
القول الثاني:
هو أنَّ بغيَّاً من بني إسرائيل اتَّهمت موسى (ع) على ملاء من الناس بالفجور بها إلا أنَّها أقرَّت بالكذب بعد أنْ استحلفها وأنَّ قارون قد استأجرها لتفتري عليه بهذه الفرية.
نُسب هذا القول لأبي العالية (1) مُستنداً في ذلك لما رُوي عن ابن عباس والسدي: أنَّ قارون أعطى امرأةً بغيَّاً مالاً على أنْ تقول لموسى عليه السلام وهو في ملأٍ من الناس: إنَّك فعلتَ بي كذا وكذا، فيُقال إنَّها قالت له ذلك، فأرعَد من الفرَق وصلَّى ركعتين، ثم أقبل عليها فاستحلفَها مِن ذلك على ذلك، وما حمَلكِ عليه، فذكرتْ أنَّ قارون هو الذي حملها على ذلك، واستغفرت الله وتابت إليه. فعند ذلك خرَّ موسى لله ساجدًا، ودعا اللهَ على قارون. فأوحى اللهُ إليه: أنِّي قد أمرتُ الأرض أنْ تطيعك فيه، فأمر موسى الأرض أنْ تبتلعه وداره، فكان ذلك، فالله أعلم. (2)
مناقشة القول الثاني:
والذي يردُ على هذا القول مضافاً إلى ضعف الرواية التي استند إليها أنَّها لم تشتمل على أنَّ ذلك هو الإيذاء الذي عنته الآية كما هو الشأن في القول الأول فلعلَّ مقصود الآية غير هذا الإيذاء، فدعوى صاحب هذا القول أنَّ ذلك هو ما عنته الآية لا يعدو الاجتهاد والظنَّ بغير علم.
ثم إنَّ ظاهر الرواية أنَّ الخسف بقارون وكنوزه كان منشأه الفِرية التي عمل على إلصاقها بنبيِّ الله موسى (ع) وذلك مخالفٌ لظاهر الآيات التي تصدَّت لبيان منشأ الخسف بقارون وكنوزه. قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ .. وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ... فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ... فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}(3)
فظاهر الآيات أن منشأ خسف الأرض به وبداره وكنوزه هو بغيُه على قومه وطغيانُه وبطَره وتنكُّره لفضل ربِّه واعتدادُه بقوته وما صار في يده من ثراء، فذلك بحسب ظاهر الآيات هو منشأ الخسف به وبداره الأرض:{فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ}
القول الثالث:
هو اتِّهام بني إسرائيل أو جماعةٍ منهم لنبيِّ الله موسى (ع) بقتل أخيه هارون (ع) وذلك حين بلغهم خبرُ موته.
ومستند هذا القول ما رُوي عن أمير المؤمنين عليِّ بن أبي طالب (ع) كما في جامع البيان للطبري قال: حدثني علي بن مسلم الطوسي قال: حدَّثنا عبَّاد قال: حدَّثنا سفيان بن حبيب عن الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عليِّ بن أبي طالب في قول الله: {لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آَذَوْا مُوسَى.. الآية} قال: صعدَ موسى وهارون الجبل، فمات هارون، فقالت بنو إسرائيل: أنتَ قتلتَه، وكان أشدَّ حبَّاً لنا منك، وألينَ لنا منك، فآذوه بذلك، فأمر اللهُ الملائكة فحملتْه حتى مرُّوا به على بني إسرائيل، وتكلَّمت الملائكةُ بموته، حتى عرف بنو إسرائيل أنَّه قد مات، فبرأه اللهُ من ذلك فانطلقوا به فدفنوه.." (4)
التعليق على القول الثالث:
هذه الرواية لم تَردْ من طرقنا ولكنَّها مناسبةٌ لظاهر الآية المباركة فإنَّ الاتِّهام بالقتل بغير وجه حقٍّ لرجلٍ صالح فضلاً عن نبيٍّ من أنبياء الله هو من أعظم الأذى وأشدِّه على النفس خصوصاً إذا صدر ممَّن يُنتظر منهم الإيمان المطلق بمَن اتَّهموه لكثرة ما وقفوا عليه من الآيات والبيِّنات الكاشفة عن عظيم شأنه عند الله تعالى والكاشفة في ذات الوقت عن كمال صفاته وكريم أخلاقه وحميد سجاياه، فمثلُ هذه الفِرية من مثل هؤلاء يبعثُ على الحزن والأسى لتعبيرها عن أنَّ كلَّ ما كان قد بذله من جهودٍ وتضحيات وما أوقفهم عليه من آياتٍ لم تُؤثِّر في تثبيت الإيمان في قلوبِهم. فلم يجدوا حريجةً لوقاحتهم في اتِّهامه بقتل أخيه وشريكه في تحمُّل أعباء الرسالة وأقربِ الناس إلى قلبه، فأيُّ أذىً أقسى على النفس من مثل هذا الأذى، فبدلاً من تعزيته ومواساته بفقد أخيه راحوا يرجفون بما يستبطنُ الاتِّهام له بالحسد والخبث والكيد والغيلة وهي أسوأ مساوئ الأخلاق. فكان لابدَّ من تبرئته لأنَّ مثل هذه الفِرية لو استحكمت فإنَّها تنسف كلَّ جهوده التي بذلها في سبيل هدايتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 - تفسير مجمع البيان- الطبرسي-ج8/ 185.زاد المسير- ابن الجوزي- ج6/ 218
2 -البداية والنهاية – ابن كثير-ج1/ 362, قصص الأنبياء- ابن كثير- ج2/ 178.
3 - سورة القصص: 76، 81.
4 - جامع البيان – الطبري- ج22/ 64.
صبغة الخلود
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (عقد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (4)
محمود حيدر
النظام الاقتصادي في الإسلام (1)
الشهيد مرتضى مطهري
مناجاة المريدين (10): وفي محبّـتك وَلَهي
الشيخ محمد مصباح يزدي
تمارين الحركة جانب ضروري من اللياقة البدنية كلما تقدّمنا في السّنّ
عدنان الحاجي
الدولة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الحسن والقبح العقليّان
الشيخ جعفر السبحاني
العبادة على سبعين وجهًا
الشيخ مرتضى الباشا
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
الإمامُ السّجّاد سراج محاريب الأسحار
حسين حسن آل جامع
إلى سادن السّماء
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
صبغة الخلود
(الحقيقة لها عدة وجوه) جديد الكاتبة سوزان عبدالرزاق آل حمود
معنى (عقد) في القرآن الكريم
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (4)
قراءة في كتاب: المرأة في العرفان للعلّامة الآملي
النظام الاقتصادي في الإسلام (1)
الأخلاق في الإسلام
مناجاة المريدين (10): وفي محبّـتك وَلَهي
جدال اليهود وعنادهم
معنى (أمل) في القرآن الكريم