
عن طريق البكاء المشفوع بالدعاء، استطاع الإمام زين العابدين (عليه السلام) أن يحقق الأغراض التالية:
1 ـ تقريع أو استنهاض الضمير النابض في الأمّة والذي لم يمت بعد، أي مخاطبة الفطرة السليمة، من خلال دموع ساخنة ونشيج صادق لا يمكن تفسيره ببساطة على أنّه مجرد عواطف فائرة على فجيعةٍ مرّت وكارثة حلّت، لا سيّما وأنه من إمام يعرف أكثر من غيره القضاء والقدر وحتمية الموت وطوارق السّنن...
2 ـ استثمار جميع المواقف والمناسبات التي تُذكّر الناس بالجريمة الكبرى التي ارتكبت بحق سبط النبي وسيد شباب أهل الجنة، وعبر بكاء حارّ صادق يتفجّر أمام قصاب مثلاً يذبح شاته فيسقيها ماءً قبل ذبحها، أو أمام ضيف فقد عزيزاً فغسّله وكفّنه، أو على مائدة إفطار يُقدّم فيها الماء للعطاشى والظامئين ويكون شعارها مثلاً: «شيعتي ما إن شربتم عذب ماءٍ فاذكروني * أو سمعتـم بذبيح أو قتيـل فـاندبوني». وغير ذلك مما كان يذكّر بتجاوز الحدود، وقساوة القلوب، أي قلوب القتلة التي كانت كالحجارة أو أشدُّ قسوة، وهذا يعني تركيز الشعور بالإثم الكبير الذي ارتكب في طفوف كربلاء والذي صار عنوانه: «اللهمَّ العن أمّة قتلتك، والعن أمّة ظلمتك، والعن أمّة شايعت وبايعت على قتلك، والعن أمّة سمعت بذلك فرضيت به».
3 ـ إيهام السلطة الحاكمة وعيونها وأزلامها ومرتزقتها أنّ المفجوع ليس لديه إلاّ البكاء، وأنّه ليس عملاً جُرمياً يبرّر للسلطة اتخاذ إجراءٍ قمعي لمواجهته، فكيف إذا كان المفجوع باكياً فعلاً وليس متباكياً، كما هو حال الإمام (عليه السلام).
4 ـ وحين تختلط دموع البكاء مع تراب قبر المتوفّى، وهو ما كان يفعله الإمام حين كان يُطيل سجوده وبكاءه على التراب الذي احتفظ به من ثرى قبر والده ومسحه بخاتمه الذي أصرّ على لبسه والمحافظة عليه مع الشعار المنقوش عليه والذي كان يردده (عليه السلام): «خزي وشقي قاتل الحسين بن علي»، تكون رسالة البكاء أكثر تعبيراً وأمضى أثراً في إذكاء الوجدان المعذّب والضمير الحي وتفجيرهما ضد الظلم والظالمين.
5 ـ أما حين يمتزج البكاء مع الدعاء، وتتكامل لوحة الرفض المقدّس عبر العاطفة والفكر، وعبر العقل والقلب، يكون الهدف من البكاء أكثر تجليّاً وسطوعاً، وهذا ما كان يُلاحظ عند الإمام (عليه السلام) وهو يخرُّ ساجداً على حجارة خشنة في الصحراء يوماً ويشهق شهيقاً مرّاً مردّداً:«لا إله إلاّ الله حقًّا حقًّا.. لا إله إلاّ الله تعبّداً ورقًّا.. لا إله إلاّ الله إيماناً وصدقًا..» ثمّ يرفع رأسه وإذا بلحيته ووجهه مخضبان بدموع عينيه، فيقول له أحد أصحابه: أما آن لحزنك أن ينقضي، ولبكائك أن يقلّ؟! ويأتيه الجواب، ليكون دالّة معبّرة عن حزنٍ ليس كمثله حزن، وبكاء ليس كمثله بكاء...
إنّه بوضوحٍ كاملٍ حزنٌ على رمزٍ مقدّس بكت عليه أهل الأرض وملائكة السماء، وليس حزنَ ولدٍ على أبيه قط، وإنه حزنٌ على فجيعةٍ بدين، أي أنّه حزن على دين مضيّع صيّره الصبيان لعبةً يعبث بها غلمان بني أمية، ودمية تتلاقفها أكفّ أحفاد أبناء الطلقاء...
إنّه باختصار شديد، رسالة صامتة شديدة اللهجة، ودموع حرّى ناطقة، وبيان صارخ مشحون بعواطف البكاء النبيلة ممزوجة بثرى تراب طاهر، مشفوعاً بتأوّهات خالصة أرادت وتريد أن تواجه الظالم بأفصح ما يكون التعبير عن الرفض والغضب المقدّس وأقدس ما يكون الإفصاح عن الثورة والتمرّد.
إنّه سلاح ماضٍ لكشف الجرم الكبير وفضحه والدعوة لقطع اليد التي نفّذته، وأمام من؟ وبدموع من؟ بدموع الثائر المفجوع الذي لم يستطع الاستشهاد في اليوم العظيم، لمرضٍ أقعده، وعلّة ما كان يستطيع الوقوف على قدميه بسببها، فشاءت إرادة الله أن تحتفظ به ليكشف خيوط الجريمة الكبرى وهو يبكي وينشج ويقول:
وهنّ المنـايا أي وادٍ سلكتـه *** عليها طـريقي أو علـيّ طريقها
وكـلاً ألاقـي نكبةً و فيجعـةً *** و كأس مرارّات ذعافاً أذوقها
ثم يختتمها بدعاء دامع حزين: «يا نفس حتّامَ إلى الدنيا سكونك؟ وإلى عمارتها ركونك؟ أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك؟ ومن وارته الأرض من أُلاّفك؟ ومن فجعتِ به من إخوانك؟ ونُقل إلى الثرى من أقرانك؟ فحتّامَ إلى الدنيا إقبالك، وبشهواتها اشتغالك وقد رأيتِ انقلاب أهل الشهوات، وعاينتِ ما حلَّ بها من المصيبات...».
نعم، إنّه البكاء الهادف، والنشيج المدوّي، والدموع الناطقة، إنه رسالة صامتة شديدة اللهجة صارخة الاحتجاج، محبوكة المتن، متينة السند.. إنّه بكاء أفقه أهل زمانه وأعلمهم وأورعهم وأتقاهم، حفيد النبي (صلى الله عليه وآله)، وابن سبطه، المفجوع بقتله، الشاهد على دمه، حامل رسالته ومبلّغ أمانته ووصيه ووريثه والداعي إلى حقّه.. إنّه بكاء علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام).
مجسّات النص الشّعري وكبسولات الرّؤيا
هادي رسول
نكِّروا لها عرشها
الشاعر هادي رسول
الميتافيزيقا المثلومة
محمود حيدر
نوح الحقيقة والمعنى وسفينة النّجاة
السيد محمد حسين الطهراني
معنى (لفت) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
من المقصود بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا﴾؟
الشيخ محمد صنقور
شيخ المترجمين حنين بن إسحاق وتطوير العلوم الطبية
عدنان الحاجي
الإمام الرّضا (ع) وعلم التّفسير
الشيخ جعفر السبحاني
العدل في المدينة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الجبهة والجهاد الأكبر: التوكل على الله
الشيخ حسين مظاهري
معارج الشّوق
زهراء الشوكان
عند النّهوض بماذا أجازف؟
محمد أبو عبدالله
كوثر الغيب
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
مولد على مفارق الوجود
حسين حسن آل جامع
يعلق الحافر في أضلع الصّدى
أحمد الرويعي
لا تقتلوه
إبراهيم بوشفيع
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
حبيب المعاتيق عبر بودكاست (كنّاش): يجب أن يكون هناك محرّض دائم على الكتابة
الشّوكان توقّع ديوانها الشّعريّ الجديد (ممسكة بغص الفردوس)
أن ينسب الخليج إلى مدينة
الدكتورة الجامع خلال برنامج (لتسكنوا إليها): الاستقرار العاطفيّ أوّلاً ثمّ الإنجاب
حبيب المعاتيق عبر بودكاست (كنّاش): الشّعر والضّوء والمعنى الواحد
معارج الشّوق
(فخّ التّوقّعات الصّامتة) محاضرة لآل حسين في جمعيّة العطاء النّسائيّة الأهليّة في القطيف
جاسم الصّحيح عبر بودكاست (كناية): رحلة في التّكوين والحضور
تاروت في خارطة عمرها نحو 1900 عام
فاطمة الحمودي حارسة النّقوش الأحسائية