من التاريخ

17 شوال عام 5 للهجرة: ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين

الشيخ عباس القمي

 

معركة الخندق، ويقال لها غزوة الأحزاب أيضًا، لأن قريش استمدّت العون من كل قبيلة وحزب لقتال المسلمين، وذلك أنّ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) لمّا أجلى بني النضير عن بلادهم، زاد بغضهم وكيدهم عليه، فذهب عشرون نفرًا من كبرائهم إلى أبي سفيان، منهم: حيّ بن أخطب وسلّام بن أبي الحقيق (كزبير) وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس وأبو عامر الراهب المنافق، فاجتمعوا مع أبي سفيان وخمسين نفرًا من صناديد قريش في مكة، وذهبوا إلى بيت اللّه الحرام وتعاهدوا على أن لا يتركوا حرب محمد (صلّى اللّه عليه وآله) حتى الممات وألصقوا صدورهم على البيت وأكّدوا هذه المعاهدة.

 

ثمّ استمدّ كلّ من قريش واليهود من حلفائهم فخرج أبو سفيان بأربعة آلاف رجل من مكة معهم ألف بعير  ثلاثمائة فرس، فلمّا وصلوا إلى مرّ الظهران، التحق بهم ألفا رجل من قبائل أسلم وأشجع وكنانة وفزارة وغطفان وهكذا كانت القبائل تلتحق بهم إلى أن بلغوا عشرة آلاف نفر.

 

فلمّا بلغ النبي (صلّى اللّه عليه وآله) وصولهم من مكة ندب الناس وأخبرهم خبر عدوّهم وشاورهم في أمرهم فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر الخندق فكان كلّ عشرة رجال يحفرون أربعين ذراعًا وقيل عشرة أذرع وكان (صلّى اللّه عليه وآله) يعمل معهم ويساعدهم ترغيبًا لهم.

 

وكمل حفر الخندق بعد شهر فجعلوا طرقه على ثمانية أبواب وجعل (صلّى اللّه عليه وآله) على كل باب رجلاً من المهاجرين ورجلاً من الأنصار مع جماعة يحفظونه وجعل الذراري والنساء في الأطام.

 

أما أبو سفيان فإنه دعا حي بن أخطب وأرسله إلى بني قريظة كي ينقضوا عهدهم مع النبي (صلّى اللّه عليه وآله) فخرج حتى أتى كعب بن أسد سيد بني قريظة فلمّا سمع كعب صوت ابن أخطب أغلق دونه حصنه، فاستأذن عليه فأبى أن يفتح لها، فاستأذن مرة أخرى وقال ويحك افتح لي جئتك بعزّ الدهر، وببحر طام، جئتك بقريش على سادتها وقادتها.

 

قال كعب: إنّي قد عاهدت محمدًا ولست بناقض ما بينه وبيني، ولم أر منه إلا وفاء وصدقًا، فلم يزل حي بكعب يفتل منه في الذروة والغارب حتى دخل الحصن وقال لكعب: لئن رجعت قريش ولم يصيبوا محمدًا أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك.

 

فنقض كعب عهده وبرئ مما كان عليه فيما بينه وبين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله) فعظم عند ذلك البلاء واشتدّ الخوف على المسلمين وبلغت القلوب الحناجر، وأتاهم عدوّهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظنّ المؤمنون كل الظنّ وكان النبي (صلّى اللّه عليه وآله) يعدهم النصر والظفر قال تعالى: {إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [الأحزاب: 10].

 

فأقام المشركون على الخندق بضعة وعشرين ليلة في تشديد وتضييق على المسلمين فنجم النفاق من بعض المنافقين ورغّبوا المسلمين في الذهاب إلى المدينة محتجّين بأنّ بيوتهم عورة وليس لها أحد، كما قال تعالى {وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا} [الأحزاب: 13].

 

ولم يكن بين الجيوش مقاتلة إلا الرمي بالنبال والأحجار، إلا أنّ فوارس من قريش منهم عمرو بن عبد ود ونوفل بن عبد اللّه بن المغيرة وضرار بن الخطاب وهبيرة بن أبي وهب وعكرمة بن أبي جهل، ومرواس الفهري، قد تلبّسوا للقتال وخرجوا على خيولهم فاقتحموا الخندق وجعلوا يجيلون خيلهم في الميدان وكان عمرو ينادي بالمبارزة والمسلمون كأنّ على رؤوسهم الطير لمكان عمرو بن عبد ود والخوف منه، لأنه كان يعدّ بألف فارس، وكان يسمى فارس يليل فلذا لم يجرأ أحد من المسلمين على التكلم مضافًا إلى تخذيل ابن الخطاب وذكره شجاعة عمرو، كأنّه يعتذر عن المسلمين فكان ذلك سببًا في زيادة خوفهم وفي تأذي النبي (صلّى اللّه عليه وآله) ونادى عمرو بن عبد ود: من يبارز؟ فقام عليّ (عليه السّلام) فقال: أنا له يا نبي اللّه، فقال: إنّه عمرو اجلس ونادى عمرو: ألا رجل؟ أين جنتكم التي تزعمون أنّ من قتل منكم دخلها؟

 

فقال النبي (صلّى اللّه عليه وآله): من يدفع عنّا هذا الكلب، فلم يجبه أحد، فقام علي (عليه السّلام) وقال: أنا له يا رسول اللّه، ثم نادى ثالثة وقال:

 

ولقد بححت من النداء           

بجمعكم هل من مبارز

 

فقام علي (عليه السّلام) فقال: يا رسول اللّه أنا، فقال، إنّه عمرو، فقال: وأنا علي بن أبي طالب، فاستأذن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)، فأذن له وألبسه درعه ذات الفضول وعمّمه عمامته التي تسمى بالسحاب فقدّمه ودعا له، فذهب إليه قائلاً في جوابه:

 

لا تعجلنّ فقد أتاك            

مجيب صوتك غير عاجز

ذو نيّة وبصيرة                       

والصدق منجي كلّ فائز

إنّي لأرجو أن تقوم‏         

عليك نائحة الجنائز

من ضربة نجلاء يبقى‏       

ذكرها عند الهزائز          

 

فقال (صلّى اللّه عليه وآله): برز الإيمان كلّه إلى الشرك كلّه، ثم إنّ عليًّا (عليه السّلام) دعا عمرًا لثلاثة أشياء إما أن يسلم وإمّا أن يترك الحرب وإمّا أن ينزل عن فرسه ويحارب، فاختار الثالثة وكان يبطن الخوف من أبي الحسن فقال: ألا غيرك يا بن أخي من أعمامك من هو أسنّ منك فإنّي أكره أن أريق دمك وكان أبوك نديمًا لي، ما أمن ابن عمّك حين بعثك إليّ أن اختطفك برمحي هذا، فأتركك شائلاً بين السماء والأرض لا حيًّا ولا ميّتًا؟

 

فقال (عليه السّلام): دع هذا فإنّي أحب أن أهرق دمك في سبيل اللّه، فنزل عمرو من جواد فعقره وسلّ سيفه وهجم على أمير المؤمنين (عليه السّلام)، فثارت بينهما عجاجة، فضرب عمرو رأس عليّ (عليه السّلام) فاستقبلها بدرقته‏ فقدّها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجّه، فضربه (عليه السّلام) وهو كالليث المجروح على رجله فقطعها فوقع عمرو على قفاه، فجلس (عليه السّلام) على صدره، قال عمرو: قد جلست منّي مجلسًا عظيمًا، فإذا قتلتني فلا تسلبني حلّتي قال (عليه السّلام): هو أهون عليّ من ذلك‏ .

 

قال ابن أبي الحديد: فثارت لهما غبرة وارتهما عن العيون إلى أن سمع الناس التكبير عاليًا من تحت الغبرة، فعلموا أنّ عليًّا قتله وانجلت الغبرة عنهما، وعليّ راكب على صدره يحزّ رأسه. وقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ضربة عليّ يوم الخندق أفضل من عبادة الثقلين...

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد