
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله قَالَ: "أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَال: الَّذِينَ لَا يُقِيلُونَ الْعَثْرَةَ وَلَا يَقْبَلُونَ الْمَعْذِرَةَ وَلَا يَغْفِرُونَ الزَّلَّةَ".[1]
لا تقوم العلاقات الطيبة بين البشر على الكمال والعصمة، فجزءٌ منها يرتبط بتحمل أخطاء الآخرين. ورد في حديث شريف: "لَيْسَ حُسْنُ الْجِوَارِ كَفَ الْأَذَى وَلَكِنَّ حُسْنَ الْجِوَارِ صَبْرُكَ عَلَى الْأَذَى"؛[2] أي إذا أردت أن تبني علاقة طيبة مع جارك يجب أن ترسّخ في نفسك حالة تحمل أذاه. فلو أردنا أن نبني علاقتنا مع أي إنسان على قاعدة عدم الإساءة إلينا مطلقًا، لبقينا وحيدين معزولين.
لكن أن نتحمل الأذى من شخص ما وهو يكرره دون أن يعبأ أو يكترث، فهذا أيضًا لن يكون مفيدًا لصحة هذه العلاقة ودوامها. فتحمّل الأذى من الشّخص اللائق لبناء علاقة طيبة هو بدوره مقدمة لشيء آخر، وهو أن يقل الأذى ويغلب الإحسان، وبذلك ينبعث الود الذي سيتكفل بالباقي.
{ادْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَميم}.[3]
فمع وجود المودّة قد لا نرى الإساءة إساءةً أصلًا، وهكذا تبلغ العلاقات الإنسانية أعلى مستوياتها، فتثمر تلك السعادة المنشودة من ورائها.
يوجد حلقة مهمة هنا تربط ما بين تحمل الأذى من قبلنا، وتلاشي الأذى من قبل الطرف الآخر. وهذه الحلقة هي الاعتذار. الاعتذار من المسيء وقبول الاعتذار من المتأذّي. وبدون هذه الحلقة لن تنعقد السلسلة الطيبة الموصلة إلى خواتيم الخير.
الاعتذار تعبير عن الندم وعن النية بعدم تكرار الإساءة. مما يعني الرّغبة في إيصال العلاقة إلى مقامها الأسنى. لا يمكننا كبشر أن نقيم علاقات مستديمة دون هذه الرغبة. العلاقات العابرة مثل صحبة السّفر يُنصح فيها بالتجاوز المطلق والغض عن الإساءات لأسباب، منها لوازم السفر وطبيعته. لكن إذا أردنا علاقة تبقى وتُثمر تلك السعادة، نحتاج إلى نوع من الضمانة أنّنا لن نتعرض فيها إلى الإساءة المستمرة المتزايدة. ما يصدر بعد هذه الضمانة والطمأنينة الداخلية من إساءات يجد له تبريراته وأعذاره بحكم العشرة والمعرفة. إنّها الطبيعة البشرية التي لا تنضبط تمامًا.
نشأتُ في مجتمع يصعب فيه الاعتذار كثيرًا. حاولت أن أفهم العوامل التي أدت إلى مثل هذا الوضع مع ما ينجم عنه من كوارث وخسائر لا تُحصى. أغلب الزيجات التي خربت كانت بسبب عناد الزوجين أو أحدهما عن المبادرة للاعتذار. تدهورت العلاقة كلها بسبب الصعوبة البالغة التي يجدها هذا الزوج في نفسه للقيام بالاعتذار أو حتى تقبُّل الاعتذار. يشاهد زواجه يتدمر على مرأى من بصره ولا يقدر على الاعتذار الذي يمكن أن ينقذه ويعيد صفاءه. ربما قبول الاعتذار أحيانًا أصعب من الاعتذار. غالبًا ما يصعب علينا الاعتذار لأنّنا لا نحتمل قبول العذر من الطرف المقابل.
العوامل التي أدّت إلى ضعف ثقافة الاعتذار وقيمته في مجتمعنا عديدة ومزمنة تاريخيًّا، لكن أبرزها هو ذلك الكبر الموجود في الصدور. ينشأ إنساننا في هذا المجتمع على تعزيز الذات إلى حد الانتفاخ والتضخم الفارغ، فيولد الكبر والتكبر. تصبح رؤية النفس أفضل من الغير أمرًا عاديًّا وصحيًّا!
حين يعجز الإنسان عن الاعتذار لأنّه لا يجد له مستقبِلًا رحبًا من الطرف المقابل، يزداد تعنته. ما لم نلقَ تفهمًا ومسامحة، يتغلب علينا الشر، ويشق طريقه إلى نهايات موجعة. أكثر المشاكل العويصة في العلاقات بدأت من هذه النقطة بالذات. لا تحدث الإساءات الضخمة دفعةً واحدة إلا نادرًا. غالبًا ما يبدأ مسلسل الانحدار من نقطة بسيطة. الذي لا يقبل عذرنا هو في الواقع كمن يحفز فينا جانب الشر. ومع إضافة الكبر يصبح الناتج فظيعًا: الرغبة بالانتقام.
حين عجز الشيطان عن سوق مجتمعنا نحو كل أشكال الشرور والجرائم نتيجة بقاء العديد من ثمار إيمان من سبقنا، عمل على جعل الكبر نظامًا عامًّا في ثقافتنا. المجتمعات التي تسود فيها ثقافة الاعتذار يشاهد أبناؤها الثمرات الطيبة للصفح، رغم افتقارهم لقسمٍ كبير من رصيدنا الإيماني. بينما المجتمع الذي يتكبر أبناؤه تحت عناوين الكرامة الموهومة والعزة المصطنعة، يرفعون شعار "النار ولا العار" عند أدنى إساءة تُوجَّه إليهم أو حين يُطلب منهم الاعتذار عن الإساءة التي ارتكبوها بحق غيرهم.
يتمّ تربيتنا على قانون شريعة الغاب "إن لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب"، يجب أن تتعامل بالبطش مع من يسيء إليك، ولا تُظهر أي رحمة لأنّك ستبدو ضعيفًا. إن لم ترِهم العين الحمراء فسوف يركبون ظهرك ويستوطون حيطك. يصبح الاعتذار صعبًا للغاية لأنّ الاعتراف بالخطأ سيكون دليلًا على الضعف. أما قبول عذر المعتذر فسوف نراه تشجيعًا له على الاستمرار.
هكذا تضيع الطبيعة الطيبة التي يُفترض أن تصبح العملة الرائجة في العلاقات البشرية. ومع اختفاء الطيبة يرتفع منسوب الخبث ويُبتلى الجميع ويدخل الكل في تلك الدائرة الفظيعة لانعدام الثقة.
انتشار ثقافة الاعتذار يعني تسهيل عملية الاعتذار وجعلها من العادات الاجتماعية التي تعتمد نوعًا من الطقوس الخاصة. كل مجتمع يمكن أن يعتمد طرقًا أو أساليب معينة، لكن يجب أن يصبح ذلك ركنًا أساسيًّا في العلاقات. أن تصادق أو تؤاخي أو تتزوج أو تجاور أو تزامل يعني أن تكون جاهزًا دومًا لتقديم العذر عند كل خطأ أو حتى اتهام بالخطأ.
أحيانًا يُفترض أن نعتذر حتى لو لم نخطئ، لأنّ الاعتذار يعيد المياه إلى مجراها. قد لا يكون ما صدر منّا خطأ بنظرنا لكن الآخر يراه كذلك، لأي سببٍ كان. وقد يكون تبرير هذا الفعل الذي هو ليس بخطأ سببًا لاستثارة غضب الآخر وزيادة الضغينة، ففي مثل هذه الحالة من الأفضل أن نكتفي هنا بالاعتذار معلنين أنّه لن يصدر منّا مثل هذا الفعل أبدًا. وتكون النتيجة استعادة العلاقة الطيبة التي يكتشف فيها هذا الآخر الحقيقة في النهاية. كثيرة هي هذه الحالات حيث لا يمكن للآخرين معرفتنا وفهمنا إلا بعد العشرة. ولأنّنا نريد لهذه العشرة أن تدوم، يجب أن نحافظ عليها بأي ثمن حتى لو كان التنازل أو التذلُّل.
{أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرين}.[4]
فیما يلي مجموعة من الأحاديث المفيدة في هذا المجال عن أهل بيت العصمة (ع):
عن رسول الله (ص): "ومن اعتذر إلى أخيه المسلم من شيء بلغه عنه فلم يقبل عذره لم يرد عليّ الحوض".[5] وقد جاء عن أمير المؤمنين (ع): "الْمَعْذِرَةُ بُرْهَانُ الْعَقْلِ".[6] "نِعْمَ الشَّفِيعُ الِاعْتِذَارُ".[7] "اقْبَلْ أَعْذَارَ النَّاسِ تَسْتَمْتِعْ بِإِخَائِهِمْ وَالْقَهُمْ بِالْبِشْرِ تُمِتْ أَضْغَانَهُمْ".[8] "شَرُّ النَّاسِ مَنْ لَا يَقْبَلُ الْعُذْرَ وَلَا يُقِيلُ الذَّنْبَ".[9] "قَبُولُ عُذْرِ الْمُجْرِمِ مِنْ مَوَاجِبِ الْكَرَمِ وَمَحَاسِنِ الشِّيَمِ".[10] "كُنْ بَطِيءَ الْغَضَبِ سَرِيعَ الْفَيْء مُحِبًّا لِقَبُولِ الْعُذْرِ".[11] "أَعْظَمُ الْوِزْرِ مَنْعُ قَبُولِ الْعُذْرِ".[12].
"أَنَّ النَّبِيَّ (ص) سَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ فَقَال: يَا رَبِّ وَمَنْ أَهْلُ الدُّنْيَا؟ وَمَنْ أَهْلُ الْآخِرَةِ؟ قَالَ" أَهْلُ الدُّنْيَا مَنْ كَثُرَ أَكْلُهُ وَضَحِكُهُ وَنَوْمُهُ وَغَضَبُهُ. قَلِيلُ الرِّضَا لَا يَعْتَذِرُ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ وَلَا يَقْبَلُ عُذْرَ مَنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ..".[13].. عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى (ع) قَالَ: أَخَذَ أَبِي بِيَدِي ثُمَّ قَالَ: "يَا بُنَيَّ افْعَلِ الْخَيْرَ إِلَى كُلِّ مَنْ طَلَبَهُ مِنْكَ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهِ فَقَدْ أَصَبْتَ مَوْضِعَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِأَهْلٍ كُنْتَ أَنْتَ أَهْلَهُ وَإِنْ شَتَمَكَ رَجُلٌ عَنْ يَمِينِكَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى يَسَارِكَ وَ اعْتَذَرَ إِلَيْكَ فَاقْبَلْ مِنْه".[14]
عَنِ الصَّادِقِ (ع) أَنَّهُ قَالَ: "الْتَمِسُوا لِإِخْوَانِكُمُ الْعُذْرَ فِي زَلَّاتِهِمْ وَهَفَوَاتِ تَقْصِيرَاتِهِمْ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا الْعُذْرَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ فَاعْتَقِدُوا أَنَّ ذَلِكَ مِنْكُمْ لِقُصُورِكُمْ عَنْ مَعْرِفَةِ وُجُوهِ الْعُذْرِ". وعَنْهُ (ع): أَنَّهُ قَالَ لِلْحَسَنِ بْنِ رَاشِدٍ إِذَا سَأَلْتَ مُؤْمِنًا حَاجَةً فَهَيِّئْ لَهُ الْمَعَاذِيرَ قَبْلَ أَنْ يَعْتَذِرَ، فَإِنِ اعْتَذَرَ فَاقْبَلْ عُذْرَهُ وَإِنْ ظَنَنْتَ أَنَّ الْأُمُورَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ".[15] وفي حديثٍ آخر عنه(ع): "أَوْلَى النَّاسِ بِالْعَفْوِ أَقْدَرُهُمْ عَلَى الْعُقُوبَةِ وَأَنْقَصُ النَّاسِ عَقْلًا مَنْ ظَلَمَ مَنْ دُونَهُ، وَمَنْ لَمْ يَصْفَحْ عَمَّنِ اعْتَذَرَ إِلَيْهِ".[16].
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]. مستدرك الوسائل، ج9، ص57.
[2]. الكافي، ج2، ص667.
[3]. سورة فصلت، الآية 34.
[4]. سورة المائدة، الآية 54.
[5]. نهج الفصاحة، ص565.
[6]. عيون الحكم والمواعظ، ص35.
[7]. المصدر السابق، ص493.
[8]. المصدر السابق، ص77.
[9]. المصدر السابق، ص293.
[10]. المصدر السابق، ص370.
[11]. المصدر السابق، 392.
[12]. المصدر السابق، ص113.
[13]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.
[14]. مسائل علي بن جعفر ومستدركاتها، ص342.
[15]. مستدرك الوسائل، ج9، ص57.
[16]. من لا يحضره الفقيه، ج4، ص396.
التعرّف على الفائق (3)
محمود حيدر
حِلية المتّقين
الشهيد مرتضى مطهري
أهمية ترويج ثقافة الاعتذار
السيد عباس نور الدين
معنى (عصب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
معنى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ..}
الشيخ محمد صنقور
الأطفال في سن الشهرين يرون الأشياء بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يعتقد قي السابق
عدنان الحاجي
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (2)
الشيخ محمد مصباح يزدي
لماذا تكررت قصة إبليس في القرآن الكريم؟
الشيخ مرتضى الباشا
ما الفرق بين الرحمانية والرحيمية؟
السيد عادل العلوي
في معنى مرض القلب وسلامته وتفاقمه وعلاجه
السيد محمد حسين الطبطبائي
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
المعبد الشّعريّ
لفائف (إمكسين) النانوية قد تحسّن تخزين الطاقة وأجهزة الاستشعار الحيوية وغيرها
التعرّف على الفائق (3)
حِلية المتّقين
أهمية ترويج ثقافة الاعتذار
معنى (عصب) في القرآن الكريم
معنى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ..}
الأطفال في سن الشهرين يرون الأشياء بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يعتقد قي السابق
التعرّف على الفائق (2)
الفيلم القصير (عيديّة): أحلام الفقراء رهينة جيب مثقوب