
في مسار البحث نخوض في موضوعين؛ الأول هو أن البعض يبرّرون خوفهم، والثاني هو أن البعض ينظّرون للخوف. فالدارسون وأصحاب الشهادات في الغالب ينظّرون للخوف وعامّة الناس يبرّرونه. أمّا الدين فيقف أمام تبرير الخوف والأكثر من ذلك يقف أمام التنظير له.
إذا أراد بعض علماء الحوزة والجامعة أن ينظّروا للخوف فقد اجترحوا جرمًا كبيرًا، إذ بعد هذا التنظير سيقول الناس الذين يريدون تبرير خوفهم: «هذا ما أقرّ به العلم أيضًا!». وقد يعتبر هذا العلم تارة منطلقًا من الدين، وتارة من التجربة. إن المنظّرين للخوف اليوم هم من الجامعة والحوزة وليسوا من أهل الجامعة فحسب. وفي كلا المركزين (الحوزة والجامعة) هناك علماء وأساتذة لا يستحسنون هذه النظريات ويدركون عدم صوابها. فلا تخلو الجامعة ولا الحوزة من الغث والسمين.
كثيرًا ما يحاول الإنسان أن يبرر خوفه، وفي المقابل كثير من الآيات والروايات هي من أجل صدّكم عن تبرير خوفكم! أحد هذه المخاوف هو «الخوف من الجهاد» لأن الإنسان يقول بطبيعته: إن أذهب إلى ساحات الجهاد سأتعرّض للضرر والموت.
ولكن الله يقول لأولئك الذين يفرّون من الجهاد خوفًا من الموت وخوفًا على أرواحهم: (أَیْنَما تَکُونُوا یُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ کُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَیَّدَةٍ) [النساء/78] وقال كذلك: (فَإِیَّاىَ فَارْهَبُون) [النحل/51] و (وَإِیَّاىَ فَارْهَبُون) [البقرة/40] ممَ ترهبون؟ فإذا كنتم لابدّ راهبين فارهبوني إياي!
يريد الله أن يصدّ الإنسان عن تبرير خوفه، ولا سيما الخوف من الموت، ولذلك يؤكد على أن «الموت بيدي»! وقد أكد القرآن على أن الأجل إذا جاء فلا يقدّم ولا يؤخّر؛ (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا یَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا یَسْتَقْدِمُون) [النحل/61].
قال أمير المؤمنين(ع): «فَإِنَّهُ لَیْسَ عَنِ الْمَوْتِ مَحِیصٌ؛ إِنَّکُمْ إِنْ لَا تُقْتَلُوا تَمُوتُوا» [الإرشاد للشيخ المفيد/ج1/ص238] الجهاد لا يقرّب الموت، فلا تحسب أنك لم تكن تموت إن تخلّفت عن جبهات القتال! «إنّ الفارَّ لَغَیرُ مَزِیدٍ فی عُمرِهِ ولا مَحجوزٍ بَینَهُ و بَینَ یَومِهِ» [الكافي/ج5/ص41]
يجب إقصاء الخوف، حتى الخوف من الموت. طلب الشهادة طريق لتفادي «الخوف من الموت» واجتيازه! الدرجة الأولى في طلب الشهادة هو أن تكون قد أقنعت نفسك بالموت، أمّا بعض الناس فأساسًا لا يفكّر بالموت أبدًا! انظروا كم قد وُصينا بكتابة الوصيّة. فإنك عندما تكتب وصيّتك فقد التفتّ إلى حقيقة أنك لا محالة راحل! فاكتب وصيّتك وإن شاء الله لا تموت مبكّرًا! ولكن الإنسان يريد أن لا يفكّر بالرحيل والموت أبدا! إنك إن تحلّ قضية الموت لنفسك ستخلص من مشاكل كثيرة.
لابدّ أن نقضى على ثقافة «الحیاة القائمة على الخوف»، كما لابدّ لنا من القضاء على ثقافة «اختيار العمل بدافع الخوف». ستزول هذه الهواجس في ظل حكومة الإمام المنتظر (عج). فعلى سبيل المثال من أجل دفع «خشية الإملاق» ستقول الحكومة للناس عندئذ: «سنعوّض عن خسارة كلّ من افتقر».
فإذا زال الخوف من الفقر، فلماذا نعمل إذن؟ سنعمل تلبية لرغبتنا في الإبداع، وخدمةً للناس، ومن أجل السباق الذي ذكره القرآن: (الَّذي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَیاةَ لِیَبْلُوَکُمْ أَیُّکُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً) [الملك/2] كما هو الحال في لاعبي الفريق المنتخب، إذ يتم سدّ جميع احتياجاتهم من الطعام والتكاليف والرواتب وغيرها، ليتسابقوا في ساحة المباراة ببال مرتاح. هكذا سيكون النظام الولائي في حكومة الإمام المهدي (عج)! لذلك سيَعمُر العالم ويُصلح الإمامُ المهدي حياةَ الناس لكي لا ينشغلوا بالهوامش وليجدوا أنفسهم وسط ساحة السباق والقيام بالعمل الأحسن.
إحدى الركائز الثقافية في «الحياة الولائية» هي أن نقضي على ثقافة «الحياة بدافع الخوف». ومن أجل إزاحة ثقافة الحياة بدافع الخوف، لابدّ أن تتغير أنماطُ الحياة.
فيا ترى كيف يجب أن يتغيّر نمط حياتنا لتزول ثقافة الخوف؟ قد يقتضي الأمر حذفَ «إجهاد الامتحانات». حذف امتحان الفحص الوطني كنموذج. ولعلّه يلزم إعادة النظر بشأن «الشهادة الدراسيّة». قد يقتضي الأمر تقليص العمل التوظيفي إلى الحدّ الأدنى لكي لا يرغب أحد في التوظيف خشية الإملاق، بل يستعدّ لمغامرة التجارة والأعمال الأخرى.
لابدّ أن نقوم بعمل تثقيفي واسع في سبيل مغادرة «الحياة بدافع الخوف»، فإن هذه الحياة غير مطلوبة أبدًا وحال الناس في هذه الحياة غير جيّدة، وإن لم يدركوا ذلك بالطبع.
إحدى ركائز نظام الهيمنة هي «ثقافة الخوف»؛ أي الثقافة التي تجعل الناس يعيشون على أساس الخوف. ما هي النتيجة السياسية المترتّبة على هذه الثقافة الغلط؟ بعدما عاش الناس في مجتمع ما على أساس الخوف، سينتخبون الجبناء في الانتخابات. ومن ثَمّ سيرتفع مستوى الاحتياط في المجتمع وبعد ذلك يتسلّط نظام الهيمنة على رقاب ذلك المجتمع.
لا يخفى أن السيطرة على المجتمعات البشرية بعامل «الرعب» أمر سائد على مرّ التاريخ. ما أكثر المدراء والرؤساء الذين اتخذوا شتّى أساليب «الإرعاب» في سبيل السيطرة على المجتمع، من قبيل الفقر والقتل والضرب والسجن. أحد أقبح أساليب الإرعاب في عالمنا المعاصر والذي اتُخِذ وسيلة للهيمنة هو «الخوف من التحقير والاستهزاء» وهو أقبح من الإرعاب الذي يمارسه الطغاة المستبدّون.
يهدّد الطغاة المستبدّون أرواحَ الناس بالسيف ويرهبون المجتمع عبر التهديد بالموت أو الفقر بشكل مباشر وهم بذلك يسيطرون على رقاب النّاس. أمّا اليوم فقد تغيّرت أنماط الإرعاب المستخدمة لاستعباد الناس، إذ قد ازدادت وسائل وأدوات إدارة الرأي العام.
لم تکن وسائل التأثير على الرأي العام وأحوال الناس بكثرتها الآن في العصور الماضية. فلم تكن الأدوات الثقافية كالموسيقى والأفلام والمسلسلات ونشرات الأنباء والصحف والمجلات بهذا الكم من الكثرة والتنويع، أمّا اليوم فقد ازدادت النفوس من جانب، وسَهُل تحشيدهم بكلمة امتهان واحدة ضدّ الحق من جانب آخر. فهم قد أتقنوا أساليب هذا العمل.
هناك واقع في العالم قد سمّيناه «نظام الهيمنة» وهو الآن يدير العالم. ولكن كيف؟ ليس بإمكانه أن يدير كلّ العالم بالقوّة كما ليس في ميسوره أن يديره بالمال. لقد جاء شوط إدارة العالم بالمال بعد ما فقدت القوّة القهريّة دورها. أمّا الآن فقد أضحى سلاحهم الرئيس في إدارة العالم هو «إدارة الرأي العام» وأحد الأصول المهمّة لديهم في إدارة الرأي العام هو «الإرعاب».
وللإرعاب أنواع مختلفة، فعلى سبيل المثال الخوف من القمع والإبادة والفقر خوف شفّاف واضح قد بهت أثره. أما الآن فقد اتجه الطغاة نحو عمل ثقافي عميق وهو «الإرعاب من التحقير والاستهزاء» وهذا الإرعاب كما لا يخفى عامل ثقافي.
لقد اتخذ مدراء الرأي العام في العالم عاملاً ثقافيًّا كأداة لهيمنتهم. ليس هذا العامل الثقافي الخوفَ على الأرواح والأموال، ولا الخوف من الحرب والفقر، بل «خشية الاستهانة» و «خشية اللوم».
فلنضع عدّة عبارات بعضها إلى جانب بعض لنخرج بنتيجة: الأولى هي أن أكثر أساليب نظام الهيمنة لـ «إدارة الرأي العام» في آخر الزمان ليست القتل المباشر، وبعبارة أخرى إن أكثر أدوات نظام الهيمنة هو «الخداع» لا «القوّة»!
اعتمادهم على «الثقافة» أكثر من «الفقر». كما نرى الآن بوضوح ازدياد الأدوات الثقافية وأدوات السيطرة على الرأي العام مثل الجوّال وشبكات التواصل والانترنت والفضائيات، ولا تخفى مصادرها.
يُسَيطر على رقاب الناس في آخر الزمان بالإرعاب؛ تارة بالإرعاب من الحرب والفقر، وتارة بالإرعاب من اللوم. بعد ما يشتدّ البأس وتضيق الأرض على المظلومين المضطهدين، تجدهم يتحدّون الخوف من الفقر والحرب، أما «الخوف من اللوم» فيبقى صامدًا في مكانه.
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (1)
محمود حيدر
في معنى الصدق
السيد محمد حسين الطبطبائي
معنى (فزع) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
نحن لا نخشى غير الله (2)
الشيخ علي رضا بناهيان
المجاز قنطرة الحقيقة
الشهيد مرتضى مطهري
اختلاف الألسن واللّغات
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
طريق الجهاد (5)
الأستاذ عبد الوهاب حسين
الموت ثقافة حياة لا تنقطع
الشيخ شفيق جرادي
أكبر دراسة من نوعها تختبر استراتيجية الترطيب لعلاج حصى الكلى
عدنان الحاجي
أهمّ عناصر النصر (3)
الشيخ محمد مهدي الآصفي
الحمزة بن عبد المطّلب: ليث عرين النّبوّة
حسين حسن آل جامع
مشقّة تحتمل السّقوط
محمد أبو عبدالله
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
فلسفة الإنكار، نقد نظر هيغل إلى الإسلام والشرق (1)
في معنى الصدق
معنى (فزع) في القرآن الكريم
من آيات الجهاد في القرآن الكريم (14)
احفظوا أثر الشهداء
نحن لا نخشى غير الله (2)
(سيرة الفرح في النّصّ) أمسية للكاتبة رائدة السّبع
(صناعة القصّة المصوّرة) ورشة عمل للفوتوغرافي نسيم العبدالجبّار
المجاز قنطرة الحقيقة
نظام (ديب رير) للذكاء الاصطناعي يتفوق على الأطباء في تشخيص الأمراض النادرة في اختبار مقارنة مباشرة