علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد مصباح يزدي
عن الكاتب :
فيلسوف إسلامي شيعي، عضو مجلس خبراء القيادةrn مؤسس مؤسسة الإمام الخميني للتعليم والبحث العلمي

شبهات حول العصمة

تمهيد

هناك العديد من الآيات القرآنيّة التي نسبت صدور أفعال من الأنبياء عليهم السلام، قد يظهر منها ما يُنافي عصمتهم، إضافة إلى ما ورد عنهم عليهم السلام وعن الأئمّة عليهم السلام في أدعيتهم ومناجاتهم من الاستغفار والتّوبة، الذي يوهم ارتكابهم المعاصي واقترافهم للذّنوب، فكيف نتعامل مع مثل هذه النصوص؟

 

الجواب: يقع في مقامين

المقام الأوّل: إنّ فهم مراد المتكلّم من كلامه يعتمد على القرائن المحيطة بكلامه سواء كانت القرائن لفظيّة أو حاليّة أو عقليّة، لما لها من أثر مهمّ في معرفة مقصود المتكلّم ومراده ، وكذلك لها أثر في تحديد وجهة الفعل الصّادر من فاعله، فإذا قام الدّليل العقلي القطعي على أمر ما، وورد دليل لفظي من الشارع الحكيم ظاهره مخالف لحكم العقل القطعي، فالدّليل العقليّ يُشكّل قرينة متّصلة بالكلام تُغيّر ظاهر الدّليل اللّفظي، وتفرض فهمه بكيفيّة تتوافق مع هذا الدّليل العقليّ كما هو الحال - مثلاً - مع الآيات والرّوايات الّتي قد يظهر منها ابتداءً وبلا تأمّل التّشبيه والتّجسيم لله تعالى، فإنّه لا بُدّ من التّعامل معها على أساس الظّهور المعتمد على القرينة العقليّة القطعيّة، والّتي تُعيّن المعنى المراد والموافق للتّنزيه- وذلك بعدما قام الدّليل العقليّ على وجوب التّنزيه وامتناع التّجسيم. وبهذه الطريقة تمّ التّعاطي مع قوله تعالى: ﴿يَدُ ٱللَّهِ فَوۡقَ أَيۡدِيهِمۡۚ﴾(1)، وغيرها من الآيات الّتي توهم التّجسيم والتّشبيه، حيث فُسِّرت اليد بالقدرة، بل هو المعنى الصّحيح الظّاهر من لفظ اليد، بالاعتماد على القرينة العقليّة الّتي قامت على استحالة التّجسيم. وهذا ليس تأويلاً وحملاً للكلام على خلاف ظاهره، بل هذا ما يُفهم من ظاهر الكلام مع التوجّه للقرينة العقليّة حال استماع هكذا كلام.

وكذلك الحال بالنّسبة إلى عصمة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام، فإنّ الدّليل العقليّ -الّذي تقدّم ذكره- والّذي أثبت عصمتهم عليهم السلام يُشكّل قرينة لا يمكن إغفالها، لما لها من دور في تحديد المعنى المقصود من أيّ كلام أو فعل يصدر عنهم عليهم السلام قد يتوهّم منه ما يُخالف عصمتهم، فيتعيّن حينئذٍ حمل الكلام على معناه الظّاهر المعتمد على تلك القرينة العقليّة، وهذه هي الطريقة العقلائيّة في الفهم والتّفهيم المتّفق عليها بين العقلاء، وكذلك الحال في القرائن اللّفظيّة، إذ لا بُدّ من تتبّع وجمع الآيات والرّوايات المرتبطة بموضوع معيّن حتّى تتشكّل من خلالها الصّورة الصّحيحة والكاملة للمفهوم المراد، لأنّ الاجتزاء والاكتفاء ببعضها، يؤدّي إلى انحراف الباحث عن الحقيقة الّتي يطلبها -حسب الفرض- وبعد هذا البيان أصبح بالإمكان شرح المقام الثّاني من الجواب.

المقام الثّاني: ويستعرض فيه جملة مفاهيم ومصطلحات ترجع إليها مجمل الشّبهات المطروحة، بحيث يرتفع الشّك والشّبهة بمجرّد توضيحها وفهمها بشكل صحيح.

1. إنّ الأوامر والنواهي الإلهية تنقسم إلى قسمين:

أ. أوامر ونواهٍ مولويّة، وهي تكاليف شرعيّة إلزامية يترتّب على تأديتها المدح والثواب، وعلى مخالفتها الذّم والعقاب، ومخالفة هذه التّكاليف هو الّذي يتنافى مع العصمة.

ب. أوامر ونواهٍ إرشادية، وإنّما هي مجرّد إرشاد وتوجيه للمصلحة والمفسدة في المأمور به والمنهي عنه، ولذلك لا يترتّب على مخالفة المنهي عنه العقاب، بل يتحمّل المخالف لها الآثار الوضعيّة والتكوينيّة المترتّبة عليها، وحالها حال نهي الطّبيب مريضه عن تناول طعام معيّن، فلو خالف المريض نهي الطبيب، فإنّه لا يترتّب عليه عقاب، ولكنّه يتحمّل الآلام المترتّبة على تناول الطّعام المنهي عنه.

وعليه فارتكاب هذا القسم من المخالفة لا ينافي العصمة، فإنّه قد لا يترتّب عليه لوم وعتاب فضلاً عن الذّمّ والعقاب.

2. ترك الأولى:

يجب إعادة التأكيد على أنّ الفعل الّذي يتنافى مع العصمة، هو خصوص الفعل المحرّم شرعاً، أو ترك الواجب كذلك، أمّا ما يُصطلح عليه بـ "ترك الأولى"، فإنّه لا يُنافي العصمة، فالإنسان المؤمن إذا ارتقى في درجات الإيمان، فلن يترك صلاة اللّيل، فإذا نام عنها ولو لمرّة واحدة، ستجده واقفاً بين يدي ربّه مستغفراً تائباً وكأنّه ارتكب فعلاً محرّماً، بل قد يشعر شعور المذنب حقيقة، فإذا كان هذا حال الإنسان العادي، فكيف بالأنبياء والأئمّة عليهم السلام وغيرهم من المعصومين؟! فإنّهم يشعرون بالذّنب لمجرّد الالتفات عن الخالق ولو كان التفاته لسبب ضروري، لأنّ له من المعرفة والارتباط باللَّه تعالى والشّوق للمثول بين يديه ما لا يُدركه غيرهم من الناس مهما بلغوا في مراتب عبوديّتهم.

3. الذنب والمعصية لغة:

توجد ألفاظٌ حُمّلت معاني أخصّ من معناها الحقيقيّ الأصليّ، فأصبحت بذلك مرادفة للفظ الحرام -أي مخالفة الأمر الإلهيّ الإلزاميّ-، وهذا ما أوقع بعض المفسّرين والمتكلّمين في الاشتباه مثل كلمة (ذنب) و(معصية)، فإنّها لا تختصّ بمخالفة أوامر اللَّه تعالى فقط، فالمعصية تعمّ كلّ مخالفة للطّلب ولو لم يكن صادراً من اللَّه تعالى فيُقال: (عصى التلميذ أستاذه)، والذّنب: هو كلّ فعل يستحقّ فاعله عليه العقاب بنظر من صدر بحقّه هذا الفعل، لأنّه يُعْتبَر جرماً بنظره، ومثاله قوله تعالى حكاية عن النّبيّ موسى عليه السلام: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾(2)، فهو ذنب بنظر فرعون وقومه يستحقّ عليه النّبيّ موسى عليه السلام العقاب بنظر فرعون، وهذا لا يعني أنّه ذنب وجرم عند اللَّه تعالى، وعليه ينبغي التأمّل عندما نقرأ أو نسمع بمعصوم استعمل هكذا ألفاظ، إذ يجب حملها على معناها الحقيقي الأعمّ من الحرام ولا يساويه.

 

إيّاك أعني واسمعي يا جارة

إنّه ممّا لا شكّ ولا ريب فيه أنّ من أهمّ وظائف الأنبياء والأئمة عليهم السلام هو دور تربية النّاس ودفعهم لتزكية أنفسهم، وتعليمهم كيفيّة التّعامل مع أنفسهم ومع ربّهم ومع المجتمع، ومن المعروف أنّ من جملة الأساليب التربويّة -في بعض الحالات- هو توجيه الخطاب لشخصٍ ويُراد به غيره، وذلك لأكثر من سبب. منها فتح قلوب الناس وعقولهم لإدراك المبادئ والقيم بشكل موضوعي، إذ إنّ توجيه الخطاب بشكل مباشر يدفع النّفوس المريضة إلى عدم التأمّل في المفاهيم والقيم بشكل صحيح، بل تستنفر طاقاتها للدّفاع عن ذاتها، لا لمحاكمتها، فتنصرف النّفس حينئذ عن إدراك الغاية وفهم المعنى، ولذلك استخدم القرآن الكريم هذا الأسلوب الّذي عبّر عنه الإمام الصّادق عليه السلام بقوله: "إنّ اللَّه بعث نبيّه بإيّاك أعني واسمعي يا جارة، فالمخاطبة للنّبيّ والمعنى للنّاس"(3) .

بعد هذا البيان يبقى الكلام حول بعض النّماذج من الآيات أو الرّوايات الّتي قد يُساء فهمها، وتُحلّ المشكلة فيها على أساس هذه الأمور الّتي تمّ استعراضها وتوضيحها كمقدّمات لحلّ الشبهات الواردة على الآيات والروايات.

هناك العديد من الآيات القرآنيّة أوهمت وقوع ما يخلّ بعصمة المعصومين، وحتى نرفع هذا التوهّم لا بدّ من إرجاع تلك الآيات إلى مبادئها وأصولها، والّتي من خلالها تُفهم بشكل صحيح.

 

آيات قصّة آدم عليه السلام

الآيات الّتي تحدّثت في قصّة النّبيّ آدم عليه السلام حول وسوسة الشيطان له، وإخراجه من الجنّة بسبب الأكل من الشّجرة، وقد نسب الله تعالى فيها لآدم عليه السلام ارتكاب المعصية والغواية، ثمّ توبة اللَّه  -سبحانه- عليه كما في قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنۡهَا فَبَدَتۡ لَهُمَا سَوۡءَٰتُهُمَا وَطَفِقَا يَخۡصِفَانِ عَلَيۡهِمَا مِن وَرَقِ ٱلۡجَنَّةِۚ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ - ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ﴾(4).

والجواب: بعد التّأمّل في مجمل الآيات الواردة في المقام يتّضح الجواب من خلال الإشارة إلى عدّة نقاط:

1. إنّ المعصية التي نُسبت لآدم عليه السلام هي مخالفته لنهي إرشاديّ لا يتنافى مع العصمة، وليست مخالفته لنهي شرعيّ تحريميّ (مولويّ)، بدليل أنّ الجنّة الّتي كان فيها آدم عليه السلام لم تكن دار تكليف أصلاً، ولم تنزل شريعة بعدُ، فلا وجود لأمر ونهي مولويّ حتّى يُخالفه.

2. إنّ المولى لم يرتّب عليها عقاباً، بل المترتّب على هذه المخالفة هو الخروج من الجنّة(5)، والهبوط إلى الأرض، وهذه هي الغاية من خلق آدم عليه السلام وبقيّة البشر، إذ يقول تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ﴾(6)، وترتّب على هذه المخالفة أيضاً انتقال آدم عليه السلام وحواء من مرحلة تحصيلهما ما يريدان بدون تعب إلى مرحلة شقاء المكابدة والمجاهدة لتحصيل الطّعام والشّراب واللّباس، فإنّه وبمجرّد أكلهما من الشّجرة بدت سوءاتهما وأدركا لزوم التّستّر، وهذه نتائج طبيعيّة للأكل من الشّجرة وليس عقاباً. قال تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾(7) .

وأمّا لفظ (غوى) بمعنى ضلّ، فهو يعني هنا - أيضاً - وقوع آدم عليه السلام في مخالفة النهي الإرشادي بالابتعاد عن الشجرة - كما مرّ آنفاً -، وليس المراد الغواية المحرّمة المسبّبة عن معصية الأمر المولوي من اللَّه -سبحانه-، ويمكن الاستدلال على ذلك بأمرين:

الأول: أنّه تعالى لم يُرتّب عليها عقاباً، بل أنهى تعالى كلامه برفع درجة آدم عليه السلام واجتبائه له ﴿ثُمَّ ٱجۡتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيۡهِ وَهَدَىٰ﴾(8) وهذا لا يتلاءم مع ارتكابه لفعل محرّم.

الثاني: أنّه تعالى قد تعهّد عند مخاطبته إبليس بقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٌ إِلَّا مَنِ ٱتَّبَعَكَ مِنَ ٱلۡغَاوِينَ﴾(9) بصيانة عباده من غواية إبليس -الغواية المحرّمة- والأنبياء عليهم السلام على رأسهم وآدم عليه السلام منهم، فينكشف أنّ الغواية هي المسبّبة لمخالفة النهي الإرشادي فقط دون غيرها.

 

آيات قصّة موسى عليه السلام

لقد تحدّث القرآن الكريم عن النّبيّ موسى عليه السلام في جملة آيات:

منها قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ﴾(10).

والشّبهة تدور حول قول النّبيّ موسى عليه السلام: ﴿هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ﴾ و﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾.

والجواب يظهر من جهتين:

الأولى: من ملاحظة مجموع الآيات، خاصّة وأنّ المولى -عزَّ وجلَّ- صدّرها بمدح النّبيّ موسى عليه السلام، وإظهار علوّ شأنه وارتفاع مرتبته، وأنّه من المحسنين، فكان جزاؤه من اللَّه تعالى أن آتاه العلم والحكمة الإلهيّين. وتصديرُ الآيات بالمدح للنّبيّ موسى عليه السلام وبيان أهليّته لتحمّل العهد الإلهيّ لا يتناسب مع نسبة المعصية المحرّمة إليه، فإنّ المعصية تقتضي الذّم لا المدح، وهذا واضح.

الثانيّة: إنّ المولى - عزَّ وجلَّ - قد استعمل لفظ (وَكَزَ) وهو ظاهر في أنّ الفعل الصادر من النّبيّ موسى عليه السلام لم يكن بقصد القتل، فهي ضربة لا تؤدّي إلى الموت عادة، فلا يُعدّ النّبيّ موسى عليه السلام مرتكباً لجرم وذنب يستحقّ عليه العقاب بالنّسبة إلى اللَّه تعالى، إلّا أنّ هذا لا يمنع من أن تتفاعل آثار موت القبطي من ناحية اجتماعيّة، بحيث يُعتبر النّبيّ موسى عليه السلام ظالماً ومذنباً ويستحقّ العقاب على فعله بنظر فرعون ومجتمع القتيل، وهذا المعنى صرّح به تعالى حكاية عن النّبيّ موسى عليه السلام في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾(11) .

فالنّبيّ موسى عليه السلام كان مذنباً بنظرهم، ولذلك كان يستحقّ العقاب بقتله قصاصاً أيضاً بنظرهم، ولذا قال: (ولهم) ولم يقل "ولك عليّ ذنب".

ولأنّ موت هذا الرجل بهذه الضّربة - المعبّر عنها بـ (وَكَزَ)- لم يكن أمراً طبيعيّاً، بحيث لا يتوقّع من مثله أذيّة كبرى فضلاً عن الموت، نسبه النّبيّ موسى عليه السلام إلى الشيطان، بقوله ﴿هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ﴾(12) وأمّا طلب النبيّ موسى عليه السلام من المولى - عزَّ وجلَّ - أن يغفر له، فهو بمعنى محو أو تخفيف الآثار والنتائج الاجتماعيّة المترتّبة على هذا الفعل الذي لم يكن محرّماً.

 

آيات في قصّة النبيّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم

لقد نسب القرآن الكريم إلى النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم ارتكاب ذنوب، وقد غفرها له كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا * لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾(13). وهذه الآية من جملة الآيات الّتي أُشكل فهمها على بعض المفسّرين والمتكلّمين، إذ توهّموا أنّ اللَّه تعالى قد نسب إلى نبيّه صلى الله عليه ولآله وسلم ذنباً، وهو منافٍ للعصمة المفروضة.

والجواب: إنّ التأمّل في الآيات المذكورة يدلّ على أنّ المراد من الذّنب هنا هو ما ارتكبه النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بحقّ قريش والمشركين من إهانة آلهتها، وقتل أبطالها، وكسر هيبتها، فالنّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مذنب بنظر قريش وقد استحقّ عندهم بذلك العقاب والانتقام منه صلى الله عليه وآله وسلم على ما فعله بهم وبآلهتهم، وبهذا يصبح للرّبط بين الفتح والمغفرة معنى، فإنّ الفتح - بغضّ النظر عن كونه صلح الحديبية، وعليه الأكثر، أو فتح مكّة - الّذي تحقّق على يد النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قضى على آخر أمل لقريش في معاقبة النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم على ما ارتكبه بحقّها وفي نظرها.

وبالتأمّل فيما ذُكر يتّضح المقصود من الذّنب والمغفرة في المقام، وأنّه ليس بمعنى مخالفة أمر شرعيّ إلزامي فلا يكون مخالفاً ومنافياً لعصمته صلى الله عليه وآله وسلم...

وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوۡ تَقَوَّلَ عَلَيۡنَا بَعۡضَ ٱلۡأَقَاوِيلِ * لَأَخَذۡنَا مِنۡهُ بِٱلۡيَمِينِ﴾(14) فإنّها وغيرها من الآيات من باب "إيّاك أعني واسمعي يا جارة"، الّذي قال فيه الإمام الصادق عليه السلام: "فالمخاطبة للنّبيّ والمعنى للنّاس"(15). إضافة إلى أنّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصدر منه التقوّل والكذب على اللَّه -والعياذ باللَّه- وبالتّالي لم تصدر منه المعصية للَّه تعالى.

ــــــــــــــــــــــــــــ

1 سورة الفتح، الآية 10.

2 سورة الشعراء، الآية 14.

3 الشيخ الحويزي، تفسير نور الثقلين، تصحيح وتعليق: السيد هاشم الرسولي المحلاتي، مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، إيران -قم، 1412هـ - 1370ش، ط4، ج4، ص234.

4 سورة طه، الآيتان 121 - 122.

5 في تفسير القمي عن أبيه رفعه قال: قال سُئل الصادق عليه السلام عن جنة آدم أمن جنان الدنيا كانت أم من جنان الآخرة؟ فقال: "كانت من جنان الدنيا تطلع فيها الشمس والقمر ولو كانت من جنان الآخرة ما أخرج منها أبداً آدم ولم يدخلها إبليس". (تفسير القمي، مصدر مذكور، ج1، ص43). وهذا الأمر اتفقت عليه العلماء على أنّ الجنّة المذكورة ليست جنّة الخلد؛ وذلك لأنّ جنّة الخلد هي نتيجة العمل في الدنيا، إضافة إلى أنّ الداخل إليها لا يخرج منها، وأما التوبة للنبي آدم عليه السلام، فإنّ التوبة عن كلّ شيء بحسبه، وبما أنّ المعصية كانت لأمر إرشادي مخالف للأولى كانت التوبة كذلك. (انظر: الميزان في تفسير القرآن، للعلامة الطباطبائي، مصدر مذكور، ج1، ص127 وما بعد).

6  سورة البقرة، الآية 30.

 7 سورة الأعراف، الآيات 20 - 22.

 8 سورة طه، الآية 122.

 9 سورة الحجر، الآية 42.

10 سورة القصص، الآيات 14 – 16

11  سورة الشعراء، الآية 14.

 12 سورة القصص، الآية 15.

 13  سورة الفتح، الآيتان 1 - 2.

14 سورة الحاقة، الآيتان 44 - 45.

15 النمازي الشاهرودي، الشيخ علي، مستدرك سفينة البحار، تحقيق وتصحيح: الشيخ حسن النمازي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، إيران -قم، 1418ه-، لا.ط، ج8، ص484.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد