علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
محمود حيدر
عن الكاتب :
مفكر وباحث في الفلسفة السياسية، مدير التحرير المركزي لفصلية "الاستغراب".

الأيديولوجيا: شريعة المتحيِّز (2)

لو أنَّ لنا أن نأتي بمفهوم يدل على مفعول الكلمات في الناس وفي الأشياء، لكانت لنا بالأيديولوجيا حجة بليغة. لكنْ لسنا على يقين من أننا بإزائها أمام مفهوم اعتيادي. فلئن كان كل مفهوم على ما نعلم هو تصوُّر ذهني لا يغادر حصنه الذهبي إلّا بإرادة تحيلُه إلى مهمة واقعية، فالأيديولوجيا هي تصوُّر وإرادةٌ في آن. إنها الفكرة وحقل اختبارها في اللحظة عينها، فلا يفترقان ولا يتباينان. فالمفهوم بالنسبة إلى الأيديولوجيا ليس إلا ما تكشف عنه أفعالها في الواقع. ينشأ القول الأيديولوجي من حقل الأفعال، ثم ينمو هذا الحقل ويزدهر بفعل ذلك القول بما ينطوي عليه من جاذبية وقدرة على صنع الأحداث. القضية إذًا، قضية الفاعل الأيديولوجي الذي يحفر حقله بالكلمات، ثم يرجع  إلى الحقل إيَّاه فيسدِّده ويرشِّدُه، أو ليضيف ويعدِّل من لغته.

 

إذا كانت خصيصة المفهوم، كما في الشائع، تكمن في ما يستدعي ظنيَّة الدلالة عليه، الأمر الذي يوجب الاختلاف والتباين وتكثُّر الرؤى في شأنه، فإن الخصيصة المستترة للأيديولوجيا هي أنها تختصبُ في المنطقة الجامعة بين الظن واليقين. ذاك أنها فكرةٌ وحدثٌ معًا. فإذا كانت الفكرة مبعثًا للظن، فالحدث بما هو وجودٌ عياني، وحضورٌ واقعي، باعثٌ على اليقين. فكيف إذا كان الحدثُ والفكرة متحَدين في مضمار واحد.

 

تتميَّز الأيديولوجيا بأنها غير ثابتة ثباتًا مطلقًا، وإنما تتمتع بخاصية الحراك. على الدوام تشهد على دورات جديدة من النمو، والتحوّل، والاختفاء، والظهور. كل هذا يحدث في ضوء الأوضاع والمواقف الاجتماعية المختلفة والمتغيرة. فكثيرًا ما تتعرض المجتمعات لاهتزازات داخلية أو خارجية، تظهر حينًا على شكل انزياحات عن الأيديولوجيا السائدة، وتغيرات في البنية الاجتماعية والاقتصادية، وحينًا آخر على شكل صراع بين القيم الخاصة والعامة، وحينًا ثالثًا نتيجة كوارث طبيعية، أو ثورات أو غير ذلك. في مثل هذه الحالات، قد تدخل عناصر جديدة إلى النسق الأيديولوجي تلغي بعض عناصره، أو تعدِّل من بعضها لتتواءم مع الواقع الاجتماعي الجديد. لذا لا ينبغي أن يُنظر إلى النسق الأيديولوجي كنسقٍ ثابت، وإنما  كدينامية سارية في مجمل التحيُّزات الإنسانية..

 

تشير أفعال المتحيِّز واختباراته، إلى أن الأيديولوجيا قادرةٌ على الفعل، وتحويل الثابت إلى مسعى حيوي. ثمة من نقاد الحداثة من وجد أن العملية الأيديولوجية تختزن القدرة لا على تفسير العالم وحسب، ولكن أيضًا على المشاركة في تحويله. حتى ماركس ـ الذي كان عليه لكي يفتتح عصر الاشتراكية العلمية، أن يذمّ الأيديولوجيا بوصفها وعيًا زائفًا ـ ما لبث حتى استوطن عبر (البيان الشيوعي) أرض الأيديولوجيا الفسيح. وهذا مرجعه إلى أن الوهم الذي تُصنِّعُه السلطة الأيديولوجية حتى تستمرئ أغراضها، هو نفسه جوهر المعرفة التي تمارسها في الواقع. الفيلسوف الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي ـ وهو أحد أبرز وَرَثَة الماركسية والمجددين لثقافتها ـ تنبَّه إلى المشكلة بعمق في كتابه “الأمير الحديث”. كان عليه أن يوجِّه نقدًا عاليَ النبرة لنظرة ماركس المبتورة للأيديولوجيا، واعتبرها حقيقة واقعية لا وعيًا كاذبًا. لقد مارس غرامشي في الواقع نشاطًا “تفكيريًّا” معاكسًا لرؤية ماركس، ومؤدى موقفه الفعلي إعادة مَوْضَعَة المفهوم في المحل الذي تستمكن فيه الكتلة التاريخية في إيطاليا من الانتقال بالحداثة البوروجوازية، إلى طورها الثوري البروليتاري.

 

أما الفيلسوف السلوفاكي المعاصر (سلافوي جيجيك)، فسيلاحظ في سياق مراجعاته النقدية للماركسية أن الأيديولوجيا ليست وعيًا مزوَّرًا ولا تمثيلًا وهميًّا للواقع، بل إن ذلك الواقع نفسه هو الذي يتعيَّن تعقُّلَه بسبب من اتخاذه طابعًا أيديولوجيًّا.

 

بموجز: لما حكمت الحداثة ـ بجناحيها الليبرالي البوروجوازي والماركسي البروليتاري ـ بالنفي على كل ما ليس بمادي، كانت تمضي إلى الدرجة القصوى من التحيُّز الأيديولوجي. والصفاء العلمي الذي اعتُبر من طرفها معيارًا لفهم العالم، غدا في قليل من الوقت محض حيلة فكرية تعمل وفق مذهب المتحيِّز وفلسفته. قدّمت الحداثة تصوّرًا ثوريًّا لتغيير العالم بواسطة العلم، إلا أن النتائج اللاحقة لمثل هذا التصوّر آلت إلى ضربٍ من وثنية مستحدثة.

 

ظهرت الحداثة وهي في ذروة دعواها كـ (مادية دنيوية) صمَّاء. لقد حرَّرت ذاتها تمامًا من اللاَّهوت والميتافيزيقا، ثم زعمت أن الإنسان يمكن أن يعيش في جنّة وضعية إلى الأبد، وأنه بسبب قدرته على التفكير يستطيع أن  ينجز خلاصَهُ التامّ… هذه العقيدة المطلقة للمادية الدنيوية ستحظى من الفلسفة الحديثة بغطاء أيديولوجي صلب. جرى ذلك بصفة خاصة على يد هيغل حين أدخل المطلق في الزمان البشري، وكان هدفه الأساسي وصف الظهور التدريجي لروح ما، أو فكرة ما، بأنه ظهور موقوت وآيلٌ إلى نهاية التاريخ. أما فكرة الخلاص عنده فتكشف عن ذاتها في العالم حيث لا شيء مكشوفًا في ذلك العالم ـ كما يقرِّر ـ غير هذه الفكرة وشرفها ومجدها.. على هذه السجيَّة خطت المادية الدنيوية خطوتها العظمى لتجرّد الحضارة الغربية الحديثة من روحانيتها. ومن خلالها أكملت ما نظَّر له لودفيغ فيورباخ لمّا دعا إلى تدمير كل ما هو فوق أرضي، بزعم أن الإنسان هو الحقيقة السامية المطلقة، ولن يبحث من بعد ذلك عن السعادة خارج ذاته.

 

حين أدَّت المنظومة الأيديولوجية لعبتها كـ (مادية دنيوية)، كانت في الواقع تقوم بمهمّة تأويلية غايتها تحويل إدراكات الناس وإعادة تركيب وعيهم على نصاب أمرها. وتلك مهمة تتحرك في ختام المطاف وفق معيار المصلحة كغاية عليا. من هذا النحو لن يعود التأويل، سواء كان لنص أو لحدث تاريخي، بقادرٍ على النجاة من شروط تلك اللعبة الأيديولوجية ومقتضياتها. كل لحظة في العملية التأويلية تظهر وكأنها مشغولة بإتقان وشغف. ذلك أن الفهم الناتج من تلك العملية لا يمكن فصله عن بنية الحامل الأيديولوجي الثقافية والاجتماعية والعقائدية والنفسية. وبالتالي عن مقاصده وغاياته الحضارية، والكيفية التي ينكشف فيها فهمه على شكل خطاب فلسفي أو بيان سياسي.

 

ماذا يعني كل هذا في سياق مسعانا لتظهير مرسوم يقترب من حقيقة الأيديولوجيا؟

 

إن كل صفة تكتسبها الأيديولوجيا تتأتَّى من فعلها. ولا تتحصَّل الكلمات المعبرة عن هذا الفعل إلاَّ بفضل التبادل بين النَّسق والفعل، وبين البنية والحدث، وبين خصوصيات الحيِّز الاجتماعي والفاعلين فيه. وإذن، تتميَّز العملية الأيديولوجية في كونها متعددة الصفات كفاعلها، أي الكائن المتحيِّز. كأن يُقال مثلًا: هذا قول أيديولوجي وذاك قول أيديولوجي، لكن لكلٍ من القولَيْن موقع مختلف تبعًا لاختلاف القائلين به وتعدد مواقعهم. لقد كان من أبرز إنجازات كارل مانهايم أنه أدرك المشكلة فراح يوسع مفهوم الأيديولوجيا إلى النقطة التي أصبح معها يضم الشخص نفسه الذي ينادي بهذا المفهوم. بمعنى.. أن المفهوم صار هو نفسه الشخص الذي يمارس عملية الفهم. ذاك الشخص الذي يختبر فكره وشعوره وشغفه إلى الحد الذي يمتلئ بكلماته ويقول: أنا هو الأيديولوجي أنا هي الأيديولوجيا.

 

سوف يدحض مانهايم بقوةٍ وجهة النظر القائلة بوجود متفرِّج مطلق، غير متورط في اللعبة الاجتماعية، ويعتبرها ضربًا من المستحيل. فأنْ نصِفَ شيئًا بأنه أيديولوجي، ليس أبدًا أننا نصدر حكمًا نظريًّا مجردًا، بل إن وصفًا كهذا ينطوي على معاينة اختبارية، لممارسة معينة، أو لرأي يتحرك في الواقع تقدمه لنا هذه الممارسة. فكل منظور يُعبَّر عنه من زاوية الناظر هو فعلٌ أيديولوجي بشكل ما. ويذهب جيرار ماندل ((Gerard Mendel) في تفسيره لرأي مانهايم، إلى أن الشخص الأيديولوجي متعدد. إذ أن كل إنسان هو في الوقت عينه استيهام وإدراك. إنه حالة مركبة من ثنائيات متعاكسة متباينة في آن: لاعقلانيةٌ وعقلانية، لاوعيٌ ووعي. حياةٌ على أرضية من الموت، ذاتيةٌ جذرية وضرورةٌ موضوعية، حبٌّ للذات وارتماء في أحضان الموضوع، فطريةٌ واكتساب، مصيرٌ وتشكلُّ، وكذلك استلابٌ وحرية. (جورج هـ. تيلور ـ من المقدمة التي وضعها لكتاب بول ريكور ـ محاضرات في الأيديولوجيا واليوتوبيا ـ ترجمة: فلاح رحيم ـ دار الكتاب الجديد المتحدة ـ 2002 ـ ص31).

 

الأيديولوجيا إذًا، متعددة كأحوال فاعليها. لهذا انْبَنَتْ فلسفتُها على البساطة والتركيب، وعلى التناقض والتكامل في اللحظة عينها. هي متعالية لكنها شديدة المرونة عندما تهبط إلى الطبقات الدنيا في عالم الناس. مع هذا لا يمكن الحكم عليها من دون أن تُرى صورتها في الحدث، أو في ما يُتوخى منها من تسيُّد وغلبة. ربما هذا هو الشيء الذي حمل كثيرين إلى نفي الشائعة القائلة بوجود مفهوم بسيط بالإطلاق. ومدَّعى هؤلاء، أن كل مفهوم يملك مكوِّنات معينة ويكون محدَّدًا بها.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد