
الأمر الثالث ـ صيانة عزة الإنسان وكرامته في الحياة :
إن معنى أن نكون خلفاء الله جل جلاله في الأرض يعني أننا مطالبون بإصلاحها وإقامة الحق والعدل فيها وتثبيت حاكمية أولياء الله (عليهم السلام) على ربوعها، ورفض الباطل وحكومات الطواغيت والظلم والإفساد والإذلال والاستضعاف والاستعباد ومقاومتها بكل وسيلة، ليتمكن الإنسان من أن يعيش إنسانيته السامية الرفيعة والتحليق في أجواء السعادة والكمال المادي والمعنوي، فهذه إرادة الله عز وجل التي فعلّها الشهداء على أرض الواقع قولاً وعملاً، وهي هدف الرسالات السماوية كلها.
وعليه فإنه لا حق للإنسان وفق منهج الخلافة الإلهية للإنسان في التساقط والتنازل والقبول بالأمر الواقع، بحجة أنه لا يملك تحريك الواقع كيف يشاء، فإن النتيجة الحتمية لذلك: هي توسّع جبهة الباطل والشر واستيلاء الظالمين والأشرار على أزمّة الأمور وإحكام سيطرتهم على المجتمع، وإذلال الإنسان وهتك حرماته، وهذا خلاف ما تقتضيه خلافة الإنسان في الأرض وتهدف إليه رسالات السماء كلها، ولهذا يرفض الشهداء الأبرار ذلك ويقاوموه بكل وسيلة، ويضحوا بأنفسهم من أجل عزة الإنسان وكرامته وتحقيق أهداف الرسالات السماوية العظيمة، ليوأدوا حق أمانة الاستخلاف عليهم، وهم حجة علينا في ذلك والقدوة الحسنة لنا فيه.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): ”إن الله فوض إلى المؤمن أمره كله ولم يفوض إليه أن يكون ذليلاً، أما تسمع الله يقول عز وجل: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} فالمؤمن يكون عزيزًا ولا يكون ذليلاً، فإن المؤمن أعز من الجبل، الجبل يستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقل من دينه بشيء” (البحار . ج100. ص63).
وهذا يدل على أن صفة العزة أصيلة في ذات المؤمن بما هو مؤمن، مما لا يسمح له بالضعف أمام الإغراءات والتهديدات التي تريد أن تسقط إنسانيته. فأن تكون عزيزًا يعني أن تكون قويًّا وثابتًا وصبورًا أمام الإغراءات والتهديدات، وأن لا ينفذ الضعف إليك بأي وسيلة كانت فينفذ إليك الذل من خلاله، فإن الذل إنما ينفذ إلى الإنسان من خلال الضعف أمام الإغراءات والتهديدات، فتسقط بذلك ذاته وإنسانيته وموقعه في الحياة، وهذا ما نقرأه بوضوح في سيرة الشهداء الأبرار الذين يعيشون الاستعداد كل الاستعداد للتضحية والفداء من أجل الحق والعدل والخير والفضيلة والحياة الإنسانية الكريمة، ويرفضون الباطل والظلم والفساد والإذلال والاستضعاف للإنسان من قبل المستبدين والمستكبرين في الأرض ويقوموه بكل ما لديهم من قوة ووسيلة بدون خوف أو وجل أو تردد.
قال الله تعالى: {الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ . الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ . إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران : 172 ـ 175).
ومما سبق نتوصل إلى النتائج المهمة التالية ..
النتيجة الأولى: أن الإنسان المؤمن الذي امتلأ قلبه وعقله بالإيمان، وارتبطت حركته ومواقفه في الحياة بمنهج الخلافة، لا يخاف من غير الله جل جلاله، ولا يسقط أمام الإغراءات والتهديدات مهما كانت ومهما كان مصدرها، وهذا ما يفعله الشهداء بالضبط والحقيقة.
قال الإمام الصادق (عليه السلام): ”إن المؤمن أعز من الجبل، الجبل يستقل منه بالمعاول، والمؤمن لا يستقل من دينه بشيء” (البحار . ج100 . ص63).
النتيجة الثانية: أن الخوف من غير الله جل جلاله هو خوف شيطاني، وأن الذين يخوفون الناس بغير الله هم أولياء الشيطان، الذين لا يمتلكون أية قاعدة فعلية للقوة النفسية والروحية في داخل أنفسهم، ولهذا فهم يخافون ويخوّفون، وهذا ما جانبه الشهداء وطهروا أنفسهم الزكية من رجسه.
النتيجة الثالثة: يجب التمييز بين الخوف والحذر، فالخوف حالة مرضية تسقط الإنسان إلى الهاوية، والحذر يحمي الإنسان من السقوط إلى الهاوية.
وهنا ينبغي التنبيه إلى أن الإنسان قد يقع بجسده تحت طائلة الاستبداد والظلم والإذلال والاستضعاف والاستعباد ولكنه يملك عقله وإرادته، فيرفض ذلك ويقاومه بشدة ويسعى إلى تغييره بكل وسيلة وحزم وثبات. فالإنسان ليس مجرد جسد يحبس أو يقهر هنا أو هناك، وإنما هو عقل وقلب وروح وإرادة ومواقف تعبر عن حقيقة ذاته وتقرر واقعه الحقيقي ومصيره الفعلي في الدنيا والآخرة، وهذا ما تقتضيه الإنسانية الرفيعة ومنهج الخلافة الإلهية في الأرض، فالممنوع عقلاً وشرعًا: هو الضعف والسقوط أمام التحديات وعدم مقاومتها، وليس وقوع الإنسان تحت طائلة الظلم والإذلال والاستضعاف بغير إرادته مع رفضه ومقاومته لها والسعي الجاد إلى تغييرها واستبدالها بواقع أفضل لنفسه وللآخرين، لأن التكليف بما هو خارج عن الإرادة، هو تكليف فوق الوسع والطاقة، وهو تكليف غير واقعي لا يقبله العقل ولا الدين.
يقول العلامة فضل الله: ”إن حريتك لن تأتيك من الخارج، وإن الحرية لا تصدر بمرسوم، فأنت حر حتى لو كنت في زنزانة لا تتسع إلا لجسدك ما دمت تعيش حريتك في إرادتك، وفي أن ترفض ما يفرض عليك بحيث تستطيع أن تقول: (لا) عندما يريد الآخرون أن يستعبدوك لتقول: (نعم) أو عندما يريد الآخـرون أن يستعبدوك لتقول: (لا) فلتكن (نعمك) منطلقة من إرادتك ومن حريتك في الإيجاب و(لاؤك) متحركة في خط قدرتك على السبب .
وقال: إنك قد تكون عبدًا حتى لو كنت تملك حرية الحركة في الساحات كلها، وذلك عندما لا تملك إرادتك، وقد تكون حرًّا وأنت لا تستطيع أن تحرك رجليك في الزنزانة، لأنك تملك إرادتك، فأن تكون حرًّا يعني أن تكون إرادتك حرة وأن تكون الإنسان الذي يصبر على الأذى ويصبر على الحرمان في سبيل القضايا الكبرى” (الندوة . ج1 . ص24 ـ 25).
والخلاصة: إن خط الخلافة الإلهية في الأرض يقتضي إقامة الحق والعدل ورفض الباطل والظلم والإذلال والاستضعاف ومقاومتها بكل وسيلة مشروعة، فليس للإنسان الحق في إذلال إنسانيته التي أكرمها الله عز وجل في معناها الوجودي والحركي، فلابد للإنسان المؤمن بخط الخلافة الإلهية أن يستنفر مخزون العزة الإيمانية في نفسه، ليكون عزيزًا في فكره ووجدانه، وعزيزًا في سلوكه ومواقفه كلها، وعزيزًا في واقعه وتطلعاته في الحياة على اختلافها، وهذا ما نجده بحق وحقيقة لدى الشهداء الأبرار.
إن الشهيد الحقيقي هو الإنسان الذي يسير على منهج الخلافة الإلهية في جميع شؤون الحياة، ويتحلى بما تفرضه من الشروط والمبادئ والقيم، وهذا هو الطريق الوحيد الذي يمكن أن يسلكه الإنسان من أجل عزته وكرامته وسعادته وكماله الأسمى في الحياة، والفوز برضا الرب جل جلاله والجنة، وهو مستعد للتضحية والفداء في هذا السبيل.
فالشهيد يعرف ربه تبارك وتعالى، ويعرف نفسه ومكانته العالية المتميزة في الوجود، ويعرف دوره وطريقه في الحياة، وأنه يسعى للعمل بطاعة الله عز وجل في كل شؤون الحياة الفردية والمجتمعية، ويعمل من أجل الانتصار على عوامل الضعف في داخل نفسه التي تولدها شهوات النفس وضغوط الخارج، ويتحمل مسؤوليته في خط الحياة الإنسانية الصاعدة، فيتجرد من مشاعر الأنانية، ويتحمل مسؤوليته الإنسانية العامة نحو الآخرين، ويقوم بملاحقة الواقع بهدف تركيزه على هدي الصراط المستقيم ومنهج الخلافة الإلهية للإنسان في الأرض، وحماية المجتمع والدولة من الانحراف والتخلف والضعف والفساد، ولا يسمح لأي قوة منحرفة أي كانت ومهما كانت، بأن تدمر إنسانيته وتعطل دوره في الحياة، وهذا هو ما يجب على كل إنسان يؤمن بمنهج الخلافة الإلهية أن يقوم بتعميقه في داخل نفسه كجزء من التربية الروحية بهدف إيجاد الشخصية الإسلامية الفاعلة في الحياة، التي تتطلع إلى واقع إنساني رفيع، تتلألأ فيه أنوار الحق والعدل والخير والفضيلة والخلافة الإلهية العظيمة، والتي يمثل الشهداء النماذج الساطعة فيها بحق وحقيقة تامين.
كيف يعلق الأطفال ذوو السلوكيات المضطربة في حالات دماغية محددة؟
عدنان الحاجي
ميتافيزيقا العرفان السياسي (3)
محمود حيدر
دور الجهاد في تربية الإنسان
الشهيد مرتضى مطهري
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (4)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
أهمّ عناصر النصر (2)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
الشيخ جعفر السبحاني
فلسفة الجهاد
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فتر) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
كيف يعلق الأطفال ذوو السلوكيات المضطربة في حالات دماغية محددة؟
ميتافيزيقا العرفان السياسي (3)
دور الجهاد في تربية الإنسان
حق الجهاد
الشهادة في ظل الخلافة الإلهية للإنسان (4)
17 شوال عام 5 للهجرة: ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين
(مفارقة) معرض فنّي تجريديّ في الدّمّام
(هتف الباكون) الدّيوان الإلكتروني الرّابع لعبدالشّهيد الثّور
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (8)
ميتافيزيقا العرفان السياسي (2)