ما يظهرُ جلياً من مدلول الآيتين:
وحين تُلاحَظ الآيتان بقطع النظر عن الروايات المذكورة نجدهما ظاهرتين في غير المعنى الذي تمَّ استظهارُه استناداً إلى الروايات المذكورة، فالخطابُ في الآيتين موجَّه للمسلمين، وحيث إنَّهما نزلتا بعد معركة بدر فهي تُخاطب من خاض هذه المعركة من المسلمين وتُعاتبُ منهم مَن قام بأسر المشركين، فكان عليهم أنْ لا يأسروا أحداً من المشركين بل يقاتلونهم فمَن تمكَّنوا منه أثناءَ القتال قتلوه لا أنْ يعملوا على أسرِه لكي يحظوا بفدائه بعد ذلك.
فالآية الأولى تُخاطبُ المسلمين بأنَّكم تقاتلون تحت رايةِ نبيٍّ، والأنبياءُ إذا خاضوا معركةً -دفاعاً عن الدين وإعلاءً لكلمة الله- لا يستهدفون مِن قتالهم أسرَ أحدٍ من أعداء الدين حرصاً على تحصيل الفداء بل يستهدفون تصفيةَ كلِّ من يعتدي عليهم ويقفُ عائقاً دون بسط الدين في الأرض، فإذا تمكنوا من الإثخان وبسط دين الله في الأرض فحينذاك لا محذور من الأسر للأعداء، وأمَّا قبل الإثخان وتمكُّن الدين من بسط سلطانه فلا يصحُّ مِن أتباع الأنبياء الأسرُ لأعداء الدين في المعارك التي يخوضونها.
فالآيةُ سيقت لمعاتبة أو تقريع المسلمين لقيامهم بأسرِ سبعينَ من صناديد قريش رغم تمكُّنهم من قتلِهم والاستراحة مِن بغيهم وعدوانهم، والآيةُ سيقت لمعاتبتِهم لحرصِهم على الأسْرِ طمعاً في أخذ الفداء بعد ذلك، وكان ينبغي أنْ تكون غايتُهم الإثخان وبسط سلطان الدين في الأرض، والذي يقتضي في ذلك الظرف استفراغ الوسع في قتل مَن يُتاح لهم قتله أثناء خوض المعركة، فهم كانوا في أول معاركِهم، فالكثرةُ والقوَّةُ كانت لأعدائهم، فلم يكن ينبغي لهم التهاون والاسترخاء معهم والعمل على أسْرِهم وقد أُتيح لهم إضعافهم بقتل أكبر عددٍ منهم، فالآيةُ إذن بصدد المعاتبة والتقريع على أصل الأسر، فهو الذي ينبغي أنْ لا يقع، فهي ليست بصدد الحديث عن أخذ الفداء من الأسرى واستبقائهم أو عدم استبقائهم وإنَّما كانت بصدد الحديث عمَّا كان عليهم فعلُه أثناء قيام المعركة وهو الحرص على القتل دون الأسر، فهذا هو مفاد قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} فهي تُوبِّخهم على قيامهم بأسر عشرات الأعداء رغم تمكُّنِهم من قتلِهم أثناء قيام المعركة والاستراحة من عداوتهم وطغيانهم، وأمَّا هو الحكم بعد وقوع الأسر وانتهاء المعركة فالآية ليست بصدد البيان له، وإنَّما تصدَّت لذلك آيةٌ أخرى، وهي قوله تعالى:{فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(1) فهذه الآية أجازت أخذ الفداء والانتفاع به، ولكنَّ ذلك لا يعني تصحيح ما قاموا به من الأسْر للمشركين، فكان عليهم أنْ لا يأسروهم أمَّا وقد وقع الأسر على خلاف ما يُريده الله تعالى فحينئذٍ يسوغُ لهم استبقاؤهم وأخذ الفداء منهم وإطلاق سراحِهم، فما اتَّخذه الرسولُ الكريم (ص) من قرار القبول بأخذ الفداء مطابقٌ للقرآن المجيد، والعتابُ والتوبيخُ في الآية الأولى والثانية إنَّما هو على أصل الأسر، أمَّا وقد وقع الأسر فحكم الأسرى هو استبقاؤهم وأخذُ الفداءِ منهم كما أفادت الآية الثالثة.
العتاب والتقريع والتهديد لمَن كانت همَّتهم الأسْر:
وخلاصة القول إنَّ العتاب والتقريع في الآية الأولى والثانية موجَّهٌ للمسلمين الذين خاضوا معركة بدر فكانت همَّتهم أسرَ مَن يمكن أسره من المشركين ليحظوا من ذلك بفدائهم، حتى ورد أنَّ بعضهم كان يقي أسيره حتى لا يُقتل والحرب قائمة (2) وكان الكثير منهم يحرص على الأسر لعلَّه أكثر من حرصه على القتل(3) فهؤلاء هم المعنيَّون من العتاب والتوبيخ في الآيتين، وذلك ظاهرٌ جدَّاً من قوله تعالى: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} فأصلُ الأخذ للأسرى منافٍ لما عليه سنَّةُ الله تعالى في أنبيائه إلا بعد أنْ يُثخنوا في الأرض ويتمكَّنوا من بسط الدين، وأمَّا قبل ذلك فسنَّةُ الله تعالى في أنبيائه هو عدم الأخذ للأسرى، والقرينة على أنَّ العتاب كان على أخذ الأسرى حال قيام المعركة وليس على أخذ الفداء بعد أنْ وقع الأسر، القرينة على ذلك هو الاتفاق على نزول الآيتين والآية الثالثة بعد معركة بدر وقبل تقسيم الغنائم وأخذِ الفدية من الأسرى فكيف يُعاتبُ الله المسلمين ويُهدِّدهم بالعذاب العظيم على عملٍ لم يفعلوه بعدُ، وأقصى ما كان منهم هو الرغبة في أخذ الفداء ولكنَّهم لم يأخذوا الفداء بعدُ بل كانوا ينتظرون القرار في ذلك، في حين أنَّ الآية الثانية قد نسبت إليهم الأخذ، قال تعالى:{لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} فهذا يدلُّ على أنَّهم يُعاتبون على فعلٍ قد ارتكبوه قبل نزول الآيتين والذي هو أخذ الأسرى والذي أفادت الآية الأولى أنَّه منافٍ لما عليه سنَّة الله تعالى في أنبيائه من عدم اتِّخاذ أسرى قبل الإثخان في الأرض.
إشكالٌ وجواب:
قد يُقال إنَّ الآيتين إذا كانتا بصدد العتاب والتوبيخ لمَن قاموا بأسر المشركين رغم تمكُّنهم من قتلِهم فلازم ذلك أنَّ القرآن قد وبَّخهم على فعلٍ لم يكن قد نهى عنه الرسولُ (ص) وهو ما لا يُمكن الالتزام به، إذ كيف يسوغُ التوبيخُ بل والتهديدُ بالعذاب العظيم على فعلٍ شيءٍ كانوا يرونه مباحاً بل راجحاً؟
والجواب إنَّه من أين لنا العلم أنَّ الرسول (ص) لم يكنْ قد نهى عن الأسر عند إمكان القتل بل قد يُقال إنَّ تصدِّي الآيتين للتوبيخ والتهديد بالعذاب العظيم يكشفُ عن أنَّ الرسول الكريم (ص) كان قد نهاهم عن الأسْر قبل الإثحان، على أنَّه يُمكن القول بأنَّ القضية لا تحتاج إلى نهيٍ صريح، فواقعُ الحال الذي كانوا عليه من الضعف والقلَّة في مقابل القوَّة والكثرة لأعدائهم، وقد مكَّنهم الله تعالى من أعتى أعدائهم وأشدِّهم بغياً عليهم وسعياً في استئصالهم، فمقتضى التعقل المُدرك لعامَّة العقلاء هو عدم الإبقاء عليهم ما وسعهم، ولهذا جهد عليُّ بن أبي طالب (ع) أنْ يقتلَ ما أمكنه قتله منهم، فقتل من المشركين يومذاك النصف أو ما يقربُ من نصف قتلاهم(4) ولم يأسرْ واحداً منهم رغم أنَّ مَن قدَر على القتل يكون أقدر على الأسْر. فهو (ع) لم يأسرْ أحداً لأنَّ قتل المشركين يوم بدرٍ أعزُّ للإسلام من استبقائهم، وهذا الشأن كان يُدركه المسلمون أو أهل البصائر منهم، ولهذا رُوي أنَّه لما وضع القوم – المسلمون- أيديَهم يأسرون ظهرتْ على وجه سعد بن معاذ الكراهيَّة لما يصنع الناس، فقال: يا رسول الله، أولُ وقعةٍ أوقعها الله بأهل الشرك فالإثخان في القتل أحبُّ إليَّ من استبقاء الرجال(5) على أنَّه ما مِن مؤمنٍ أو مسلم إلا ويُدركُ أنَّه لا يجوز أن تكون الغاية من قتال المشركين الطمعُ في عرَض الحياة الدنيا، وقد صرَّح القرآنُ المجيد أنَّ تلك هي غاية مَن حرصَ على الأسْر دون القتل فأفاد: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ..} فهم مُدرِكون لفساد قصدهم، لذلك فهم مستحقُّون للتوبيخ والتهديد.
وأمَّا ما قيل من أنَّ الرسول (ص) قد أمر بأسرِ مَن يُتاح لهم أسره فلا يصحُّ، فليس ثمة من خبرٍ يُمكن اعتماده في ذلك بل إنَّ الأخبار قد نصَّت على أنَّ الرسول (ص) كان يُحرِّض على القتال واستفراغ الوسع في جهاد العدو(6) وليس في شيء منها الأمر بالأسر، نعم ورد في بعض الأخبار نهيه لهم عن قتل مَن حضر الحرب مُستكرَهاً كالعباس بن عبد المطلب وعقيل بن أبي طالب، وورد أيضاً النهي عن قتل أبي البختري من المشركين لأنَّه لم يكن يُؤذي المسلمين في مكَّة إلا انَّه قُتل(7) وفيما عدا هؤلاء لم يثبتْ عنه أنَّه أمرَ بالأسر أو أجازه بل ثبت من الآيتين خلافُ ذلك كما أوضحنا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- سورة الأنفال: 69.
2- السيرة النبوية - ابن هشام الحميري- ج2/ 460، 461، البداية والنهاية- ابن كثير- ج3/ 349،
3-تاريخ الطبري- الطبري- ج2/ 151، السيرة النبوية- ابن هشام الحميري- ج2/ 458. جامع البيان- الطبري- ج10/ 63.
4- تفسير مجمع البيان - الطبرسي- ج4/ 494، الإرشاد -المفيد- قال:ثم بارز أمير المؤمنين عليه السلام العاص بن سعيد بن العاص ، بعد أن أحجم عنه من سواه فلم يلبثه أن قتله . وبرز إليه حنظلة ابن أبي سفيان فقتله ، وبرز بعده طعيمة بن عدي فقتله ، وقتل بعده نوفل بن خويلد - وكان من شياطين قريش - ولم يزل عليه السلام يقتل واحدا منهم بعد واحد ، حتى أتى على شطر المقتولين منهم -أي نصفهم-، وكانوا سبعين قتيلا تولى كافة من حضر بدرا من المؤمنين .. قتل الشطر منهم، وتولى أمير المؤمنين قتل الشطر الآخر"ج1/ 69، الدر النظيم -الشامي المشغري- ص152،إعلام الورى- الطبرسي- ج1/ 376،
5- البداية والنهاية - ابن كثير- ج3/ 347.
6-المغازي- الواقدي-ج1/ 58، شرح نهج البلاغة- ابن أبي الحديد-ج14/ 121، إمتاع الأسماع- المقريزي- ج1/ 100، السيرة الحلبية- الحلبي-ج2/ 393.
7-السيرة النبوية- ابن هشام الحميري- ج2/ 459. المصنف - ابن أبي شيبة- روى بسنده عن أن النبي ( ص ) قال يوم بدر : " من لقي منكم أحدا من بني هاشم فلا يقتله فإنهم أخرجوا كرها" ج8/ 481.
عدنان الحاجي
الشيخ شفيق جرادي
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الشيخ محمد صنقور
الشيخ فوزي آل سيف
الشيخ جعفر السبحاني
الشيخ محمد مصباح يزدي
الفيض الكاشاني
السيد عبد الأعلى السبزواري
الشيخ محمد هادي معرفة
حسين حسن آل جامع
حبيب المعاتيق
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
فريد عبد الله النمر
أحمد الرويعي
حسين آل سهوان
أسمهان آل تراب
أحمد الماجد
علي النمر
دور القيادة والأتباع في حركة سرب طيور الأوز، وماذا باستطاعتنا أن نتعلّم منها؟
الأدبيّات الدّينيّة
الإمام العسكري (ع) وتأصيل مرجعية الفقهاء العدول
آيات الله في خلق الرّوح (3)
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى..} مناقشة لدعوى سبب النزول (2)
الإمام العسكري (ع) والتّمهيد لغيبة صاحب الأمر (عج)
الشّاعر البريكي ضيف خيمة المتنبّي بالأحساء
أمسية شعريّة لابن المقرّب بمشاركة الشّاعرين البريكي والمؤلّف
القرن الثامن ومرجعيات شيعية
فلسفة الدين بلا إسلام