قصبات

من (أبو مغوّي) إلى (أمّ الخضر واللّيف)... حين كان الخوف وسيلة تربية وتعليم

بعض الحكايات لا تموت، بعضها يبقى في الذّاكرة والوجدان أبدًا، لأنّها خلقت في زمن خاصّ بها، من أجل أن تُصدَّق لا من أجل أن تُروى فقط.

 

وحين نحاول استعادة ذاكرة القطيف والأحساء بشكل خاصّ، وسائر دول الخليج بشكل عامّ، مسلّطين الضّوء على الموروث الشّعبيّ فيها، تتجلّى الكائنات الخرافيّة التي كانت تجوب البساتين وتعيش في العيون وتخرج من البحر أو تتربّص بالعابرين، لتعكس صورة مجتمع كامل، عمدَ بقصد أو بغير قصد، إلى ابتكار لغة تربويّة خاصّة، محوّلاً الخوف إلى وسيلة لضمان أمن الأطفال وسائر أفراد المجتمع.

 

أهل الواحتين (القطيف والأحساء) الذين عاشوا في بيئة مشرّعة على البحر والصّحراء والبساتين والعيون والآبار، احتاجوا إلى دفع المضرّة بأسلوب لا يكتفي بالنّصيحة فقط، إنّما يتعدّاها إلى ابتكار أساطير من وحي البيئة والمحيط، تؤدّي وظيفتها التّربويّة على أكمل وجه، فكان أن جعلوا للخطر فمًا يتكلّم، ولسانًا ينطق، وعيونًا ترى، وألبسوه لباس الطّبيعة أو ممّا كانوا يخشون منه، فكان "أبو مغوّي" مثلاً الذي يشير اسمه إلى إغواء النّاس وقيادتهم إلى التّيه والضّياع، واحدًا من تلك الأساطير التي إذا أردنا أن ننظر إليها نظرة متفحّص بالتّفاصيل، عرفنا أنّه ربمّا أراد الأوّلون أن يقولوا إنّ أخطر ما يواجه الإنسان ليس ما يهاجمه فقط، بل ما يغريه بالخطأ، وإن البحر لا يرحم مَن يثق بالطريق الذي لا يعرفه، أو ينفرد برحلته بعيدًا عن أهل الخبرة.

 

وتُستعاد هذه الفكرة نفسها في أسطورة "أبو رجول مسلوخة" الذي لم يتّخذ - بحسب وصف النّاس قديمًا له – شكلاً ثابتًا، لأنّهم بأنفسهم كانوا معنييّن بوصف الخطر أكثر من وصفه كوحش مرعب ومخيف، وليس ما به من تشوّه إلا كناية عمّا هو غير مألوف ومعروف، لذلك كان لا ينبغي للطّفل أن يسير وحده في الطّرقات، أو يبتعد عن أنظار أهله بعد غروب الشّمس.

 

 

أمّا "أمّ الخضر واللّيف" التي لم تكن سوى النّخلة بواقع أسطوريّ، فلم يكن الهدف منها سوى إبعاد الأطفال عن المزارع ليلاً، كي لا يصيبهم أذى، جرّاء قنوات الرّي والآبار والعيون والزّواحف وما إلى ذلك، وكذلك الأمر بالنّسبة إلى "جنّيّ العين" في الأحساء وتحديدًا في جبل القارة، إذ كان الهدف منه التّحذير من خطر الجبل ووعورة الكهوف، فيما يتجلّى الهدف من "راعية العين" - التي قيل إنّها تحرس عيون الماء – بضرورة احترام مصادر المياه، وعدم العبث بها، لأنّها كانت شريان الحياة الرّئيس حينها. 

 

وهكذا إذا ما دقّقنا وحقّقنا في عشرات الأساطير التي كانت حاضرة في الوجدان الشّعبيّ للمنطقة وتراثها وموروثها، عرفنا أنّ لكلّ أسطورة حكاية وهدفًا تربويًّا قابعًا خلف ستار التّخويف والتّرهيب، وأنّ هذه الأساطير كشخصيّاتٍ ولدَت من رحم البيئة، من البحر الذي أنجب كائناته، والنّخيل التي خلقت حرّاسها، والجبال التي اشتقّت وحوشها، واللّيل الذي صنع أشباحه، وكلّها على اختلاف أسمائها بين المناطق والقرى والدّول، تحمل في باطنها فكرة واحدة، هدفت إلى حماية الإنسان من المكان، والمكان من الإنسان.

 

وبشكل عامّ، لا يمكن النّظر إلى الحكايات اليوم بعين ساخرة أبدًا، أو بكونها دليلاً على بساطة المجتمعات قديمًا، فالأساطير في حقيقتها كانت لغة تربويّة خاصّة ومفيدة تناسب عصرها، لذلك فإنّ قيمتها أكبر من مجرّد السّؤال عنها، وهي تكمن في فهم ما كانت تمثّله في الوعي الجمعيّ، وربّما اختفت من الشّوارع والأزقّة، لكنّها لا تزال حاضرة في ذاكرة كثيرين، وحين نريد استحضارها لا يجب استحضار وحوش كاسرة، إنّما ينبغي الوقوف عند حكمة الأجداد والآباء والأمّهات، الذين علموا علم اليقن، أنّ الطّفل قد ينسى النّصيحة، لكنّه لا ينسى الحكاية.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد