علمٌ وفكر

معلومات الكاتب :

الاسم :
عدنان الحاجي
عن الكاتب :
من المترجمين المتمرسين بالأحساء بدأ الترجمة عام ٢٠١١، مطّلعٌ على ما ينشر بشكل يومي في الدوريات العلمية ومحاضر المؤتمرات العلمية التي تعقد دوريًّا في غير مكان، وهو يعمل دائمًا على ترجمة المفيد منها.

الأساس العصبي للحدس: هل يستطيع دماغك فعلًا أن يعرف قبل أن تعرف أنت

المترجم: عدنان أحمد الحاجي

 

جميعنا مر بتلك اللحظات التي ينتابنا فيها شعورٌ غامضٌ بأنّ شيئًا ما ليس على ما يُرام، أو بدافعٍ داخليٍّ قويٍّ نحو اتخاذ قرارٍ دون وعي بالخطوات الذهنية أو معرفة المؤشرات التي أدت إلى هذا الاستنتاج. غالبًا ما يُستهان بالحدس (1) باعتباره "مجرد شعور"، إلا أنه في الواقع عمليةٌ قويةٌ وسريعةُ التأثير متأصلةٌ في اللّاوعي. يكشف علم الأعصاب الحديث أن ما نسميه "الحدس" ليس تخمينًا أو سحرًا، بل هو تحليلٌ متطورٌ في اللّاوعي يعتمد على الخبرة والذاكرة والمدخلات الحسية (2). إذن، كيف يعرف الدماغ ما لا نعرفه؟ بعبارة أخرى، كيف يستطيع الدماغ التوصل إلى استنتاجات وتوجيه القرارات دون أن ندرك المعلومات التي استند إليها؟

 

يقوم دماغك بمعالجة سريعة للتجارب السابقة والذكريات المخزنة والإشارات الحسية الدقيقة دون إدراك واعٍ لهذه العملية. ولأن هذه المعالجة تحدث دون مستوى التفكير الواعي، فإننا لا نشعر بخطوات التفكير، بل نشعر فقط بالإشارة النهائية. فالحدس إذن هو التعرف السريع واللاواعي على الأنماط، ويعتبر اختزالًا يستخدمه الدماغ بناءً على الخبرة المتراكمة المستندة إلى تجارب سابقة وذكريات عاطفية (متصلة بمشاعر قوية، تساعد على التذكر والاسترجاع) (3) والإشارات أو التلميحات من المحيط (الأصوات، والمناظر أو المشاهد، والروائح، أو الإشارات الاجتماعية اللفظية وغير اللفظية التي تؤثر في السلوك والعادات وتساعد على اتخاذ القرارات قبل أن يدركها عقلنا الواعي، أو أن نتمكن من تفسير السبب (4))، فغالبًا ما يحدث ذلك لأن دماغنا قد قام، في اللاوعي، بالفعل بالعملية الحسابية المعقدة، من التحليلات وتقييم المخاطر والمكاسب والتوقع، كل ذلك يحدث أسرع من التفكير الواعي، لذا تشعر بالحكم على أن شيئًا ما إيجابي أو سلبي قبل أن تتمكن من تفسير السبب. بعبارة أخرى الحدس هو باختصار حين يصدر الدماغ حكماً سريعاً قائماً على الخبرة، دون أن نشعر به، ثم يُقدم النتيجة بصفتها شعورًا لا تفسيرًا منطقيًّا. وهذا لا يعني أن التفكير لم يحدث، بل حدث تلقائيًّا وبشكل صامت في اللاوعي.

 

كيف يُولّد الدماغ الحدس؟

 

تخيّل أنك تسير عائدًا إلى منزلك في وقت متأخر من الليل، وشعرتَ بشيءٍ غريب وأن هناك شيئًا ما غير طبيعي، هذا يعني أن عقلك قد رصد تباينًا بين ما يتوقعه وما يشعر به، حتى وإن لم تستطع تحديد السبب بوعي. يبدو الشارع كما هو، تنيره بحسب المعتاد مصابيح كهربائية، لكن لاحظ دماغك شيئًا غير عادي، ربما حركة خاطفة، أو صورة ظلية غير مألوفة، وشعرت بالتوتر والقلق. ودون أن تُدرك السبب، يظهر شخصٌ غامض بعد لحظات من عبورك الشارع من المكان الذي كنتَ ستقف فيه، مؤكدًا صحة شعورك بالقلق. ولكن كيف عرفتَ ذلك؟ من شأن الدماغ أن يكتشف أي تهديد محتمل في اللاوعي، وينشط الجهاز العصبي اللاإرادي، وتُفرز هرمونات التوتر (مثل الأدرينالين) ويحدث التوتر والقلق.

 

ما جرى هو أن النصف الأيمن من دماغك كان أول من استجاب (5). "فالحدس مرتبط غالبًا بالنصف الأيمن المتخصص في الإدراك الكلي، واكتشاف الأنماط، وملاحظة الشاذ منها. لذلك يقوم الدماغ بمراقبة المحيط باستمرار بحثًا عن أنماط.." وكل ذلك يجري في اللاوعي.  فبعد أن "لاحظت شيئًا غير عادي في المحيط"، التقط دماغك هذه الإشارات الدقيقة وعالجها في اللاوعي. وما وصل إلى الوعي هو الاستنتاج والشعور بالخطر ليس إلّا، لا التحليل ولا التفسير.

 

بعبارة أخرى يحدث الحدس حين يكتشف الدماغ، في اللاوعي، نمطاً أو تهديداً، من شأنه أن يدق جرس الإنذار، وذلك يسمح للمرء بالتصرف السريع قبل أن يتمكن من معرفة السبب على مستوى الوعي، وهذا يعني أن الحدس سريع، ووقائي، ومبني على معلومات دقيقة، وليس اعتباطيًّا.

 

الحُصين يعمل من وراء الكواليس بمثابة أمين مكتبة مُخضرم، يسترجع ذكريات الماضي (6). يحاول استرجاع لا شعوريًّا تجارب مرت في السابق وشبيهة بالوضع الحالي ويقارنها بها. ينشأ هذا الشعور من إشارات بسيطة يلتقطها الدماغ تلقائيًّا. فالإضاءة الخافتة، والشارع الخالي من المارة، والإحساس ببعض التوتر وبالريبة، والوضع الذي يبدو غريبًا، خاصة في اللحظات المشحونة بالتوتر أو الانفعال يتطابق كله مع نمط مر على الحصين في السابق، ما أدى إلى التيقظ والحذر.

 

في هذا الأثناء، يبدأ الفص الجبهي الحجاجي (OFC)، وهو مركز العمليات العاطفية (حاسبة العواطف) في الدماغ، بالعمل. يمزج كل ذكرياتك، والمحيط وما يجري فيه حينئذ، وحتى ردود أفعالك (استجاباتك) العاطفية السابقة ويقيم الأهمية العاطفية والمآلات، ويوازن النتائج المحتملة بسرعة في شعور واحد مُلحّ: ارحل الآن عن هذا المكان فثمة خطر يداهمك (7). هذا ما يُعتبر الاستنتاج الحدسي النهائي الذي يظهر على شكل شعور بالخطر ورغبة ملحة في الهرب، فما قام به دماغك ببساطة هو مقارنة سريعة للوضع الحالي بتجارب خطيرة سابقة، وقيّم على أساسه المخاطر العاطفية للوضع الحالي، وأصدر شعورًا داخليًّا (حدسًا) قويًّا يحثك على المغادرة، دون أن يدخل في أسبابه ودواعيه.

 

يترجم الفص الجزيري الأمامي (8)، وهو حلقة الوصل بين الجسد والعقل في الدماغ، هذا التحذير إلى أحاسيس جسدية (7). الشعور بالتوتر والقلق، وتسارع نبضات القلب، وزيادة في التيقظ أو الخوف هذه هي عبارة عن إشارات ذات دلالة، وهي جزء من نظام الإنذار المبكر للدماغ، وليست مجرد استجابة اعتباطية، بل مقصودة من الجسم في تفاعله مغ إشارات تنذر بالخطر قد قررها الدماغ على مستوى اللاواعي عند إحساسه بالخطر، تحثك على التصرّف قبل أن تستوعب ذلك على مستوى الوعي.

 

بالنسبة لشخص مُدرّب على الأمن أو الدفاع عن النفس، في هذا السيناريو، يصبح الحدس أسرع بكثير. فالنواة المذنبة (9)، وهي منطقة في الدماغ مسؤولة عن أتمتة العمليات الإدراكية، تكون قد خزّنت سنوات من الخبرة في التعرّف على أنماط التهديد. وكما هو الحال مع الخبراء في المجالات الأخرى، تصقل أدمغتهم قدرتهم على اتخاذ قرارات سريعة وغريزية، ما يسمح لهم بالاستجابة الفورية تقريبًا لأي خطر محتمل (6).

 

إذن، فالحدس هو عمل الجسم مع الدماغ معًا لتوفير الوقاية اللازمة وبسرعة وتلقائية، ويزيده التدريب واكتساب الخبرة صقلًا ويجعله أسرع وأكثر دقة.

 

وأخيرًا، في أعماق دماغك، اتخذت اللوزة الدماغية والقشرة الحزامية الأمامية القرار النهائي. اللوزة الدماغية، مركز معالجة الخوف، كانت في حالة تأهب قصوى، ترصد أي خطر أو تهديد وتُضخّم استجابتك الانفعالية (خوف وحث على سرعة التصرف) (7). أما القشرة الحزامية الأمامية (10)، التي تقيّم الوضع في ظل عدم اليقين، وتدفعك نحو التصرف السريع، خاصةً عندما يكون التأخير محفوفًا بالخطر (10).

 

يحدث كل هذا في لحظة - قبل أن تُتاح لك الفرصة حتى لتبريره أو تفسيره. هذا هو الحدس. فهو ليس سحرًا، وليس تخمينًا. بل دماغك يعمل بسرعة البرق ويعطي الأولية لسرعة التصرف على حساب الدقة والتأكد، ويربط الذكريات والمشاعر والإشارات الحسية في اللحظة ليُبقيك آمنًا. فحين عبرت الشارع ولاحظت ذلك الشخص المريب، أدركت أن دماغك كان يعلم قبل أن تعلم أنت، واتخذ قرارًا قبل أن تدرك أنت الأسباب.

 

إذن فالحدس أسرع من التفكير الواعي، وهو موجود لحمايتك، خاصةً في الأوضاع المريبة أو الخطيرة.

 

حين لا يكفي الحدس

 

مع أن الحدس مفيد إلّا أنه ليس معصومًا من الخطأ. فقد يتأثر بالتحيزات والتوتر والمشاعر الطاغية. على سبيل المثال، المعتقدات والقناعات السابقة أو المخاوف أو الحالة العاطفية يمكن أن تشوه الإشارات الحدسية، وتجعلنا نسيء فهم شعورنا الداخلي، أو نعتمد على الحدس بشكل مفرط ونتجاهل الحقائق. لهذا السبب، لا ينبغي الاعتماد عليه وحده في كل الأوضاع، وعند استخدامه لا نستخدمه بشكل أعمى. ولذلك، من المهم الجمع بين الحدس والتفكير المنطقي للتحقق والتحليل والتأكد، خاصةً في القرارات المصيرية. فالحدس يوفر لنا السرعة، بينما التفكير المنطقي يوفر لنا الدقة والتفسير والتبرير. إذن، أفضل القرارات هي تلك التي تجمع بين الحدس والتفكير المتأني، خاصةً عندما تكون المخاطر عالية والقرارات مصيرية.  

 

الخلاصة: الثقة بحدسك

 

الحدس ليس مجرد إحساس غامض، بل يعتمد على دماغك الذي يوظف تجاربك السابقة، واستجاباتك العاطفية، ومعلوماتك الحسية لمساعدتك على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة في أغلب الأحيان. إنها عملية ذكية في اللاوعي تعمل على حمايتك وإرشادك في الأوضاع المعقدة والصعبة. فهم كيف يعمل الحدس يساعدنا على تقدير قوته ومعرفة متى نثق به ومتى نتوقف ونتأكد قبل أن نقرر.

 

لتقوية حدسك، ابدأ بقرارات بسيطة ومنخفضة المخاطر. انتبه إلى مشاعرك وأحاسيسك الداخلية ولاحظ النتائج لترى مدى توافقها مع حدسك. يمكن أن يساعدك التأمل الذهني على الانتباه إلى إشارات الجسم، مثل، التوتر أو الهدوء، والتي غالبًا ما تصاحب العملية الحدسية. تأمل في قراراتك السابقة للتعرف على الأنماط التي كان حدسك فيها صحيحًا أو خاطئًا. وباكتسابك الخبرة في مجال معين، سيصبح حدسك أكثر دقة، حيث يتعلم دماغك رصد الأنماط بسرعة أكثر. وبمرور الوقت والتجربة، ستبدأ في الوثوق بإشارات دماغك الخفية (حدسك) حتى قبل أن تفهم السبب. مع ذلك، تذكر دائمًا أن التوازن بين الحدس والتفكير المنطقي، خاصة عند اتخاذ القرارات المهمة المصيرية، لا بد أن تؤخذ في الاعتبار.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/حدس

2- https://onlinelibrary.wiley.com/doi/10.1002/brb3.420

3- https://ar.wikipedia.org/wiki/الذاكرة_والعاطفة

4- http://https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/1047840X.2010.520260

5- http://https://direct.mit.edu/jocn/article-abstract/23/5/1088/5090/Right-Hemisphere-Dominance-in-Visual-Statistical?redirectedFrom=fulltext

6- https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/17588928.2022.2128736

7- https://direct.mit.edu/jocn/article/18/12/2077/4254/What-Neuroscience-Can-Tell-about-Intuitive

8- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/فص_جزيري

9- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/نواة_ذنبية

10- https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_حزامية_أمامية

11- https://linkinghub.elsevier.com/retrieve/pii/S1053811907002510

المصدر الرئيس

https://psychologytimes.co.uk/the-neural-basis-of-intuition-can-the-brain-really-know-before-you-do/

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد