
التأويل العرفاني للآيات
من أجل أن يبلغ بمشروعه الإحيائي نقطة التحول الجوهري استناداً إلى الكلام الإلهي، ينحو محمود محمد طه نحواً مغايراً لما درج عليه فقهاء التفسير من الذي اعتبرهم يفسرون الآيات بالرأي، أي بمقتضى نصوصها الحرفية، وبما ألزمهم به نظام العلوم المكتسبة من المنطق وقواعد اللغة العربية. لقد رأى أن أصحاب الرأي ابتنوا رأيهم على القرآن، وساقوا منه آيات بيِّنات للتدليل على صدقهم، أما الصوفية فقد وقفوا من أصحاب الرأي موقف النقيض من النقيض، وساقوا منه آيات بينات للتدليل على صدقهم. ولقد ورطت هذه الظاهرة الغريبة كثيرا من المستشرقين، ممن عنوا بدراسة القرآن، في خطأ جسيم، فظنوا أن بعض القرآن يناقض بعضها بعضاً، وأسرفوا في ذلك على أنفسهم وعلى مواطنيهم.
والحق، في هذا الأمر، – وهنا يأخذ بمذهب عرفاء الصوفية – أن للقرآن ظاهراً وباطناً، فظاهره عني بظواهر الأشياء، وباطنه قام على الحقائق المركوزة وراء الظواهر، ثم اتخذ، في نهجه التعليمي، الظواهر مجازاً يعبر منها العارف إلى البواطن، وهو في ذلك يقول {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (1) والظـواهر هنا آيات الآفاق، والبواطن آيات النفوس. وأبواب العقل على آيات الآفاق هي الحواس، والحواس قد جاءت كلها مثاني، من يمين وشمال، على تفاوت في القوة بينهما، فينتج عن هذا أن ما تؤديه العين اليمنى، إلى العقل، من الشيء المرئي، يختلف عما تؤديه العين اليسرى منه إليه. وليست صحة الأمر بينهما. وهذا يعني أن تجري غربلة في العقل، بها يتخلص مما يسمى خداع الحواس، ويخلص إلى الأمر على ما هو عليه في الحق.
ولعل ما يشهد على منحاه التأويلي للقرآن أن محمود محمد طه يسلك في أعماله التأسيسية مسلك كبار العرفاء والمتصوِّفة في فهم الكلام الإلهي. وسنجد ذلك في كتابه: “الرسالة الثانية من الإسلام” حيث يميِّز بين المجاز والحقيقة، ثم لينفي التناقض بينهما. وقوله بيِّن في هذا الموضع الدقيق الذي يخالف فيه وهم اعتبار المجاز وهماً بينما حقيقة النص كامنة في ظاهر النص وحسب.
يقول: “وإنما الـرشد أن نجعـل ما ترى الأبصار مجـازاً إلى ما تـرى العقـول، وما ترى العقـول مجازاً إلى ما تـرى القلـوب، وهو الحـق، ثم هو الحقيقـة، في الفينة بعد الفينة. والمثل الذي يجاري وهم العقل تعطيه هاتان الآيتان، {لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} (2) فإن السالك المجود، وهو في أول الطريق، إذا قرأهما فهم من أولاهما أن له مشيئة مستقلة تملك أن تستقيم، كما تملك أن تلتوي، ولم يفهم من ثانيتهما إلا ما تعطيه اللغة، فيجتهد في سبيل الاستقامة في تشمير وجد. حتى إذا نضجت تجربته بالمجاهدة، ومصابرة النفس، علم يقينا أنه لا يملك مع الله مشيئة، وأصبح الخطاب في حقه، ساعتئذ، قوله تعالى: “وَمَا تَشَاؤُونَ إِلاَّ أَن يَشَاء اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ” ويعرف أن قوله تعالى: لِمَن شَاء مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ “قد أصبح في حقه منسوخاً، بعد أن تخلص من وهم عقله. هذا مع الفهم الأكيد للحكمة التي من أجلها جاءت هذه الآية الكريم (3). فالقرآن كما يضيف: ساق معانيه مثاني.. معنى قريباً في مستوى الظاهر، ومعنى بعيداً في دقائق الباطن، ولكن أصحاب الرأي لم يفطنوا إلى ذلك، فجعلوا الآيات التي تجاري أوهام الحواس، والتي تجاري أوهام العقول، سندهم، وبنوا عليها علمهم، فضلوا كثيرا وأضلوا. وأما الصوفية فقد تفطنوا إلى ذلك، وعلموا أن أوهام الحواس، وأوهام العقول، يجب التخلص منها بأساليب العبادة المجودة، التي تبلغ بهم منازل اليقين المحجبة بحجب الظلمات، وحجب الأنوار (4).
ولكي يستكمل مساره التأويلي في هذا الصدد بالذات، يمضي طه على طريقة المجتهدين في الإلهيات النقلية، ليشير إلى أن كلمة الروح وردت في القرآن على ثلاثة معاني منها معنى العقل حيث وردت الكلمة عبر اسم جبريل في قوله تعالى: {نَزَلَ بِهِ ٱلرُّوحُ ٱلۡأَمِینُ*عَلَىٰ قَلۡبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلۡمُنذِرِینَ} (5) فإن جبريل هو كل إنسان ذي عقل، وفي معنى الروح الذي هو الجسد يقول تعالى: {وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرا مِّن صَلۡصَٰل مِّنۡ حَمَإ مَّسۡنُون* فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ} (6) فالروح هنا هي روح الله وهي تعني العلم القديم وتعني الجسد الحي حياة كاملة، قديمة وتعني أيضاً وأساساً الحياة الكاملة المطلقة الكمال. (7)
وإذا رجعنا إلى نصوص القرآن والحديث لا نجدها تتكلم عن العلم من حيث هو علم في ذاته، كما لم تفرضه بهذه الصفة، وإنما قرنته بمنفعته الدينية والدنيوية (المرتبطة بالدين) ورغبت فيه من أجل هذه المنافع؛ وقد افتتح الإمام الهجويري كلامه عن العلم بما أثنى الله به على العلماء في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (8)، كما ضمن تحليله ذم الله وعز وجل الذين اشتغلوا بغير النافع من العلوم في قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُم﴾ (9)، وكذلك تعوذ الرسول (ص) من ذلك بقوله: “أعوذ بك من علم لا ينفع (10). فتبين لنا من هذا أن مصطلح الخطاب الصوفي بقي مرتبطًا في حده ومضمونه بالأصول الإسلامية الأساسية (القرآن والسنَّة) ومقاصدها العملية، ولم يجنح إلى التجريد النظري الذي مهد له علم الكلام، وبلغ أوجه في الفلسفة المتأثرة بما نقل عن اليونان (11).
ومع أن مفهوم العارف يحتل مكانة تأسيسية لدى أكابر الصوفية والعرفاء، إلا أننا سنجد في مطارح شتى أن الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي راح يقدم العالم على العارف. وهو ما لم يغِبْ عن فهم محمود محمد طه في سياق اجتهاداته وتأويلاته. فلو عاينّا منظومته التأويلية لَظَهرَ لنا سياقان للرؤية، يبدوان متضادين في الشكل متصلين في المضمون. وعلى غالب الظن، أن ترجيح العالم على العارف عند الشيخ الأكبر ناتج من أمرين: أولهما، عائدٌ إلى الكيفية التي عولج فيها صاحب العلم في القرآن الكريم. وثانيهما، إلى تمييزه بين الخاتم الجزئي والخاتم المطلق. حيث إن الأول دون الثاني قربًا إلى الحق، بل يتلقى منه العلم والتسديد ويمهِّد لمهمته الكونية المنتظرة (12).
ولدينا هنا شاهدان من أعماله:
الشاهد الأول: نطالعُه في كتابه الموسوم بـ “مواقع النجوم”، وفيه يقرر ابن عربي أن العارف هو دون العالم منزلة. ثم يسوِّغ تقريره المشار إليه بالإحالة إلى سورة الكهف، والمنزلة المخصوصة التي للعبد الصالح فيها. فالله تعالى يقول في صاحب موسى(ع): ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا﴾ (13). فقد أعطي علمًا لَدُنّيًا لا توسط فيه لمرشد أو كتاب. وهذا ما يسمّى بالإلهام. وهو ضربٌ من الإخبار يسمو فوق طور العقل، ويتأتى من نفث روح القدس في الروع ويختص به النبي والولي كل بحسب رتبته ومقامه في عالم الألوهة. وتأويل هذه الآية أن الحق تعالى لمّا أعطى عبده قسطًا من علم الغيب أصبح هذا العبد عالمًا. فهو إذن، عالم بالله.
ولأنه كذلك فهو صاحب إلهامات وأسرار وخشية، ويعبّر عنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (14). ذاك يعني أن العالم هو أيضًا صاحب خشية، وكذلك صاحب فهم وعلمكما في الآية: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (15). أي أن العالم هو الراسخ الثابت الذي لا تزيله الشُّبَهُ ولا تزلزله الشكوك لتحقّقهِ بِما شاهد من الحقائق. وفي سياق كلامه على أشرفية العلم على المعرفة، يقول ابن عربي: “فما أشرفها من صفة (يقصد العلم) إذ حبانا الله بالحظ الوافر منها.. ثم يتساءل: وكيف لا يُفرح بهذه الصفة، ويُهجر من أجلها الكونان، ولها شرفان كبيران عظيمان: أولهما: إن الله تعالى مدح بها نفسه. وثانيهما: أنه تعالى مدح بها أهل خاصته من أنبيائه وملائكته، ثم منّ علينا سبحانه ولم يزل مانًّا، بأن جعلنا ورثة أنبيائه فيها لقوله (ص): “العلماء ورثة الأنبياء”. فلأي شيء يا قوم – والكلام للشيخ الأكبر – ننتقل من اسم سمّانا الله تعالى به ونبيه إلى غيره. ونرجحه عليه، وتقولون فيه هذا عارف وغير ذلك. والله ما ذاك إلا من المخالفة التي فيها طبع النفس، حتى لا نوافق الله تعالى فيما سمّاها (16).
وحيث يتحدث ابن عربي عن صفة العالم على هذا النحو، فلن نلحظ أي مغايرة لأطروحته عن صفات العارف حيال المراتب التي يستحقها، ولا سيما منها مرتبة العارف الواصل المخصوصة بالولي الخاتم.
ولأن العالم الذي يصفه ابن عربي بهذه الصفات العليا، هو نفسه العارف للواصل الذي كُشفت له الأحجبة وطُويَت له الأرض، ورُزق من العلم اللدني بمقدار سعته واستعداده، فذلك يعني أن كلام ابن عربي حول أشرفية العالِمِ على العارِفِ إنما يدخل في مقام التخصيص. ولذا فمن أوَّليات التعرف إلى الولي عند ابن عربي أن العلم الاكتسابي الذي يختص به علماء الرسوم لا يرقى إلى مقام علم العالم العارف. بل هو عند درجة الاحتجاب والنقص ويحتاج معها إلى نصح العرفاء ورشادهم. وثمة في هذا الخصوص ما لا حصر له من الشواهد.
الشاهد الثاني: وفيه نشير إلى ما قرره ابن عربي في “الفتوحات المكية” بقوله: “وجاء هذا الفقيه إلى الحضرة الإلهية بميزانه ليزِنَ على الله، وما عرف أن الله تعالى ما أعطاه تلك الموازين إلا ليزِنَ بها لله لا على الله. فحُرِمَ الأدب، ومن حُرم الأدب عوقب بالجهل بالعلم اللدني الفتحي” (17). يضيف: “ومع هذا الفضل المشهود لهم (الفقهاء والمتكلمون)، ينكرون على أهل الله إذا جاؤوا بشيء مما يغمض عن إدراكهم، وذلك لأنهم يعتقدون فيهم، أنهم ليسوا بعلماء، وأن العلم لا يحصل إلا بالقلم المعتاد في العرف، ولقد صدقوا، فإن أصحابنا ما حصل لهم ذلك العلم إلا بالتعلم، وهو الإعلام الرحماني الرباني” (18).
من البيِّن أن محمود محمد طه قد أخذ من العرفان النظري الكثير مما يفيد منظومته الأنطولوجية، ثم ليوظفها في مجال التدبير الحضاري للأمة. ففي سياق جهده لبيان المائز بين العالم والعارف يبيِّن طه أن علم الظاهر ليس علماً. ثم إن علينا أن نسير وسط الظلمات: ظلمات النفس، وظلمات الكون، فلولا السير لا تكتسب الأنوار.. فلو لم يسر الهلال ما أصبح بدراً مكتملاً.. ونحن، في هذه المسيرة، محتاجون لضوء، ولو ضوء شمعة، يبدد الحلكة.. وهذا الضوء البدائي، تلتمسه النفوس المؤمنة في إيمانها “إن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، يهديهم ربهم بإيمانهم، تجري من تحتهم الأنهار، في جنات النعيم”. يضيف: أن المعارف قد كثرت، وأصبحنا لا نعرف ماذا نأخذ منها، وماذا ندع ولكنها معارف تتعلق بالقشور، ولا تتصل باللباب “وعد الله، لا يخلف الله وعده، ولكن أكثر الناس لا يعلمون*يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم، عن الآخرة، هم غافلون” قال “لا يعلمون” ثم قال “يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا”. فكأنه قال: إن علمهم ليس بعلم.. وكأنه قال أيضاً: إنهم لا يعلمون حقائق الوجود، وإنما يعلمون مظاهر الوجود ـ لا يعلمون الله ـ ومن أجل ذلك كثر القلق، وكثرت الحيرة في عهد العلم ـ كثرت معرفة الفروع، وقلت معرفة الأصول ـ والفروع تفرق، والأصول تجمع الناس على واضحة.. (19) إلى هذا فقد كان طه على دراية معمَّقة بالتراث الأنطولوجي العرفاني وخصوصاً في ما اتصل منه بعلم الوجود والمقام الذي يتبوأه العقل في تحصيل المعرفة.
يحضرنا في هذا المقام شاهد رفيع الدلالة يستجلي موقف الشيخ الأكبر من فلاسفة العقل المحض، ومن علماء النقل على السواء. وهو ما سنلاحظه في واحدة من أبرز النصوص النادرة في التراث الصوفي. قصدنا به رسالته إلى الإمام الفيلسوف الفخر الرازي (20). في الرسالة المذكورة أورد الشيخ الأكبر ما حرفيته: “وليعلم ولييّ وفقه الله (ويقصد الإمام الرازي) أن الوراثة الكاملة هي التي تكون من كل الوجوه، لا من بعضها، و”العلماء ورثة الأنبياء” كما جاء في الحديث الشريف. فينبغي للعاقل أن يجتهد لأن يكون وارثًا من جميع الوجوه. ولا يكون ناقص الهمة”. أي همة السير إلى الله حتى يورثه علوم الأنبياء ومعارفهم. ذلك أن حُسنَ اللطيفة الإنسانية إنما يكون بما تحمله من المعارف الإلهية، وقبحها بضد ذلك، وينبغي للعالي الهمة أن لا يقطع عمله في المحدثات (الدنيا) وتفاصيلها، فيفوته حظّه من ربه، وينبغي له أيضًا أن يسرّح نفسه من سلطان فكره، فإن الفكر يُعلَمُ مأخذه. والحق المطلوب ليس ذلك، وإن العلم بالله خلاف العلم بوجود الله (21).
وما يبدو واضحاً أن طه اتبع طريقة الإرشاد العرفاني في سبيل الوصول إلى تزكية النفس بالعلم والعمل. إلا أنه سينبِّه مريديه إلى الحذر من قطع المسافات من غير تدبُّر لذا سيخاطبه ناصحاً إياه بوجوب الأخذ بمقتضيات الشريعة المعصومة كمبدأ للطريقة الحقَّة. ..”وأما كيفية بلوغ المراتب، في مراقي النفوس، فقد كان يمكن التفصيل فيه، ولكنه غير ضروري قبل الشروع في العمل: ولبداية العمل فإني أرشح لك دليلاً لا يضل، ولا يضلل، وهو المعصوم، محمد بن عبد الله.. وأوصيك بأمرين في ذلك: الاطلاع على كتيب “طريق محمد”، ثم الاستزادة على ذلك بالاطلاع على كتب السيرة، وكتب الشمائل المحمدية، حتى تنشأ، بينك وبين محمد، علائق الحب، والثقة، وتمام التسليم، والإتباع.. فإنك لا تسلم لله، حتى تسلم لمحمد: وإنك لا تتبع الله حتى تتبع محمداً بإتقان تقليده، والعمل على منواله، عن حب وثقة، ويومها سترى ثمار قلقك الحاضر استقراراً، وطمأنينة، وعرفاناً بالله (22). والعرفان بالله هو منتهى حقيقة الشريعة..
والحقيقة بحسب تأويلية محمود محمد طه، هي معرفة أسرار الألوهية، وفي قمة أسرار الألوهية، أن الله خير محض وأن الشر ليس عنده، وإن كان منه.. ولا يكون الشر، إلا حين نمشي أمام الله كما ورد التعبير في رسالة الصلاة، فإنا لا نرى الشر إطلاقاً، ولا يرانا بل نعيش في محيط الخير المطلق.. ومن أسرار الألوهية الرفيعة، أن الوجود، المنظور منه وغير المنظور، (فيما نتوهم) لا يتحرك فيه متحرك، ولا يسكن ساكن، إلا بفعل الله وحده، لا شريك له.. فإذا بلغت، بالشريعة، اليقين بهذه الحقيقة فقد أصبح عملك، في اللاحقة، مراقبة ما جرى به القلم في السابقة.. وهذه هي عبادتك، في جملتها وفي تفاريقها (23).
كان محمود محمد طه يتوخى أقصى الدقة في تأصيل نظامه المعرفي، وخصوصاً حين يقف تلقاء الجدل المفتوح حول صلة الشريعة بالحقيقة. فالعقيدة كما يقول – مرفأ من عواصف الحيرة، ولكن العقل البشري المعاصر، لا يريد العقيدة إلا متوكأ”. يبلغ بها مشارف العلم، ومنازل اليقين، وكلما استيقن العقل من مرحلة، طالعته مرحلة جديدة، لا يسعه فيها إلا الاعتقاد، ريثما تتكشف له معمياتها، وتدخل بذلك في مرحلة العلم، فتطير له في الأفق البعيد، مرحلة جديدة، لا يسعها إلا العقيدة، وهكذا دواليك (24)
لكن العلم لم يعط كلمته النهائية في كل شيء” وهو لا يبحث في الحقيقة المطلقة بالطبع، وإنما يبحث في ظواهر الأمور، وخصائص المادة، وقوانين القوى.. يذكرني هذا بقولة الصوفية: إن هناك كشوفات ظلمانية، وكشوفات نورانية.. فأما الكشوفات الظلمانية فتتعلق بالآيات الكونية، وأما الكشوفات النورانية فتتعلق بالآيات الإلهية.. وقد وردت الإشارة إلى ذلك، في أول هذا الخطاب، حين قال تعالى: {وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.. يضيف: “نحن، كمسلمين علينا أن نؤمن، عن اقتناع، ورضى بالله سبحانه وتعالى.. وإنني في هذا، لا أكتب إلا عن تجربة شخصية أخوضها”. (25)
ولقد ورد في كتاب “رسالة الصلاة” “إن الإسلام، في حقيقته، ليس ديناً بالمعنى المألوف في الأديان، وإنما مرحلة العقيدة فيه مرحلة انتقال إلى المرحلة العلمية منه ـ مرحلة الشريعة فيه، مرحلة انتقال إلى مرتبة الحقيقة ـ حيث يرتفع الأفراد، من الشريعة الجماعية، إلى الشرائع الفردية، التي هي طرف من حقيقة كل صاحب حقيقة، وتكون الشريعة الجماعية محفوظة، ومرعية، لمصلحة السلوك، والتربية، والتنظيم، للقاعدة البشرية، التي تستجد كل يوم، وتجاهد بالتجارب كل حين لترقي المراقي.. والذين يدخلون في مراتب الشرائع الفردية، هم المسلمون حقاً ـ هم الأحرار ـ الذين سبقت الإشارة إليهم، في هذا الحديث، حين قلنا: إن الحر حرية فردية مطلقة، هو الذي استطاع، أن يعيد وحدة الفكر، والقول، والعمل، إلى بنيته.. فأصبح يفكر كما يريد، ويقول كما يفكر، ويعمل كما يقول، ثم لا تكون عاقبة عمله إلا خيراً للناس، وبراً بهم، وبذلك يستطيع أن يعيش فوق قوانين الجماعة، لأنه ملزم نفسه بشريعته الفردية، وهي فوق مستوى الشريعة الجماعية، في التجويد، والإحسان، والبر، والتسامي”. (26)
ما من ريب، أن تأصيل محمود محمد طه لمفهوم الوجود، ولا سيما لجهة صِلة الخالق بالعالم المخلوق، إنما كان بقصدٍ تسييل الربوبية في عالم التدبير الإنساني. ولذا لم يكن مسعاه لوصل العرفان بالسياسة شَغَفَاً عَرَضياً، وإنما هو شغفٌ معرفي أصيل يدخل كمكوِّن جوهري لمشروعه الفكري المتعدد الحقول والفضاءات وحين يتعلق الأمر بفضاء التدبير السياسي وجدناه ينظر فيه وإليه كواجب أوجبه الأمر الإلهي على الإنسان من أجل أن يحقق كمالاته المعنوية ومسيرته الحضارية الفاضلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – سورة فصلت، الآية 53.
2 – سورة التكوير، الآيتان 28-29.
3 – راجع: محمود محمد طه- الرسالة الثانية من الإسلام- الطبعة الخامسة- الخرطوم- ص 65.
4 – المصدر نفسه- ص 66.
5 – سورة الشعراء- الآيتان 192-193.
6 – سورة الحجر- الآيتان 28-29.
7 – راجع الرسالة الثانية من الإسلام- المصدر نفسه- ص 42.
8 – سورة فاطر، الآية 28.
9 – سورة البقرة، الآية 102.
10 – جمال أحمد المرزوقي – فلسفة التصوف – المصدر نفسه ص 203.
11 – المرزوقي، فلسفة التصوف – الصفحة 225.
12 – محمود حيدر، الفقيه الأعلى، دار المعارف الحكمية- بيروت 2014- الصفحة 88.
13 – سورة الكهف، الآية 65.
14 – سورة فاطر، الآية 28.
15 – سورة آل عمران، الآية 7.
16 – ابن عربي، مواقع النجوم، (القاهرة: مطبعة السعادة، الطبعة1، 1335هـ)، الصفحة 25.
17 – ابن عربي، الفتوحات المكية، (بيروت: دار صادر)، الجزء الأول، الصفحة 645.
18 – المصدر نفسه، الصفحة 279.
19 – المصدر نفسه- ص 18.
20 – رسائل ابن عربي، القطب والنقباء وعقلة المستوفز، رسالة ابن عربي إلى الفخر الرازي، تحقيق وتقديم: سعيد عبد الفتاح، (بيروت: دار الانتشار العربي، الطبعة1، 2002)، المجلد الثاني، الصفحة 207.
21 – رسائل ابن عربي، مصدر سابق- ص 209.
22 – أسئلة وأجوبة- مصدر سبق ذكره- ص 36.
23 – أنظر: أسئلة وأجوبة- مصدر سبقت الإشارة إليه- ص 16.
24 – أسئلة وأجوبة – الكتاب الثاني- مصدر سبق ذكره – ص 20.
25 – المصدر نفسه – الصفحة نفسها.
26 – المصدر نفسه- ص 14.
يوم الخروج
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (3)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
ميتافيزيقا العرفان السياسي (6)
محمود حيدر
أكبر دراسة من نوعها تختبر استراتيجية الترطيب لعلاج حصى الكلى
عدنان الحاجي
معنى (وسوس) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
أهمّ عناصر النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
دور الجهاد في تربية الإنسان
الشهيد مرتضى مطهري
حق الجهاد
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
معركة أحد في 15 شوال عام 3 للهجرة
الشيخ جعفر السبحاني
ممتنع الوجود
الشيخ محمد جواد مغنية
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
المؤمن دائماً في حالة مواجهة
يوم الخروج
طريق الجهاد (3)
ميتافيزيقا العرفان السياسي (6)
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (11)
أكبر دراسة من نوعها تختبر استراتيجية الترطيب لعلاج حصى الكلى
أحمد آل سعيد: ينبغي ضبط المشاعر السّلبيّة بحضور الأولاد
ناصر الرّاشد: القيمة الكبيرة للهدايا الرّمزيّة
قد يكون التوحد أثرًا جانبيًّا لتطور الذكاء عند البشر
معنى (وسوس) في القرآن الكريم