قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد صنقور
عن الكاتب :
عالم دين بحراني ورئيس مركز الهدى للدراسات الإسلامية

{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ}

المسألة:

 

قوله تعالى:{فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا}(1) إلى ما تُشير الآية المباركة؟

 

الجواب:

 

الآية المباركة تُخاطب المؤمنين حيث اختلفوا وتفرَّقوا في شأن المنافقين إلى فئتين فئةٍ ترى منابذتهم ومصارمتهم، وفئةٍ تتشفَّع لهم وتعدُّهم في المؤمنين إمَّا لجهلهم بخطورة أثرهم وما يترتَّب على إرجافهم وتثبيطهم ومكائدهم من فسادٍ في الوسط الإسلامي، وإما لممالئتهم، والواضح من الآية المباركة أنَّها بصدد التخطئة للفئة الثانية التي ترى أنَّ المنافقين من المؤمنين وأنَّ لهم ما للمؤمنين من الموادعة والمؤازرة.

 

فمعنى قوله تعالى: {فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ} هو أنَّه مالكم أيُّها المؤمنون قد تفرَّقتم  في أمر المنافقين فرقتين، فهو استفهامٌ يستهدفُ التوطئة للتنبيه على الرأي الصائب في شأنِ المنافقين، وأنَّ الرأي الصائب في شأنهم هو عدُّهم في المضلِّين المارقين، لأنَّهم سلكوا طريق الضلال بسوءِ اختيارهم ومحضِ إرادتهم فأركسهم الله تعالى في الضلال بسبب اختيارهم للضلال ونبذِهم للهداية.

 

ما ورد في سبب نزول الآية المباركة:

 

ويتَّضح المراد أكثر من الآية الشريفة عند ملاحظة ما قيل في سبب نزولها، فقد رُوي عن أبي جعفر الباقر (ع) – كما في التبيان للشيخ الطوسي- قال: "إنَّها نزلت في اختلافٍ كان بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قومٍ كانوا قدموا المدينة من مكة، وأظهروا للمسلمين أنَّهم مسلمون، ثم رجعوا إلى مكة، لأنَّهم استوخموا المدينة - أي زعموا أنَّ أجواءها لا تلائمهم وأنَّها موبوءة - [ فعادوا إلى مكة] وأظهروا لهم الشرك، ثم سافروا ببضائع المشركين إلى اليمامة. فأراد المسلمون أنْ يأخذوهم وما معهم فاختلفوا. وقال قوم: لا نفعل ذلك، لأنَّهم مؤمنون. وقال آخرون: هم مرتدُّون، فأنزل اللهُ فيهم الآية"(2).

 

فهم بحسب الرواية حينما هاجروا إلى المدينة أظهروا الإيمان وزعموا أنَّ عزمهم على الخروج من دار الهجرة والعودة إلى مكة إنَّما هو لعدم ملاءمة أجواء المدينة لصحَّتِهم إلا أنَّهم حين عادوا إلى مكة أظهروا -بحسب الرواية- الشرك وصاروا يعملون لدى المشركين في التجارة فشأنُهم يشبه مَن وصفهم الله تعالى بقوله: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ / اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}(3).

 

وقيل: إنَّ الآية نزلت فيمَن تخلَّفوا عن رسول الله (ص) يوم أحد بعد أنْ خرجوا مع الرسول (ص) إلى أُحد وقبل أن تنشب المعركة عادوا من حيث أتوا رغم دعوة الرسول (ص) لهم ورغم زعمهم أنَّهم لن يتخلَّفوا عن حربٍّ يدعوا لها الرسول (ص) إلا أنَّهم نافقوا فنكثوا العهد وعادوا إلى المدينة، وكانوا كثيرين، وبعد انتهاء المعركة اختلف المسلمون في شأنهم فرقتين فأنزل الله تعالى هذه الآية الشريفة.(4)

 

وثمة قول ثالث (5): وهو أنَّ الآية نزلت لحسم الاختلاف الذي وقع بين المسلين في شأن جماعةٍ من أهل مكة أظهروا الإسلام إلا أنَّهم لم يهاجروا رغم قدرتهم على الهجرة وهم في ذات الوقت كانوا يعينون المشركين على المسلمين فاختلف المسلمون في شأنهم، فمنهم مَن رأى أنَّ هؤلاء كالمشركين المحاربين مباحٌ للمسلمين محاربتهم، ومنهم مَن رأى أنَّهم بحكم المسلمين لا يحلُّ للمسلمين محاربتُهم فأنزل الله تعالى هذه الآية لبيان الحقِّ في شأنِهم، وأنَّ هؤلاء منافقون قد اختاروا الضلال والممالأة للمشركين فاستحقَّوا من الله تعالى أن يُركسهم في الضلال الذي ارتضوه لأنفسهم بسوء اختيارهم.

 

وأيًّا كان منشأ نزول الآية المباركة فإنَّها واضحة الدلالة في أنَّ المنافقين لا يستحقُّون من المسلمين أنْ يتولَّوهم ولا أن يتحاشوا قتالهم إذا أعانوا المشركين المحاربين عليهم كما يظهر ذلك من قوله تعالى بعد هذه الآية: {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} (6) فإنَّ ظاهر الآية أنَّ هؤلاء في واقعهم كفار وأنَّهم يتمنَّون لو يعود الناسُ جميعاً إلى الكفر، وأنَّ المؤشِّر البيِّن على كفرهم هو تخلُّفهم -رغم قدرتهم-عن الهجرة المفروضة عليهم آنذاك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- سورة النساء: 88.

2-التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي-ج3/ 281.

3- سورة البقرة: 14، 15.

4-التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي-ج3/ 281.

5-التبيان في تفسير القرآن - الشيخ الطوسي-ج3/ 281.

6- سورة النساء: 89.

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد