قصبات

زارة القطيف بين الرّواية والآثار

تفتح رواية منسوبة إلى أحمد بن حنبل، نافذة مشرّعة على إعادة قراءة تاريخ الزّارة والقطيف، في ضوء النّصوص الإسلامية المبكرة، إذ يورد في مسنده حديثًا عن لقاء النبي محمد (ص) بوفد عبد القيس عند قدومهم إلى المدينة المنورة، جاء فيه:  «... أي هجر أعز؟ قلنا: المشقّر، قال: فوالله لقد دخلتها وأخذت إقليدها... قال: وقفت على عين الزارة، ثمّ قال: اللّهمّ اغفر لعبد القيس إذ أسلموا طائعين غير كارهين، غير خزايا ولا موتورين». غير أن هذه الرواية جاءت مبتورة في أحد مواضعها، الأمر الذي ترك فجوة في فهم دلالاتها الجغرافيّة والتّاريخيّة.


ويشير الباحث التاريخي عبدالخالق الجنبي، في كتابه «هجر وقصباتها الثلاث»، إلى أنه عثر على ما يكمّل هذا النقص من خلال رواية أخرى أوردها أحمد بن حنبل في كتاب «فضائل الصّحابة»، بعد اطّلاعه على دراسة للأستاذ أحمد معتوق العيثان حول تاريخ القارة، إذ ينقل فيها أن النبي (ص) سأل وفد عبد القيس: «أي هجر أعز؟» فأجابوا: «المشقّر»، فقال: «والله لقد دخلتها وأخذت إقليدها»، ثم أتبع ذلك بسؤال آخر: «أي الخط أعز؟»، فقالوا: «الزارة»، فأجاب: «فوالله لقد دخلتها وأخذت إقليدها»، قبل أن يذكر وقوفه على عين الزارة ويدعو لعبد القيس بالمغفرة.


ويذهب الجنبي إلى أن هذه الزيادة ليست مجرد استكمال لفظي للرواية، بل تمثل عنصرًا حاسمًا في تحديد مدلولها التاريخي، إذ يرى أنها تربط بين المشقّر بوصفه حصن هجر، والزارة بوصفها حصن الخط، أي القطيف. ومن هذا المنطلق، يرى أن الحديث يقدم شاهدًا تاريخيًّا يمكن الاستناد إليه في تحديد موضع عين الزارة، التي يرجّح أنها كانت العين الرئيسة للعاصمة القديمة للقطيف.

 


ويستند هذا الطّرح إلى قراءة جغرافيّة للنّص، إذ يوضح الجنبي أن مدينة الزارة التاريخية كانت تقع بالقرب من بلدة العواميّة الحاليّة، وتحديدًا في جهتها الشرقية، ولم يبق منها اليوم سوى حي صغير لا يزال يحمل اسم «الزارة». كما يرى أن الإشارة الواردة في الحديث إلى وقوف النبي (ص) على الحجر الذي تنبع منه عين الزارة تنطبق على موقع واحد دون غيره.


وبحسب ما يورده، فإن هذا الموقع يقع على بعد نحو 500 متر جنوب الزّارة القديمة، حيث كان يوجد تلّ صخري عُرف بين أهالي القطيف باسم «جبل الحريف»، قبل أن يُزال بالديناميت في العقود الحديثة، ويقام في موضعه مركز لمرضى فقر الدم المنجلي. وكانت تنبع من هذا التّلّ عين مائية كبيرة عُرفت باسم «عين الحريف» أو «عين جبل الحريف». ورغم توقف جريانها نتيجة انخفاض منسوب المياه، فإن العين لا تزال قائمة، ويواصل أصحاب المزارع المجاورة الاستفادة من مياهها عبر المضخات الآلية. وتقع العين، وفق الوصف الذي يقدمه الجنبي، في الركن الشمالي الغربي مباشرة من مركز فقر الدم المنجلي، ولا يفصل بين الموقعين سوى شارع لا يتجاوز عرضه خمسة أمتار.


وانطلاقًا من هذه المعطيات، يخلص الجنبي إلى أن عين الحريف هي الموقع الذي كان يعرف تاريخيًّا باسم «عين الزارة»، مستندًا إلى التّطابق بين الوصف الوارد في الحديث والخصائص الجغرافية للمكان. كما يرى أن هذا التحديد يفسر الأهميّة الاستراتيجيّة للعين، التي جعلتها هدفًا رئيسًا للقوى التي حاصرت مدينة الزارة أو سعت إلى السيطرة عليها عبر مختلف المراحل التّاريخيّة.

 


وفي سياق آخر يعزّز الحضور التّاريخي للزارة، يورد الشيخ عباس القمي في كتاب «نفس المهموم» رواية تشير إلى أن أحد أصحاب الإمام الحسين (ع)، وهو الموقّع بن ثمامة الأسدي، مدفون في زارة القطيف. ويذكر القمّي أن الموقّع كان من الذين التحقوا بالإمام الحسين (ع) في كربلاء، وأصيب في المعركة قبل أن يتمكن قومه من إنقاذه ونقله إلى الكوفة. غير أن خبر نجاته بلغ عبيد الله بن زياد، فأمر بالقبض عليه تمهيدًا لقتله، إلا أن شفاعة جماعة من بني أسد حالت دون تنفيذ الحكم، ليُستعاض عنه بتقييده بالحديد ونفيه إلى الزّارة. وهناك، وبحسب الرواية، بقي يعاني آثار جراحه وهو مكبّل حتى توفي بعد عام من نفيه، لتضيف هذه الرواية بعدًا آخر إلى المكانة التّاريخيّة التي ارتبطت بمدينة الزارة في المصادر الإسلامية.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد