
بيّنت دراسة أجراها باحثون في كلية الصحة العامة العالمية بجامعة نيويورك، أنّ القلق من التقدم في السن، ولا سيما المخاوف من تدهور الصحة المصاحب للشيخوخة، قد يظهر على المستوى الخلوي ويسهم في تسريع الشيخوخة بين النساء.
أفادت نتائج دراستنا بأن القلق من جراء التقدم في السن والشيخوخة ليس مجرد مخاوف نفسية أو أوهام لا غير، بل يؤثر فعلياً في الجسم ويترك آثاره عليه، وقد يؤدي إلى مشكلات صحية حقيقية، بحسب ماريانا رودريغزMariana Rodrigues، طالبة دكتوراه في كلية الصحة العامة العالمية بجامعة نيويورك والمؤلف الرئيس للدراسة المنشورة في مجلة علم النفس العصبي والغدد الصماء (1). بعبارة أخرى، قد يُسهم الخوف أو الشعور بالتوتر من الشيخوخة في حدوث تغييرات ملموسة في الجسم وتدهور في الصحة.
الكثير من النساء يشعرن بالقلق والتوتر حيال التقدم في السن خوفًا من ضعف البدن، أو الإصابة بأمراض، أو فقدان القدرة على القيام بالشؤون الشخصية اعتمادًا على النفس. كما تفيد نتايج الدراسة أيضًا أن هذا النوع من التوتر النفسي لا يقتصر تأثيره على المشاعر فحسب، بل قد يؤثر في الجسم على المستوى البيولوجي (الخلوي). فعلى وجه التحديد، يمكن أن يؤثر التوتر النفسي في عمل الجينات (من خلال ما يُعرف بالتغيرات فوق الجينية (apigenetics) [مدى تأثير السلوكيات والبيئة في طريقة عمل الجينات، أي تفاعل البيئة مع الجينات] (2)، ما من شأنه أن يُسرّع من عملية الشيخوخة البيولوجية لدى النساء. بعبارة أخرى قد يودي القلق من التقدم في السن في تسريع الشيخوخة التي تظهر آثارها على البدن وقذ تؤدي إلى تدهور في الصحة.
"نعرف من الدراسات السابقة أن مشكلات الصحة النفسية، ومنها القلق والاكتئاب، ترتبط عمومًا بعدد من مشكلات الصحة البدنية، ولكن حتى الآن لم يركز الباحثون بشكل كافٍ على ما إذا كانت هناك علاقة تلازمية بين القلق من التقدم في السن والشيخوخة وبين عملية الشيخوخة نفسها (التغيرات البيولوجية الطبيعية التي تحدث في الجسم بمرور الزمن، نتيجة الشيخوخة، مثل تجاعيد الجلد - لا بسبب الإصابة بمرض أو بسبب نمط الحياة أو راجعة لأسباب أخرى غير طبيعية)"، كما أوضحت رودريغز.
تشير رودريغز إلى أن النساء قد يشعرن بقلق خاص حيال الشيخوخة لأن المجتمع يولي قيمة عالية للشباب والجمال، ولأنهن يساورهن مخاوف أيضّا بشأن انخفاض معدل خصوبتهن.
وأضافت رودريغز: "قد تضطلع النساء في منتصف العمر بأدوار متعددة، بما في ذلك رعاية والديهن المسنين. فبملاحظتهن والديهن وهم يتقدمون في السن وما يصاحب ذلك من أمراض، قد يساورهن قلق بشأن ما إذا كان سيحدث لهن الشيء نفسه".
لمعرفة العلاقة التلازمية بين القلق بشأن الشيخوخة والشيخوخة نفسها بشكل أفضل، قام الباحثون بتحليل بيانات 726 امرأة شاركن في دراسة منتصف العمر في الولايات المتحدة (مشروع دراسة MIDUS). وسُئلت النساء عن مدى قلقهن من فقدان جاذبيتهن مع تقدمهن في السن، وتفاقم مشكلاتهن الصحية، أو احتمال عدم تمكنهن من الإنجاب بسبب تقدمهن في السن.
جمعت الدراسة أيضًا عينات دم لقياس الشيخوخة باستخدام نوعين من الساعات فوق الجينية (epigenetic clocks)" (4 ، 3)" (الساعة فوق الجينية هي طريقة كيماوية بيولوجية لتقدير وتيرة الشيخوخة البيولوجية بناءً على التغيرات في الحمض النووي). أحد النوعين يرصد وتيرة الشيخوخة البيولوجية (DunedinPACE)، والآخر يقدّر الضرر البيولوجي التراكمي (GrimAge2). وقد اقترن ازدياد القلق بشأن التقدم في السن بتسارع الشيخوخة فوق الجينية (الشيخوخة بسبب عوامل فوق جينية؛ أي درجة الشيخوخة بناءً على أنماط مثيلة الحمض النووي - والتي تقترن بمجموعة من العوامل، بما فيها الغذاء ونمط الحياة والوراثة والأمراض (5))، وفقًا لطريقة الـ DunedinPACE. من المحتمل أن تُسهم هذه التغيرات البيولوجية في تدهور الصحة البدنية وفي ارتفاع قابلية الإصابة بأمراض مرتبطة بالشيخوخة.
عامل الهم أو القلق المتعلق بتدهور الصحة مع التقدم في السن كان له أقوى اقتران بالشيخوخة فوق الجينية، بحيث يصبح لدى النساء استعداد لظهور علامات شيخوخة بيولوجية أقوى على المستوى الخلوي (5)، بينما لم يكن للقلق بشأن تراجع الجاذبية أو الخصوبة أي اقتران يُذكر بالشيخوخة فرق الجينية. قد يعود ذلك إلى أن الدراسات بينت أن المخاوف المتعلقة بالصحة هي أكثر شيوعًا ولا تتلاشى مع التقدم في السن، بينما المخاوف بشأن الجمال والصحة الإنجابية قد تتلاشى مع التقدم في السن.
ووفقًا للباحثين، تفيد الدراسة بأن صحتنا النفسية وصحتنا البدنية، بشكل عام، متربطتان ارتباطا وثيقًا بالرغم من أنهما غالبًا ما تعملان باعتبارها مشكلتين منفصلتين، مما يدل على أن العقل والجسد متلازمان التزامّا وثيقًا. فالضغط النفسي المستمر بسبب الخوف من تدهور الصحة مع التقدم في السن قد يؤثر بالفعل في تسريع شيخوخة أبداننا.
"وجدت دراستنا أن قلق الشيخوخة (القلق أو الخوف من التقدم في السن) - قابل للقياس بصفته عاملًا نفسيًّا قابلًا للقياس والضبط، ويبدو أنه يُؤثر في بيولوجيا الشيخوخة"، بحسب أدولفو كويفاس Adolfo Cuevas، الأستاذ المشارك في العلوم الاجتماعية والسلوكية بكلية الصحة العامة العالمية بجامعة نيويورك والمؤلف الرئيس للدراسة.
كما أشار الباحثون إلى أن الدراسة، التي أعطت لمحة عن قلق الشيخوخة والعلامات الحيوية اقتصرت على دراسة المشاركات في فترة زمنية محددة، لا يُمكنها استبعاد تأثير عوامل أخرى في هذه التغيرات البيولوجية، ولذا لا يمكنها إثبات أن قلق الشيخوخة يُودي إلى هذه التغيرات البيولوجية بشكل مباشر (بسبب وجود هذه العوامل الأخرى). قد تلجأ اللاتي يشعرن بالقلق حيال تقدمهن في السن إلى أساليب غير صحية للتخفيف من غلواء هذا القلق، ومنها التدخين، أو تعاطي الكحوليات، أو الإفراط في تناول الطعام، أو إهمال ممارسة التمارين الرياضية. ومن المعروف أن هذه السلوكيات الضارة تُسرّع الشيخوخة البيولوجية. لذا، قد لا يكون القلق بحد ذاته هو السبب المباشر لتسريع الشيخوخة، بل قد يؤدي إلى عادات غير صحية، وهذه العادات هي التي تُسهم فعليًّا في تسريع الشيخوخة. وبعد أن قام الباحثون بضبط هذه السلوكيات إحصائيًّا، ضعف التلازم بين قلق الشيخوخة وبين الشيخوخة فوق الجينية ولم تعد ذات دلالة إحصائية معتبرة، مما يُوحي بأن هذه السلوكيات الضارة نفسها قد تلعب دورًا مهمًّا في تسريع الشيخوخة البيولوجية.
هناك حاجة إلى مزيد من الدراسات الطولية لتوضيح مدى تأثير هذا النوع من القلق في الصحة البيولوجية والصحة النفسية وتسريع الشيخوخة البيولوجية مع التقدم في السن، ما من شأنه أن يساعد المتخصصين في الرعاية الصحية على التعرف على أفضل السبل لدعم من يعانين من قلق الشيخوخة والحد من الأضرار المحتملة المرتبطة به.
وقالت رودريغز: "الشيخوخة أمر حتمي وكلنا معرضون لها وتؤثر فينا، بغض النظر عن خلفياتنا الأخرى. لذا ينبغي على المجتمع أن يأخذ مسألة الشيخوخة على محمل الجد وأن يفكر مليًّا ويناقش مدى تأثير المعايير الثقافية والأعراف الاجتماعية والمؤسساتية وعلاقاتنا الشخصية فيها وفي كيفية التعامل مع تحدياتها، والعمل على تهيئة بيئة صحية داعمة لكبار السن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S0306453025004275#bib40
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/علم_التخلق
3- http://https://en.wikipedia.org/wiki/Epigenetic_clock
4- https://pmc.ncbi.nlm.nih.gov/articles/PMC6826138/
5- http://https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/35726002/
المصدر الرئيس
معنى (نحس) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
القلق من التّقدّم في السّنّ والخوف من تدهور الصحة قد يسرّعا من الشّيخوخة بين النّساء
عدنان الحاجي
وحدة الاختبار الروحي بين ابن عربي ولاوتسو (5)
محمود حيدر
ما هو الصّوم الهادف؟
السيد عباس نور الدين
إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
حارب الاكتئاب في حياتك
عبدالعزيز آل زايد
الأقربون أوّلاً
الشيخ مرتضى الباشا
تداخل الأزمنة في (المعتزلي الأخير)
هادي رسول
السّبّ المذموم وعواقبه
الشيخ محمد جواد مغنية
فأَوقِد لي يا هامان على الطين!
الشيخ محمد هادي معرفة
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
الإمام المهديّ: وكان آخر الكلمات
حسين حسن آل جامع
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
معنى (نحس) في القرآن الكريم
مراجعات في سورة المجادلة
(ماذا لو زارتنا الغيمات) قصّة للأطفال لزينب المطرود
على قدر استعدادنا يأتي زادنا
الخطوات التحضيرية لدخول شهر رمضان
هيدروجين أخضر باستخدام محفّزات ضوئيّة ثنائيّة الأبعاد
القلق من التّقدّم في السّنّ والخوف من تدهور الصحة قد يسرّعا من الشّيخوخة بين النّساء
معنى (نبز) في القرآن الكريم
وحدة الاختبار الروحي بين ابن عربي ولاوتسو (5)
قراءة في كتاب زاد اللّقاء في شرح دعاء استقبال شهر رمضان