المترجم: عدنان أحمد الحاجي
دراسة جديدة، أجراها مركز كونراد لورينز Konrad Lorenz لأبحاث السلوك والإدراك بجامعة ڤيينا سلّطت الضوء على أحجية قديمة في سلوك الحيوانات: لماذا يمتلك أفراد معينون منها نفوذًا أكثر من باقي أفراد السرب؟ تُبين هذه الدراسة أن الإوز الجريء [الذي يتميز بالثقة في التعامل مع المحيط وبالمجازفة بحثًا عن المرعى ومكان المبيت] - وليس الإوز العدواني الاتقائي [الذي يدافع عن عشه وبيضه وصغاره] - أكثر قبولًا من بين أفراد سربه كقائد للسرب، بينما تنزع الإوز الاستكشافية [التي تتميز بفضولها الفطري لاستكشاف محيطها] إلى إتِّباع الإوز الجريء باعتباره قائدًا للسرب، ما يكشف عن تفاعلٍ دقيقٍ بين الأدوار الشخصية والاجتماعية في قرارات حركة السرب. نُشرت نتائج الدراسة (1) مؤخرًا في مجلة العلوم متعددة التخصصات iScience.
بالرغم من أن قوانين التفاعل الاجتماعي البسيطة قد تفسر أسلوب تحرك أفراد سرب الحيوانات معًا، إلا أننا ما زلنا لا نعرف سوى البسيط عن الاتساق الطويل الأمد للأدوار الاجتماعية عند الحيوانات - ولماذا تنجح بعض أفراد الحيوانات في ممارسة تأثيرها على القرارات الجماعية (2) أكثر من غيرها من أفراد السرب الأخرى.
لفهم هذه الديناميكيات بشكل أفضل، بحثت الدراسة الجديدة ما إذا كانت إوزة رمادية (3) معينة (اسمها العلمي Anser anser) لها نزعة ثابتة (سمة ثابتة دائمة) إما أن تكون قائدًا أو تابعًا للقائد، وما إذا كان يمكن التنبؤ بهذه الأنماط السلوكية من بعض السمات والتصرفات التي تظهرها مثل الجرأة والمبادرة أو العدوانية (الاتقائية) أو الاستكشاف (الفضول). رصد الباحثون سربًا من الأوز في محطة أبحاث كونراد لورينز في منطقة غروناو إم ألمتال النمساوية - وهي مجموعة أوز قدمها الحائز على جائزة نوبل كونراد لورينز في السبعينيات.
على مدى أربع سنوات، وثقوا مئات من عمليات الطيران الجماعي [والتي تنطوي على عملية اتخاذ قرارات معقدة من قبل الأفراد، حيث تتواصل فيما بينها بأصوات وحركات معينة لحشد أفراد أوز أخرى للطيران مع السرب]، وذلك بملاحظة ورصد من بدأ رحلة الطيران، ومن استجاب لها من أفراد الأوز الأخرى، ومدى حجم السرب المغادر في رحلة الطيران. وبالتوازي مع ذلك، قاموا بتقييم السمة الشخصية وذلك بعمل اختبارات موحدة: مسافة الرحلة التي يقطعها الأوز الجريء، والتي يقطعها أفراد الأوز العدوانية متابعةً للأوز الجريء، وأفراد الأوز الفضولية (الاستكشافية) التي تتفاعل مع أشياء جديدة.
الهدف من الدراسة كان معرفة كيف يؤثر الاختلاف الفردي في قرارات التحرك وتدفق المعلومات بين أفراد السرب.
قادة جريئة وأتباع تتميز بالفضولية
تقدم الدراسة رؤيتين رئيسيتين: تتميز كل أوزة بسمات شخصية ثابتة - الجرأة أو العدوانية أو الاستكشاف - تستمر لسنوات، وهي تتحرك يوميًّا في أسراب فرعية جماعية للبحث عن الطعام ومكان للمبيت في مواقع مختلفة في الوديان. تُثبت النتائج أن أفراد الأوز الأكثر جرأة هي أكثر احتمال لتكون متبوعة من قبل باقي أفراد السرب عند إطلاق نداء المغادرة والطيران. أما الأفراد الأخرى في السرب التي تتبع الأوز الجريء في الطيران، فتنزع إلى أن تكون أوز استكشافية فضولية، مفضلة أن تكون تابعة للأوز الجريئ فيما يخص مسألة القيادة على الأوز العدواني أو المسيطر. [المعروف سابقًا أن الأوز خلال الطيران يطير مشكلًا رقم ٧ ويتبادل أدوار القيادة الموزعة مسؤليتها بالتساوي على أفراده (4)].
يواجه السرب يوميًّا مفاضلة أو مقايضة عند الانتقال إلى مناطق بحثًا عن الطعام أو مواقع مبيت جديدة: تتمثل في الموازنة بين سلامة المواقع المألوفة لها والآمنة وبين المنافع المحتملة من استكشاف مناطق مجهولة. تساعد الأوز التي تتميز بسمات شخصية جريئة في إدارة هذه المقايضة وذلك بتوفير الحماية أثناء الانتقال المحفوف بالمخاطرة أو المجازفة، بينما تفضل أفراد الأوز الفضولية الاستكشاف.
بعكس ما هو متوقع، السمة العدوانية عند الأوز ليس عامل تنبؤ بالقيادة خلال رحلة طيران السرب، بالرغم من أن الأوز الأكثر عدوانية غالبًا ما يشغل مراتب اجتماعية عليا. الأكثر تأثيرًا من أفراد الأوز الذي يبدأ دعوة أفراد السرب الباقين للطيران يحمل سمة الجرئة لا العدوانية - وهذه سمة توحي بأسلوب قيادة وقائية لا أسلوب قيادة مهيمنة. أفراد الأوز الجريء عادة ما يوفر الأمان في المواقف الغامضة (غير المألوفة)، بينما تُساهم الأوز المستكشفة (الفضولية)، التي تتبع في القيادة الأور الجريء، بالتعرف على فرص جديدة ونقل معلومات إلى أفراد السرب، وذلك من خلال التعلم الاجتماعي [تعلم باقي أفراد السرب من الأوز من خلال تقليد أو محاكاة سلوك الأوز المستكشف (5)].
إعادة النظر في التأثير والقيادة
"تساعد نتائج هذه الدراسة في تفسير سبب تمتع الأفراد من ذوي سمات معينة بنفوذ أكثر باستمرار"، كما قالت الباحث الرئيس سونيا كلايندورفر Sonia Kleindorfer. "والأكثر أهمية من ذلك، تلفت هذه النتائج النظر إلى أهمية وجود الأتباع من أفراد البشر - الذين غالبًا ما يُغفل دورهم في المجتمع المتمثل في تأمين الموارد. ماذا لو اختار الأتباع بشكل فعال من يتبعون من القادة بناءً على المميزات التي يحصلون عليها؟ هذا من شأنه أن يُحوّل التركيز ويلفت الانتباه إلى القدرات الإدراكية (الذهنية) التي يتمتع بها الأتباع ويُغير الأفكار التقليدية المتعلقة بالسمات الأكثر أهمية التي يجب توفرها في القادة".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- http://https://www.cell.com/iscience/fulltext/S2589-0042(25)01431-2
3- https://ar.wikipedia.org/wiki/إوزة_ربداء
4- https://www.birdwatchingdaily.com/beginners/birding-faq/how-do-geese-decide-who-leads/
5- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/نظرية_التعلم_الاجتماعي
المصدر الرئيس
https://www.univie.ac.at/en/news/detail/what-geese-teach-us-about-leadership-and-followers/
عدنان الحاجي
الشيخ شفيق جرادي
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
الشيخ محمد صنقور
الشيخ فوزي آل سيف
الشيخ جعفر السبحاني
الشيخ محمد مصباح يزدي
الفيض الكاشاني
السيد عبد الأعلى السبزواري
الشيخ محمد هادي معرفة
حسين حسن آل جامع
حبيب المعاتيق
ناجي حرابة
عبدالله طاهر المعيبد
فريد عبد الله النمر
أحمد الرويعي
حسين آل سهوان
أسمهان آل تراب
أحمد الماجد
علي النمر
دور القيادة والأتباع في حركة سرب طيور الأوز، وماذا باستطاعتنا أن نتعلّم منها؟
الأدبيّات الدّينيّة
الإمام العسكري (ع) وتأصيل مرجعية الفقهاء العدول
آيات الله في خلق الرّوح (3)
{مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى..} مناقشة لدعوى سبب النزول (2)
الإمام العسكري (ع) والتّمهيد لغيبة صاحب الأمر (عج)
الشّاعر البريكي ضيف خيمة المتنبّي بالأحساء
أمسية شعريّة لابن المقرّب بمشاركة الشّاعرين البريكي والمؤلّف
القرن الثامن ومرجعيات شيعية
فلسفة الدين بلا إسلام