قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

فيمن نزلت: { قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا..}؟

المسألة:

 

فيمَن نزلت هذه الآيةُ الشريفة: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(1)

 

الجواب:

 

الظاهر أنَّ هذه الآية الشريفة نزلت في سياق الآية التي سبقتها وهي قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}(2)

 

وقد ورد في الأخبار أنَّ الآيتين نزلتا في غزوة الأحزاب بعد أمر الرسول الكريم (ص) المسلمين أن يخندقوا المدينة وأن يرابطوا خلف الخندق بعد حفره خشية أن يتسلل المشركون من بعض جهاته أو أن يردموا موضعاً منه فعبروا من خلاله، وقد جهد المؤمنون في حفر الخندق والمرابطة خلفه إلا أنَّه قد تعنُّ لبعضهم الحاجة للعودة إلى منزله فعليه أن لا ينصرف قبل أن يستأذن النبيَّ (ص) فإن أذنَ له وإلا لم يسعْه الانصراف، فكان مَن يتفق له ذلك يستأنُ النبيَّ (ص) فيأذن له، لكنَّ ثمة من لم يكن صادقاً فيما يستأذنُ له، وثمة مَن ينصرف خفيةً دون استئذان وهم المنافقون فنزلت الآيتان في الفريقين في المؤمنين الصادقين فيما يستأذنون له، وهؤلاء لا يلبثون أن يعودوا إلى عملهم ومقارِّهم، وفي المنافقين الذين كانوا يتسلَّلون وينصرفون خفيةً دون أن تكون لهم حاجة سوى الخشية على أنفسِهم والرغبة في العافية والسلامة.

 

ما ورد في سبب النزول:

 

قال ابن إسحاق: "فخرجت قريش، وقائدها أبو سفيان بن حرب، وخرجت غطفان، وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، في بنى فزارة، ... فلمَّا سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وما أجمعوا له من الأمر، ضرب الخندق على المدينة، فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ترغيبًا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون فيه، فدأب فيه ودأبوا. وأبطأ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعن المسلمين في عملهم ذلك رجالٌ من المنافقين، وجعلوا يورُّون بالضعيف من العمل، ويتسلَّلون إلى أهليهم بغير علمٍ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا إذن.

 

وجعل الرجلُ من المسلمين إذا نابته النائبة، من الحاجة التي لا بدَّ له منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويستأذنه في اللحوق بحاجته، فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع إلى ما كان فيه من عمله، رغبةً في الخير، واحتساباً له. فأنزل الله تعالى في أولئك من المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. فنزلت هذه الآية فيمن كان من المسلمين من أهل الحسبة والرغبة في الخير، والطاعة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ثم قال تعالى، يعنى المنافقين الذين كانوا يتسلَّلون من العمل، ويذهبون بغير إذنٍ من النبي صلى الله عليه وآله وسلم: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.."(3) ونقله ابن كثير مختصراً في في السيرة النبويَّة مختصراً(4)

 

وفي الدر المنثور للسيوطي فال: "أخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظي قالا لما أقبلت قريش عام الأحزاب نزلوا بمجمع الأسيال من بئر رومة بالمدينة قائدها أبو سفيان وأقبلت غطفان حتى نزلوا بتغمين إلى جانب أحد وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر وضرب الخندق على المدينة وعمل فيه وعمل المسلمون فيه وأبطأ رجال من المنافقين وجعلوا يورُّون بالضعيف من العمل فيتسلَّلون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا إذنٍ، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لابدَّ منها يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ويستأذنه في اللحوق لحاجته فيأذن له، فإذا قضى حاجته رجع فأنزل اللهُ في أولئك المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ} إلى قوله: {وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}"(5)(6).

 

وفي الدرر لابن عبد البر قال: "وعمل المسلمون في الخندق مجتهدين ونكص المنافقون وجعلوا يتسللون لواذاً فنزلت فيهم آيات من القرآن ذكرها ابن إسحاق وغيره" (7).

 

هذا وقد ذكر الطبرسي في تفسير جوامع الجامع ثلاثة أقوال منشأ نزول الآية(8):

 

القول الأول: أنَّها نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.

 

القول الثاني: أنَّه نزلت فيمن كانوا يتسللون عن الجهاد يرجعون عنه.

 

القول الثالث: أنَّه نزلت فيمن كانوا يتسلَّلون عن خطبة النبيِّ (ص) يوم الجمعة وذلك أنَّ المنافقين كان يثقل عليهم الاستماع لخطبة النبيِّ الكريم (ص) يوم الجمعة فيتسللون خفية دون استئذانٍ من الرسول (ص) نُسب ذلك لابن عباس(9).

 

والجامع بين هذه الأقوال أنَّ الآية نزلت في المنافقين ولعلَّ هذه الموارد تطبيقات لهذه الآية المباركة. ومن ذلك يتَّضح عدم المنافاة بين هذه الأقوال وبين ما ورد في تفسير القمي من أنَّ قوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ..} نزلت في حرب أحد(10) فلعلَّ الآيتين نزلتا في هذا الظرف والمراد الأخرى المذكورة كانت تطبيقات للآيتين، ويؤكد ذلك أنَّ القمي رحمه الله أفاد أنَّ الآية "نزلت في قوم كانوا إذا جمعهم رسول الله صلى الله عليه وآله لامر من الأمور في بعث يبعثه أو حرب قد حضرت يتفرقون بغير إذنه فنهاهم الله عز وجل عن ذلك.."(11)

 

معنى:{يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا}:

 

وأمَّا معنى قوله تعالى: {الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا} فهو أنَّهم ينسحبون خِلسةً من المواقع -التي يجب عليهم الكون فيها كمواقع المرابطة أو القتال- خشية أنْ يشعر بانسحابهم أحد، وقوله تعالى:{لِوَاذًا} إمَّا أن يكون مصدراً للتأكيد أي أنَّه مفعولٌ مطلق للفعل يتسلَّلون فكأنه قال يلوذون لواذاً أو يكون مصدراً وُضع موضع الحال أي جيء به لبيان حال المنافقين حين التسلُّل فكانوا يتسلَّلون ملاوذين أي مستترين ببعضهم البعض أو بأيِّ شيءٍ كالظلمة أو الصفوف أو ببعض الذرائع الكاذبة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة النور: 63.

2- سورة النور:62.

3- السيرة النبوية – ابن هشام الحميري- ج3/ 702.تاريخ الطبري- ج2/ 234.

4- السيرة النبوية-ابن كثير- ج3/ 182.

5-سورة النور : 64.

6- الدر المنثور- السيوطي-ج5/ 60. لباب النقول- السيوطي-ص 147. فتح القدير – الشوكاني-ج4/ 59،دلائل النبوة – البيهقي-ج3/ 409،

7-الدرر- ابن عبد البر-ص 170، الجامع لأحكام القرآن- القرطبي-ج14/ 129.

8-تفسير جوامع الجامع- الطبرسي- ج2/ 636

9- تفسير مجمع البيان ج7/ 276.

10-تفسير القمي- علي بن إبراهيم القمي- ج2/ 110.

11-تفسير القمي- علي بن إبراهيم القمي- ج2/ 110.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد