
من المسائل المثيرة التي كانت تقع دائماً في قائمة الأولويات الأساسية هي مسألة اختلاف ألسنة شعوب العالم بالرغم من تولدهم جميعاً من وأب واحد وام واحدة، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: {ومِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمواتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ ألْسِنَتِكُمْ وَألْوانِكُمْ إنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلعَالِمِينَ} (الروم/ 22).
إنّنا اليوم نعلم أنّ منشأ اختلاف اللغات في الواقع يكمن في شيئين:
أولًا: وجود قدرة (الابتكار) والاختراع في ذهن البشر فهم يعمدون إلى خلق لغات جديدة وصياغة جمل جديدة في سبيل تأمين حاجاتهم الذاتية.
وثانياً: الفواصل القائمة بين الملل والشعوب، ففي العصور السابقة عندما كانت الأقوام والشعوب تتباعد إحداها عن الأخرى، كانت تتحقق تغيرات وتحولات في ألفاظهم وعباراتهم القائمة شيئا فشيئاً، وذلك لعدم وجود وسائل الإعلام وأخذت هذه التغيرات تتضاعف عبر آلاف السنين فبدأت اللغات والألسنة تنفصل إحداها عن الأخرى فكان ذلك سبباً لبداية نشوء الاختلافات في الألسنة واللغات.
وانطلاقاً من كون اختلاف اللغات هي أحد دعائم التعرف على الأقوام المختلفة واعتبر ذلك من العوامل المساعدة والمؤثرة في مسألة التعرف على المجتمع البشري وإذا كان القرآن الكريم يعدّ اختلاف اللغات إلى جانب اختلاف الألوان من آياته وعلائمه فهي إشارة إلى هذه الحكمة نفسها، لأنّ كلًّا من اختلاف الألوان واللغات وسيلة وأداة للتعارف، غاية ما في الأمر أن الأول خارج عن اختيار البشر والثاني له ارتباط واضح بالابتكار والإبداع البشري.
والآن لننظر إلى ما تقوله (التوراة) المحرفة على صعيد اختلاف اللغات.
فقد ورد في الفصل الحادي عشر من سفر التكوين ما يلي:
«وكان اللسان والكلام واحدًا في جميع أنحاء الأرض- وحدث عندما أخذوا بالرحيل من الجانب الشرقي «إشارة إلى أبناء نوح وقبائلهم» أن وجدوا وادياً في أرض شنعار «الاسم القديم لبابل» وسكنوا فيه - وقال بعضهم للآخر هلموا لنصنع الآجر وذلك بحرق اللبن بالنار، وكان الآجر يستعمل بدلًا عن الحجر، والطين اللازب بدلًا عن الجص - وقالوا هلموا لنبني لنا بلدة وبرجاً يناطح السماء، ولنختار لنا إسماً لئلا نتفرق على وجه الأرض- ولأن اللَّه تعالى أراد أن يرى ما يصنعه بنو البشر من بلدة وبرج، نزل- وقال: إنّ هؤلاء القوم مجموعة واحدة وهم على حد سواء في اللسان وشرعوا بالقيام بهذا العمل، ولا شيء يمنعهم عما يريدون -بناءه- تعال لننزل إلى الأسفل وهناك نقوم بخلط ألسنتهم حتى لا يفهم أحدهم لسان الآخر- ومن هناك عمد اللَّه إلى تفريقهم على وجه الأرض بأكملها، وحال دون إتمام بناء البلدة وصار سبباً لتسميتها ببابل، لأنّ اللَّه خلط كل الأرض فيها، ومن هناك فرقهم على جميع وجه الأرض» (1).
ووفقاً لهذه الرواية الموجودة في التوراة، كانت لغة جميع الناس واحدة على وجه الأرض في البداية إلى أن اجتمع أبناء نوح وقبائلهم في (شنعار) بابل، وصمموا على عمل مهم، وهو بناء بلدة كبيرة وبرج عال، ولم يكن هذا العمل مرضياً عند اللَّه تعالى، فكان قلقاً من تحركهم وما يؤول ذلك من نتائج لذا قال لبعض الملائكة هيا اهبطوا إلى الأرض لإيجاد الاختلاف في ألسنتهم حتى يتفرقوا (فأوجد الاختلاف بينهم حتى أفرض هيمنتي الإلهية) ووقع هذا الأمر، ونظرًا لعدم فهم أحدهم للغة الآخر انتشروا في البقاع المختلفة، وحال دون إتمام بناء البرج العظيم.
وقد أشير في كتاب (أعلام القرآن) إلى وجه تسمية «بابل» بهذا الاسم بالقول:
(رواة القصة ظنوا أنّ لفظة «بابل» مأخوذة من بلبل وقالوا إنّ الناس اجتمعوا في هذه المدينة بعد طوفان نوح وشيدوا فيها برجاً لتصبح علامة على مركزيتهم وشكلوا فيها المجاميع الرسمية ولكنهم عندما ناموا في الليل واستيقظوا في الصباح اختلفت ألسنتهم واخذ كل منهم يتكلم بلغة جديدة، وعلى أثر عدم حصول التفاهم بينهم افترقوا في أنحاء العالم ونشأ من كل واحد منهم شعب من الشعوب (2).
هذه الأسطورة تنطبق تماماً مع ما في متن التوراة التي دلت على أنّ الاختلاف في اللغات تحقق من قبل اللَّه تعالى من أجل مقارعة قدرة المجتمع البابلي.
إلّا أنّ السيد «هاكس» مؤلف كتاب «القاموس المقدس» له كلام آخر لتبرير ما ورد من جمل في التوراة إذ يقول: «كانت الدنيا بأجمعها تمتلك لهجة ولغة واحدة إلى حدود الألفين عام تقريباً... لكن بعد مائة سنة من الطوفان، أي في زمن عصيان الكوشيون (3) في بابل، أوجد اللَّه تعالى بشكل خارق للعادة الاختلاف في لغاتهم، وبسط ولايته على وجه الأرض مع هذه الأقوام المختلفة والألسنة المتنوعة» (4).
وفي موضع آخر يقول: «بناء على عدم كون هذه المسألة وهي (بناء البرج العالي) موافقة للإرادة الإلهية أوجد اللَّه تعالى الاختلاف في ألسنتهم بحيث لم يكن بمقدور أحدهم أن يفهم كلام الآخر ولهذا السبب انتشروا في جميع بقاع المعمورة وتحققت على إثر ذلك امنية اللَّه تعالى وتعمرت الأرض» (5).
هذه التعابير توحي إلى أنّ الغاية الإلهيّة من إيجاد هذا التبعثر في لغة مجتمع بابل، هي العمران والتشييد، والحال أنّ التوراة في العبارة التي نقلناها تقول بصراحة: إنّ الهدف من ذلك لم يكن سوى إضعاف مجتمع بابل وكسر قدرتهم ووحدتهم وشوكتهم، إلّا أننا نعلم على كل حال بأنّ منشأ اختلاف اللغات لم يكن مثل هذا الأمر على الإطلاق، وأنّ العامل الأساسي لهذا الأمر هو مرور الزمان وتباعد الأقوام فيما بينهم...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) التوراة، سفر التكوين، الفصل 11، من الجملة 1 إلى 9.
(2) أعلام القرآن، ص 238.
(3) «كوشيان»، هو اسم والد نمرود.
(4) القاموس المقدس، مادة (اللغة).
(5) المصدر السابق، مادة (بابل).
اختلاف الألسن واللّغات
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
نحن لا نخشى غير الله (1)
الشيخ علي رضا بناهيان
ميتافيزيقا العرفان السياسي (6)
محمود حيدر
أكبر دراسة من نوعها تختبر استراتيجية الترطيب لعلاج حصى الكلى
عدنان الحاجي
معنى (وسوس) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهمّ عناصر النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
دور الجهاد في تربية الإنسان
الشهيد مرتضى مطهري
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
نظام (ديب رير) للذكاء الاصطناعي يتفوق على الأطباء في تشخيص الأمراض النادرة في اختبار مقارنة مباشرة
اختلاف الألسن واللّغات
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (13)
طريق الجهاد (5)
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
نحن لا نخشى غير الله (1)
طريق الجهاد (4)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (12)
انطفاء على إيقاع الغياب
رجاء البوعلي تدشّن كتابها حول الرّفاعي وفلسفته