علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
عدنان الحاجي
عن الكاتب :
من المترجمين المتمرسين بالأحساء بدأ الترجمة عام ٢٠١١، مطّلعٌ على ما ينشر بشكل يومي في الدوريات العلمية ومحاضر المؤتمرات العلمية التي تعقد دوريًّا في غير مكان، وهو يعمل دائمًا على ترجمة المفيد منها.

ماذا يحدث في الدماغ في حالة الفراغ الذهني وانقطاع سيل الأفكار؟

ترجمة: عدنان أحمد الحاجي

 

ماذا لو توقف الدماغ فجأةً عن إنتاج أي نشاط فكري، وبالتالي توقف تدفق أفكارنا؟ الاستبانة التي قام بها مونوز-موسات (Esteban Munoz-Musat)، وليونيل ناكاش (Lionel Naccache)، وتوماس أندريون (Thomas Andrillon)، وزملاؤهم في معهد باريس للدماغ وجامعة موناش في ملبورن، أثبتت أن الاحساس بـ “التفكير في لا شيء (الفراغ الذهني)” له أساس قابل للقياس: فهو يُطابق حالة ذهنية محددة يمكن ربطها بمؤشرات عصبية فيزيولوجية وسلوكية. وأن التفكير في لا شيء حقيقة، لا مجرد شعور، حيث يمكن للدماغ أن يدخل لفترة وجيزة في حالة توقف مؤقت تنعدم فيها الأفكار أو تتوقف تمامًا، ويمكن الآن رصد هذه الحالة تجريبيًّا.

 

وقد نُشرت نتائج الدراسة في مجلة وقائع الأكاديمية الوطنية للعلوم(1).

 

حين نكون مستيقظين، يبدو أننا نشعر بسيل متواصل من الأحاسيس والتأملات والذكريات والانطباعات التي تُشكّل حياتنا الذهنية. ومع ذلك، يُفيد بعض الناس عن لحظات لا يُفكّرون فيها بشيء على الإطلاق. هل هذا ممكن بالفعل؟ أم أنه مجرد وهم ناتج عن تحيّز في الذاكرة [تحيز إدراكي إما يعزز أو يضعف استرجاع الذاكرة (سواء من حيث احتمالية استرجاع الذاكرة على الإطلاق، أو من حيث المدة الزمنية اللازمة لاسترجاعها، أو كليهما)، أو من حيث تغيير محتوى الذاكرة المبلغ عنها(2)]؟ إذا تراجعت الذاكرة العاملة (كما في حالة الإرهاق)، فقد تستنتج لاحقًا: أنك لم تكن تفكر في شيء، إما بسبب غياب حقيقي للمحتوى الذهني، أو وجود محتوى عابر سريع لم تسجله الذاكرة. في الواقع، من المرجح حدوث كلا السببين.

 

لا صور ذهنية، ولا نشيد يتردد في الذهن، ولا أفكار وسواسية… مجرد لا شيء! هذا لا يعني توقف الدماغ عن أي نشاط، بل يستمر نشاطه في الحفاظ على وضعية الجسم والتنفس والاستعداد الحسي – لكن يبدو أن الوعي الغني بالمحتوى (الإدراك، ويعني قدرة المرء على فهم وتفسير ما يصل اليه عبر الحواس) يتوقف. غالبًا ما ينشد مُمارسو رياضة التأمل أو اليقظة الذهنية هذه التجربة (الوعي الغني بالمحتوى). لكنها لا تقتصر عليهم. يبدو أن هذه الظاهرة شائعة جدًّا بعد بذل جهد ذهني مُكثّف ومُطوّل – مثلًا، بعد الانتهاء من امتحان جامعي – أو في حالات الحرمان من النوم، كما يتضح من الاستبانة التي قام بها مونوز-موسات (Esteban Munoz-Musat)، طبيب الأعصاب وطالب الدكتوراه السابق في مختبر بيكنيك (Picnic Lab) بمعهد باريس للدماغ.

 

هذه الظاهرة تحدث بشكل منهجي، وليست عشوائية، وترتبط بالإرهاق، والجهد الذهني (الحمل الإدراكي) الزائد، والحرمان من النوم، وحالات رياضة التأمل المعينة ، يقول الباحث: “يظهر تشتت الذهن أيضاً في الأعراض السريرية لبعض الحالات النفسية، مثل اضطراب القلق العام(3)، حيث قد يشعر المصاب فجأةً بفراغ ذهني أو جمود فكري، خاصةً تحت الضغط النفسي، ويبدو أنه أكثر شيوعاً لدى المصابين باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة (ADHD)، حيث يبدو أن تشتت الذهن يحدث بشكل متكرر – على سبيل المثال، لحظات ينعدم فيها الانتباه تمامًا.

 

لذا، فإن تشتت الذهن ليس مجرد حالة يمر بها الأصحاء بعد الامتحانات أو الإرهاق الذهني؛ بل هو أيضًا جانب من ظهور بعض الاضطرابات العصبية في الحياة اليومية. وقد تساعدنا دراسته عن كثب على فهم هذه الحالات بشكل أفضل.

 

لو فُهم ما يحدث في الدماغ أثناء حالة “فراغ الذهن” فقد يساعد على معرفة سبب اختلال الانتباه أو القلق أو تنظيم الأفكار في هذه الاضطرابات، وقد تُحسّن هذه المعرفة التشخيص أو العلاج.

 

وصف جديد للأساس العصبي لتشتت الذهن لإجراء مزيد من الدراسة، قام مونوز-موسات، وليونيل ناكاش، وتوماس أندريلون، وزملاؤهم باستبانة 62 متطوعًا يتمتعون بصحة جيدة (غير مصابين باضطرابات عقلية) لذا فإن أي تشتت ذهني يلاحظوه يعتبر جزءًا من وظائف الدماغ الطبيعية، وليس اضطرابًا.

 

أجرى المشاركون تمارين ذهنية مصممة لتتبع التباين في مستوى الانتباه أثناء هذه المهمة الذهنية الطويلة والمملة، ما جعل التشتت الذهني وانخفاض مستوى التركيز أو الانتباه أكثر احتمالًا. تتبع الباحثون تغيرات التركيز بمرور الوقت. عندما كان المشاركون مركزين انتباههم، وبعد أن تشتت ذهنهم وبعد أن أصبح لديهم فراغ ذهني. في الوقت عينه، تم تسجيل نشاط أدمغتهم باستخدام تخطيط كهربية الدماغ عالي الكثافة (hdEEG)، هذا مكنهم من ملاحظة متى وأين يتغير نشاط الدماغ أثناء التشتت الذهني. كما تم رصد سلوكهم بدقة: زمن استجابتهم من مشاهدتهم حدث ما (مثل رؤية صورة تظهر على شاشة إلى حين ضغطهم على زر) والأخطاء المتمثلة في استجاباتهم غير الصحيحة أو استجابتهم غير المطلوبة أو عدم استجاباتهم حين يطلب منهم الاستجابة، وفترات توقفهم قبل أن يستجيبوا أو عدم استجابتهم البتة.

 

أما ما يتعلق بعلامات انخفاض الانتباه فتتمثل في بطء الاستجابة وكثرة الأخطاء وطول فترات التوقف قبل الاستجابة وتباين في سرعة الاستجابة باعتبارها قرائن موضوعية على ضعف الانتباه أو انعدامه لفترة وجيزة، وهو ما قد يتوافق مع لحظات تشتت الذهن، ويمكن استخدامها بوصفها قرائن لقياس مدى تركيز المشارك الفعال، حتى وإن كان ما يزال مستيقظًا. كما تم استخدام إشارات فسيولوجية (مثل أنماط تخطيط الدماغ الكهربائي) دليلًا على مدى انخفاض مستوى الانتباه.

 

تُثبت النتائج أن نوبات فقدان التركيز التي أبلغ عنها المشاركون ارتبطت بعلامات عصبية فيزيولوجية محددة وأنماط سلوكية معينة.

 

خلال هذه اللحظات، انخفض الترابط بين الشبكات العصبية البعيدة، وخاصة مناطق الانتباه والإدراك الحسي والوعي، وأصبحت مناطق الدماغ هذه أكثر انعزالًا، مع أنها في الوضع الطبيعي تتواصل مع بعضها البعض تعطلت معالجة المعلومات البصرية. وعلى وجه الخصوص، غابت إلى حد كبير المعالجة البصرية “المتأخرة” (250 – 300 مللي ثانية بعد التعرض للمثير الخارجي – وهي فترة زمنية تُعتبر انعكاسًا لمرحلة الإدراك البصري الواعي في المعالجة البصرية).

 

(الإدراك البصري الواعي الذاتي هو الشعور الفريد الذي ينتاب المرء عند رؤية المثير الخارجي، أي جانب الكيفيات المحسوسة (qualia) في الإدراك البصري، والذي يتضمن طريقة الدماغ لبناء واقع من المدخلات الحسية، متأثرًا بالتوقعات والانتباه والحالات الفردية الداخلية، وليس فقط بمعالجة البيانات الموضوعية)، ما يعني توقف وصول المعلومات البصرية إلى حالة الإدراك الواعي للمثير البصري.

 

ولفهم ما حدث بالفعل، هو أن الدماغ يعالج المدخلات البصرية على مراحل: المرحلة المبكرة (سريعة وتلقائية): الإحساس بالشيء، والمرحلة المتأخرة (بطيئة ومتكاملة) هي مرحلة الرؤية الواعية. وفي حال تشتت الذهن، يحس الدماغ بالمثير البصري، لكن هذا الاحساس لا يتحول إلى إحساس واع.

 

وعلى مستوى السلوك كان المشاركون يشعرون بنعاس طفيف، وبطء في الأداء، واحتمال كبير لارتكاب الأخطاء خلال هذه الفترة.

 

أثناء “الفراغ الذهني”، يتوقف الدماغ عن دمج المعلومات الحسية في التجربة الواعية (إدراك الذات لأحوالها وأفعالها، والشعور بها، وإدراك المعرفة والمعلومات بطريقة مباشرة)، مما يؤدي إلى حالة عابرة يكون فيها الشخص مستيقظًا، ولكنه لا يدرك الأفكار بشكل واعٍ. فقد تكون عيناه مفتوحتين وقد يكون متجاوبًا، ومع ذلك لا يوجد لديه أي محتوى واعٍ في تلك اللحظة. بعبارة أخرى، مع أنه مدرك لذاته وما حوله، لكنه لم يكن ذلك حاضرًا في ذهنه بشكل كامل. فالفراغ الذهني إذن هو انقطاع حقيقي ومؤقت عن المحتوى الذهني الواعي.

 

أوضح المؤلف الرئيس للدراسة، توماس أندريلون من معهد إنسيرم (Inserm)، أن “هذه الملاحظات تفيد بأنه خلال فترة تشتت الذهن، انخفضت إمكانية وصول المشاركين إلى المعلومات الحسية من البيئة. بعبارة أخرى، ما تزال الحواس وعمليات المعالجة الأولية في الدماغ تعمل، لكن المعلومات الحسية لا تصل إلى مستوى الإدراك الواعي بشكل كامل. حيث لا تُنتقى الإشارات الحسية أو تُدمج أو تصل إلى الوعي، وعليه لا يلاحظ المرء أو يستوعب بوضوح ما يري أو يسمع أو يحس بما يجري حوله، وقد لا يتمكن من وصف ما رآه أو سمعه للتو. فقد تكون عيناه محدقة في الطريق لكنه قد لا يلاحظ أو يستوعب بوضوح ما مر به.

 

أثناء الفراغ الذهني تتوقف شبكات الانتباه عن العمل ويقل التواصل بين مناطق الدماغ وتختفي عمليات المعالجة الدماغية المتأخرة (المرتبطة بالإدراك الواعي). لذا، يصبح الدماغ غير قادر جزئيًّا على استيعاب التجارب الحسية، حتى في حال الاستيقاظ، وذلك لعجزه بصورة مؤقتة عن تحويل المعلومات الحسية إلى إدراك واعٍ بها.

 

هذه البيانات الجديدة تدعم فكرة ناشئة مفادها أن اليقظة لا تعني بالضرورة الإدراك الواعي بشيء ما. فتشتت الذهن يمثل انقطاعًا حقيقيًّا في تدفق الأفكار.

 

هل هو فقدان مؤقت للوعي؟

 

تشير دراسة نشرت في 2003(4) إلى أن تباين مستوى وعينا صعودًا وهبوطًا (متراوحًا بين التركيز التام واليقظة وتشتت الذهن أو شروده والفراغ الذهني) أثناء النهار والليل عملية معقدة، لا تتطابق مع الثنائية الكلاسيكية بين اليقظة والنوم [حيث اليقظة تعني الوعي، والنوم يعني اللاوعي]. فقد تحدث هذه التغيرات أثناء اليقظة كما تحدث أثناء النوم.

 

في الواقع يُمكن أن يكون المرء مستيقظًا، ولكنه بالكاد يكون مدركًا لما يجري حوله (مثلًا، أثناء تشتت الذهن). وقد يكون نائمًا، ولكنه واعٍ (مثلًا، أثناء الحلم). وقد يتمكن من الانتقال بسرعة بين مستويات الوعي واللاوعي.

 

فعلى سبيل المثال، يستطيع بعض الأفراد إدراك أنهم يحلمون – أثناء نوم حركة العين السريعة. ولعلّ ما يُعرف بـ “انعدام الوعي” هو عكس ذلك، أي فقدان مؤقت للوعي أثناء اليقظة.

 

يُرجّح أن يكون تشتت الذهن ظاهرة شائعة جدًّا، حيث تدخل مناطق معينة في الدماغ لفترة وجيزة في حالة شبيهة بالنوم. ويُقدّر الباحث أن هذه الحالة تُشكّل ما بين 5 إلى 20% من ساعات اليقظة، مع العلم أنّ هناك اختلافات ملحوظة بين الأفراد.

 

كما تُثبت الدراسة، على المستوى العصبي الفيزيولوجي، أن تشتت الذهن يختلف عن حالتين ذهنيتين أخريتين: التركيز الشديد على مهمة ما (الانغماس في المهمة)، وشرود الذهن، حيث ينصرف الانتباه عن البيئة الخارجية ويتجه نحو أفكار لا علاقة لها بالسياق (المحيط، أو البيئة، أو الوضع، أو الظرف) المباشر.

 

تشير نتائجنا إلى أن التجربة الواعية أشبه بفسيفساء من حالات منفصلة، وليست بمثابة فيلم ذهني متواصل [النتائج تتناقض مع الفكرة الشائعة القائلة بأن أفكارنا ووعينا يتدفقان بسلاسة وتواصل، مثل أحداث فيلم متواصلة وغير منقطعة]. فسيفساء يؤدي فيها غياب بعض العناصر إلى لحظات وجيزة من فقدان الإدراك الواعي أثناء يقظة الشخص.

 

يتكون الإدراك الواعي من لحظات أو حالات صغيرة منفصلة، والتي عادةً ما تُنسج معًا بسلاسة بحيث تبدو متصلة، ولذا تبدو كفسيفساء: كل قطعة منها تمثل حالة إدراك واعي محددة (تركيز، تشتت، تفكير، إدراك، إلخ). ونقص بعض القطع (الإدراك الحسي، أو الانتباه، أو توليد الأفكار، أو التكامل بين شبكات الدماغ)، تصبح هذه الفسيفساء ناقصة. بعبارة أخرى، يتكون الوعي من حالات صغيرة منفصلة، وحين ينقص بعضها، قد يكون الشخص مستيقظًا، ولكنه فاقد للإدراك لفترة وجيزة – مما يساعد في تفسير ظاهرة تشتت الذهن وقد يكون مهمًا لفهم اضطرابات الانتباه والاضطرابات العقلية.

 

ستحدد الأبحاث المستقبلية ما إذا كان بالإمكان استخدام ظاهرة تشتت الذهن أو الفراغ الذهني بمثابة علامة معتمدة في وصف أو تشخيص الاضطرابات العصبية والحالات النفسية، أو تتبع حالة الإرهاق الذهني، أو قصور الانتباه، أو صحة الدماغ، وقد تفتح آفاقًا جديدة لفهم الإدراك والانتباه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

 

1- https://www.pnas.org/doi/10.1073/pnas.2200511119

2- https://en.wikipedia.org/wiki/List_of_cognitive_biases

3- https://www.mayoclinic.org/ar/diseases-conditions/generalized-anxiety-disorder/symptoms-causes/syc-20360803

4- https://www.nature.com/articles/s41593-023-01449-7

 

المصدر الرئيس:

https://parisbraininstitute.org/not-thinking-about-anything-toward-brain-signature-mind-blanking

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد