مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
السيد عباس نور الدين
عن الكاتب :
كاتب وباحث إسلامي.. مؤلف كتاب "معادلة التكامل الكبرى" الحائز على المرتبة الأولى عن قسم الأبحاث العلميّة في المؤتمر والمعرض الدولي الأول الذي أقيم في طهران: الفكر الراقي، وكتاب "الخامنئي القائد" الحائز على المرتبة الأولى عن أفضل كتاب في المؤتمر نفسه.

التّفكير المنتج

"وَمَا بَرِحَ لِلَّهِ عَزَّتْ آلَاؤُهُ فِي الْبُرْهَةِ بَعْدَ الْبُرْهَةِ وَفِي أَزْمَانِ الْفَتَرَاتِ‏ عِبَادٌ نَاجَاهُمْ فِي فِكْرِهِمْ وَكَلَّمَهُمْ فِي ذَاتِ عُقُولِهِمْ فَاسْتَصْبَحُوا بِنُورِ يَقَظَةٍ فِي الْأَبْصَارِ وَالْأَسْمَاعِ وَالْأَفْئِدَةِ يُذَكِّرُونَ بِأَيَّامِ اللَّهِ وَيخَوِّفُونَ مَقَامَهُ بِمَنْزِلَةِ الْأَدِلَّةِ فِي الْفَلَوَاتِ" [الإمام علي، نهج البلاغة]‏

 

جعل الله الأرزاق للأجساد والأرواح؛ فمنها مادي ومنها معنوي روحيّ. العلم من الأرزاق المعنوية التي بها حياة الأرواح وكمالها. بدون العلم تموت النفس وإن بقي منها رمقٌ للأجساد. هذا هو ميّت الأحياء كما وصفه الإمام علي عليه السلام.

 

الأرواح تنمو وتزداد، وغايتها القصوى الوصول إلى مقام روح الله بعد أن كانت في نشوئها من روحه: ونفخت فيه من روحي. وفي ظل هذا المقام تتصل بالعلم المطلق فتعلم ما تريد حيث تريد.

 

وفي هذا النظام الكوني الذي جعله الله آية لحكمته المطلقة، كل شيء يجري بالأسباب؛ والأسباب هي ما يمكن للبشر أن يعقلوه من حركة الكون. وفي ظل التعقُّل يحصل الارتباط الواعي العميق بمسبّب الأسباب. فالعلم كرزق للأرواح لا يخرج عن نظام الأسباب. وإن أردنا تحصيل العلم والازدياد فيه يجب أن نسلك طريق الأسباب التي أشهرها التفكُّر، مثلما يكون السعي والعمل أشهر أسباب الرزق المادي. وإلى جانب سبب التفكُّر هناك الكشف والشهود والإلهام والتلقين.

 

العاقل يتبع الأسباب حين تُتاح له ولا يسد على نفسه أي باب يمكن أن يأتيه منه رزقه. فهو سالكٌ طريق التفكُّر، عاملٌ على فتح أبواب الكشف والشهود، منفتحٌ على تعاليم الكتاب والسنّة وإرث العلماء. وحين تتجلّى على قلبه معارف الغيب بطرق الكشف لا يسد باب التفكُّر، لأنّه وسيلة لإفهام الآخرين وإفاضة المعارف الوهبية عليهم.

 

التفكُّر وسيلة تنزُّل العلم وتنزيله، فهو حركة النفس إلى السماء وكذلك هو حركتها إلى الأرض. فهو وسيلة تحصيل الرزق الإلهي من فوق الأيدي ومن تحت الأرجل. ولكي تكون هذه الحركة منتجةً يجب رعاية شروطٍ أساسية كما يراعي طالب الرزق المادي شروطه، مؤمنًا بأنّ الله تعالى قد يؤتيه رزقه من حيث يحتسب ومن حيث لا يحتسب.

 

في الرزق المادي يطلب المؤمن الكفاف، وقد يطلب ما يزيد عليه لإعالة غيره وتنشيط الاقتصاد العام. فإذا رأى الله تعالى فيه الصلاح والأمانة وعدم الطغيان أجرى على يديه رزق غيره.

 

وفي الرزق المعنوي يطلب المؤمن العلم لمعرفة تكليفه ومسؤوليته. وقد يطلبه لهداية غيره والتقدُّم بمجتمعه. فإذا رأى الله تعالى فيه الصلاح جعله عالِمًا معلّمًا يبثُّ المعرفة التي يحتاج إليها المجتمع للبقاء والانتصار والازدهار. وشرط ذلك أن يتعرّف أولًا على عناصر التقدُّم والصمود والاقتدار حتى يكون العلم الموهوب متناسبًا مع هذه العناصر.

 

فحين نفكّر بأحوال مجتمعنا ونطلب له الخير والصلاح، سوف يؤتينا الله ما نحتاج إليه من علمٍ لتحقيق ذلك؛ وما علينا إلا أن نوجد الآليات المناسبة لتلقّي هذا العلم وتسييله في العمل والتطبيق. فمن طلب أن يرزقه الله قمحًا كثيرًا ليطعم شعبه في القحط والجوع يجب أن يبني الإهراءات المناسبة لتخزين هذا القمح. ومن طلب من الله أن يفيض على أرضه بالماء الكثير يجب أن يجهّز البيوت حتى لا تتداعى وتسقط على رؤوس أصحابها.

 

فالمشكلة في هذه الأمة أو هذا المجتمع كانت ولا تزال تدور حول تسييل العلم والاستفادة الصحيحة منه لا في استقباله أو تنزّله. فرزق العلم وفيضه لم ينقطع عن هذه الأمة أبدًا ما دام فيها من يحترم أسبابه ويتوسل بها ولا يحدّ عطاء الله ولا يمنع رحمته من أن تنزل على عباده؛ لكن هذه الأمّة كانت تعجز عن إيجاد الآليات الإدارية المناسبة لاستعمال العلم سواء في عملية بناء القدرة لدفع الأعداء أو في عملية بناء الحضارة التي تُعدّ هدف الاقتدار. ولو بحثتَ لوجدتَ الكثير من العلم المتروك والعلماء المنبوذين المهجورين بسبب تلك الآليات الخاطئة والمتخلّفة والضعيفة التي لا تسمح بسريان العلم الكثير في الحياة والعمل.

 

حين يكون الجهاز الإداري لأي مجتمع أو منظّمة عاجزًا عن استعمال الكثير من العلم، فمن المُتوقَّع ألّا يستقبل هذا المستوى من العلم؛ وحينها سيُصاب بالضعف ويصبح هدفًا سهلًا لأعدائه، فلا يقدر على مواجهتهم والانتصار عليهم.

 

وفي هذا النوع من التحدّيات، تحتاج الأجهزة المسؤولة عن بناء القدرة إلى تحديدٍ واضح لنقاط الضعف ومرتكزات القوة ومستلزماتها، ومن ثمّ البناء عليها وتأسيس الآليات والمؤسسات المناسبة لاستقبال إمدادات القوة التي تأتي من خلال العلم. حينها يصبح التفكُّر منتجًا بل عظيم الإنتاج؛ لأنّ هذه الأجهزة تكون قد تمكّنت من تحريك المجتمع كله في هذه العملية، التي لا يعلم إلّا الله لمن سيكون شرف استقبال العلم وتعليمه فيها، مثلما لا يعلم إلا الله من الذي سيكون له الفضل في إيصال الأرزاق للآخرين.

 

المجتمع الغبي هو الذي يحارب المتمولين والأغنياء لما لهم من دورٍ كبير في تدويل المال فيه؛ فبدلًا من صدّهم والتقليل من شأنهم، يعمل المجتمع الذكي على تسهيل عمليات الاستثمار ويوجد الوسائل الفعّالة للإنتاج في مختلف المجالات والميادين.

 

والمجتمع الغبي هو الذي يستخف بالعلماء ويحدّ من دورهم؛ فبدلًا من تقييدهم بحجّة حفظ النظام والهدوء، يوجد الآليات الفعّالة لنشر علمهم واستعماله باعتباره العنصر المحوري في الاقتدار.

 

هذه هي أصول التفكير المنتج للعلم. فمن أراد لشعبه أن ينهض ويقدر على مواجهة أعدائه وردعهم يجب أن يعيد النظر في المؤسسات التي بناها وآليات عملها وتعاملها مع العلم وهو يظن أنّها الآليات الوحيدة للاقتدار.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد