علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ محمد هادي معرفة
عن الكاتب :
ولد عام 1348هـ بمدينة كربلاء المقدّسة، بعد إتمامه دراسته للمرحلة الابتدائية دخل الحوزة العلمية بمدينة كربلاء، فدرس فيها المقدّمات والسطوح. وعلم الأدب والمنطق والعلوم الفلكية والرياضية على بعض أساتذة الحوزة العلمية، عام 1380هـ هاجر إلى مدينة النجف الأشرف لإتمام دراسته الحوزوية فحضر عند بعض كبار علمائها كالسيد محسن الحكيم والسيد أبو القاسم الخوئي، ثم سافر إلى مدينة قم المقدسة والتحق بالحوزة العلمية هناك وحضر درس الميرزا هاشم الآملي. من مؤلفاته: التمهيد في علوم القرآن، التفسير والمفسِّرون، صيانة القرآن من التحريف، حقوق المرأة في الإسلام.. توفّي في اليوم التاسع والعشرين من شهر ذي الحجّة الحرام من عام 1427هـ بمدينة قم المقدّسة، ودفن بجوار مرقد السيّدة فاطمة المعصومة عليها السلام

العارف والصّوفي

كلاهما تعبيران عن شخصية واحدة تجمع بين صفاء الباطن وزهد في ظاهر الحال. وإنما يقال له "الصّوفي" باعتبار تقشّفه في الحياة والاقتصار على أقل المعيشة وفي جشوبة في المأكل والملبس، وكان من مظاهرها ملابس الصّوف الخشنة تجاه الحرير النّاعمة. فكان هذا النعت كناية عن تنسكه وتزهده في المزاولة الحياة ...

 

أما الوصف بالعرفان فلعرفانه الباطني وخلوصه في السير والسلوك إلى الله ومثابرته في سبيل معرفة الذات المقدسة وقربه منه تعالى .. فذاك وصف لظاهر الحال، وهذا نعت لصفاء الباطن وعرفانه لمقام الذات.

 

كان التصوف في أول عهده يدور حول نقطتين: أولاهما: أن العكوف على العبادة - وهي رياضة نفسانية - تورث للنفس فوائد هي حقائق روحانية ملكوتية أعلى ... وثانيهما: أن ترويض القلوب يفيض على النفس معرفة تنطوي على استعداد الإدارة لتلقي هذه الفوائد..

 

ويقول المتصوفة: إن في علم القلوب قوة  محركة، وهو يبين السفر إلى الله وما فيه من مقامات وأحوال عدتها إثنا عشر. كما يقولون: إن بعض الفضائل يكتسب وبعض الفوائد يتلقّى .. وقد وجهوا هممهم بنوع خاص إلى تحديد الغاية القصوى التي هي تحقق النفس بمعرفة الحق تعالى عندما يقطع العبد كل علائقه بالبدن .. ومن هنا جاء وصفهم بالصوفية، كما قال صاحب اللمع: "فلما أضفتهم إلى ظاهر اللبسة – وكان يكثر في الزهاد والمتقشفين اعتياد لبس الصوف – فكان ذلك اسماً مجملاً مخبراً عن جميع العلوم والأعمال والأخلاق والأحوال الشريفة المحمودة. ألا ترى أن الله ذكر طائفة من خواص أصحاب عيسى (عليه السلام) فنسبهم إلى ظاهر اللبسة فقال عزّ وجل {إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ} [المائدة : 112] وكانوا قوماً يلبسون البياض، فنسبهم الله تعالى إلى ذلك، ولم ينسبهم إلى نوع من العلوم والأعمال والأحوال التي كانوا بها متوسمين. فكذلك الصوفية نسبوا إلى ظاهر اللباس ولم ينسبوا إلى نوع من أنواع العلوم والأحوال التي هم بها متوسمون. لأن لبس الصوف كان دأب الأنبياء (عليهم السلام) والصديقين وشعار المساكين المتنسكين ... " (1).

 

كما وقد افترضوا "الطريقة" إلى جنب "الشريعة" .. لتكون الشريعة عبارة عن الأعمال الظاهرة التي تجري على الجوارح والأعضاء الجسمية، وهي العبادات بأنواعها، والمعاملات بأقسامها .. وقد سمي علم الشريعة بعلم الفقه اختصاصاً بالفقهاء وأهل الفتيا ومن تبعهم من الأتباع والمقلدين .. كما هو معلوم من مذاهب معروفة ..

 

أما علم الطريقة فهو علم يدعو إلى الأعمال الباطنة وارتياضات نفسانية، سميت بأعمال القلوب والجوانح. وسمي هذا العلم علم التصوف وسمى المتصوفون أنفسهم أرباب الحقائق وأهل الباطن وسموا من عداهم أهل ظواهر ورسوم ..

 

ويفترق أهل العرفان عن أهل الكلام، باستنادهم في معارفهم (علم الحقائق) إلى مشاهدات نفسيه هي واردات قلبية أو خواطر ملكوتية فيما حسبوا، اقتناعاً بهذه الخواطر والسوانح، بدلاً من الاستدلال وإقامة البرهان، والتي اقتحمها علماء الكلام ..

 

قال الغزالي في الإحياء: إن للإيمان والمعرفة ثلاث مراتب: المرتبة الأولى، إيمان العوام، وهو إيمان التقليد المحض. والثانية، إيمان المتكلمين، وهو ممزوج بنوع استدلال، ودرجته قريبة من درجة إيمان العوام. والثالثة، إيمان العارفين، وهو المشاهدة بنور اليقين .. (2).

 

وقد كانت الصوفية خصوم الفقهاء في الدور الأول، وأصبحوا خصوم المتكلمين وأهل النظر في دور متأخر .. فقد نابذوا هؤلاء وهؤلاء جميعاً..

 

وكان من جراء هذه المنابذة وتلك أن أخذت الصوفية في أدوار متأخرة في الهبوط إلى مرحلة الابتذال والأخذ في الشطحات – على حد تعبيرهم – أخذاً بلا هوادة، وإن شئت قلت: تعابير هي أشبه بالخيال من مشاهدة الحال ..

 

نسب إلى أبي يزيد البسطامي (توفي سنة 261) أنه قال: "رفعني مرة فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد، إن خلقي يحبون أن يروك! فقلت: زيّني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وارفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك، فتكون أنت ذاك ولا أكون أنا هناك ..".

 

وحكي عنه أيضاً أنه قال: "أول ما صرت إلى وحدانيته فصرت طيراً جسمه من الأحدية وجناحاه من الديمومية، فلم أزل أطير في هواء الكيفية عشر سنين حتى صرت إلى هواء مثل ذلك مائة ألف ألف مرة، فلم أزل أطير إلى أن صرت في ميدان الأزلية، فرأيت فيها شجرة الأحدية – ثم وصف أرضها وفرعها وأغصانها وثمارها – ثم قال: فنظرت فعلمت أن هذه كله خدعة .. (3).

 

ولابن عربي:

عقد الخلائق في الإله عقائداً             

وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوه

 

فالتصرف كان وحده من بين معترك المذاهب تسامحاً صرفاً وسلاماً في كل ما مر من الأدوار. والصوفي – كما قال أبو تراب النخشبي – لا يكدره شيء ويصفو به كل شيء ..

 

أضف الى ذلك مسألة الولاية وصلتها بالتصوف وكرامات الأولياء.. قالوا:  إذا كان العبد قريباً من حضرة الله بسبب كثرة طاعاته وكثرة إخلاصه، وكان الرب قريباً برحمته وعنايته، فهناك حصلت الولاية .. وربما بلغ الولي إلى مرتبة رفع الحجاب بينه وبين الحقائق فيراها بعين الشهود .. والواصل إلى درجة العرفان تنكشف له الحجب ويشهد من علم الله ما لا يشهده سواه، ومن ثم فتظهر على يديه الكرامة التي هي خرق للعادة .. (4).

__________________________

1- دائرة المعارف الإسلامية ، ج5 (تصوف) ، ص277- 278 .

2- إحياء العلوم ، ج3 ، ص15 .

3- راجع : تذكرة الأولياء للنيشابوري ، ج1 ، ص160-164 (حديث معراجه).

4- راجع : نفحات الأنس لعبد الرحمان الجامي ، ص 5- 28 .

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد