّاب أبو زيد
فريد عبد الله النمر
جاسم الصحيح
حبيب المعاتيق
الشيخ علي الجشي
حسين حسن آل جامع
الشيخ عبد الحميد المرهون
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
جاسم بن محمد بن عساكر
حرّيةُ الإنسان: لا حرّيّة أمام كلمة الحقّ
ألفاظ القرآن الكريم: وجوه المعاني وأنواعها
المعاد في القرآن الكريم
(ميزان الحكمة): موسوعة حديثيّة معاصرة
من وصايا الفَيض الكاشانيّ (قدّس سرّه)
وصف الله بالحكيم ليس متوقفاً على نفي العبث
قواعد في التميّز العلمي
التعددية الدينية
زيادة الذاكرة
الضمائر في سورة الشمس