قرآنيات

من آيات الجهاد في القرآن الكريم (22)

قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (1).

 

الوعد المذكور في الآية، كان يوم أُحُد، لأنّ المسلمين كانوا يقتلون المشركين، حتى إذا أخلّ الرماة بمكانهم الذي أمرهم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بالبقاء فيه أتاهم المشركون بقيادة خالد بن الوليد من ورائهم، فقتل عبد الله بن جبير ونفر من المؤمنين ممن بقي معه من الرماة، فاغتنم الفارّين من المشركين بارقة النصر وكرّوا على المؤمنين، فقتلوا منهم سبعين رجلاً منهم حمزة عم النبي صلى الله عليه وآله وسلم (2).

 

توضيح المعاني:

 

﴿تَحُسُّونَهُم﴾: تقتلونهم، والحسّ هو القتل على وجه الاستئصال.

 

﴿فَشِلْتُمْ﴾: الفشل هو الجبن والضعف.

 

﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾: ردّكم عن الكفّار بعد أن أمكنكم منهم بسبب معصيتكم أمر النبي.

 

﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: يمتحنكم ويختبر إيمانكم.

 

الإشارات والمضامين:

 

1- تحقّق الوعد الإلهي بالنصرة في معركة أُحُد: وَعَد الله المسلمين بالنُّصرة قبل معركة أُحُد، إلا أنّه شرطها بصبر وتقوى المسلمين في قوله: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ (3). في بداية المعركة كان المسلمون يلتزمون بالصبر والتقوى، فصدقهم الله وعده وشملهم بنصره، والدليل على ذلك: أنّ المسلمين كانوا يقتلون المشركين (4) كما يوحي به قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ﴾ المتعلّقة بعبارة ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ﴾ (5).

 

2- إبادة العدو من الأهداف المشروعة للجهاد: كلمة "الحسّ" تعني القتل على وجه الاستئصال (6)، ولذا كان المسلمون يريدون في دفاعهم بوجه العدو المشرك إبادتهم بإذن الله وأمره.

 

3- التراخي، التنازع وعصيان أوامر القيادة من عوامل الهزيمة في الحرب: في معركة أُحُد، أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير بحراسة الثغر الموجود في جبل "عينين" وقال لهم: "لا تبرحوا هذا المكان، فإنا لانزال غالبين ما ثبتم مكانكم". وبعد بدء القتال وظهور علامات هزيمة المشركين، أدّت الوسوسة بجمع الغنائم من قِبل الرماة إلى فتح ثغرة في دفاعات المعركة، وتراخى الرماة في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتنازعوا أمرهم بينهم في مسألة الغنائم، فكانت نتيجة ذلك هزيمة المسلمين في معركة أُحُد.

 

كلمة "فشل"، أي فشلتم في المحافظة على أمر القائد وتراخيتم بتوجيهاته ورأيه، والمراد من ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ﴾، اختلاف عبد الله بن جبير ومن معه مع بقية الرماة الآخرين في في أنه هل يجب الحفاظ على أماكنهم ومواقعهم أم يجب اللحاق بالمشركين ونيل الغنيمة. والمراد من ﴿وَعَصَيْتُم﴾، مخالفة فئة من الرماة لأمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالحفاظ على أماكنهم (7).

 

4- الثبات، وإطاعة أوامر القيادة من أسباب تحصيل الإذن الإلهي بالنصر: كلمة ﴿بِإِذْنِهِ﴾، تفيد بأنّ النصر رهن "إذن الله"، وأنّ المسلمين في المرحلة الأولى من المعركة قد هيّأ الله لهم أسباب الانتصار، وحين تراخوا، وتنازعوا، وعصوا ضيّعوا أسباب النصر المهيئة لهم بإرادتهم، وفوّتوا على النبي والمؤمنين بهجة النصر، وهذا يعني أن إذن الله بالنصر أو الهزيمة معلّق على إرادة الإنسان، - إلا في المواطن التي يشاء الله فيها الحسم لصالح الرسالات بما لا يدع فيه للإنسان أي خيار وفق ما يريده الله من مصالح ومفاسد في الرسالات -.

 

5- انتصار المجاهدين مرتبط بالإذن الإلهي: فاعل ﴿أَرَاكُم﴾ هو الله عزّ وجل، والمراد من "ما" في عبارة ﴿مَّا تُحِبُّونَ﴾ النصر (8).

 

6- طلب الدنيا يؤدي إلى التراخي، والتنازع، وعصيان أوامر القيادة في الحرب: جملة ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ دليل جملة ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم﴾ (9)، وعليه يتبيّن: أنّ طلب بعض المسلمين للدنيا في معركة أُحُد أدّى إلى التراخي والتنازع وعصيانهم لأوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

 

7- طلب الآخرة يؤدي إلى الثبات، والاتّحاد، وإطاعة أوامر القيادة في الحرب: بما أنّ طلب الدنيا ﴿مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يؤدّي إلى الفشل كما ورد في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾، فالصفات المقابلة تكون كالتالي: الدنيا يقابلها الآخرة، والفشل يقابله النجاح، والتنازع يقابله الاتحاد، وبعبارة أخرى: طلب الآخرة ﴿وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ عبارة تميز بين جهتين جهة تريد الدنيا ولها خصائص تميزها وتتمتع بها كصفة التنازع، والفشل، وعصيان أوامر القيادة. وجهة تريد الآخرة، تحافظ على أوامر القيادة، وتتمتع بصفات الثبات، والنجاح، واتّحاد الرأي.

 

8- الانسحاب التكتيكي في الحرب أثناء الظروف الاضطرارية: بعد أن فتح المشركون ثغرة في دفاعات المعركة، وقاموا بهجوم معاكس، بدأ بعض المسلمين بالفرار، والبعض الآخر لم يفرّ، فانقسموا بذلك فريقين:

 

- منهم من فرّ، فعصى أحكام الشريعة، وخلّف النبي في أرض المعركة وحيداً.

 

- ومنهم من ثبت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهم الأقلون عدداً، وبسبب قلتهم انسحبوا من أرض المعركة بعد إذن الله لهم بذلك.

 

9- الهزيمة في ساحة القتال امتحان إلهي: جملة ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾، أي كفكم عن المشركين بعد ظهور الفشل، والتنازع، والمعصية، والاختلاف بينكم، ليمتحنكم، ويختبر صبركم، ليميز المؤمن الراسخ في إيمانه عن المنافق (10)، وهذا يظهر بشكل جلي في ساعات الشّدة وهذا يعني أنّ الله رفع النصرة عنكم بسبب معصية أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووكلكم إلى أنفسكم فهُزمتم. فالهزيمة امتحان جعله الله لتتوبوا وترجعوا إليه وتستغفروه فيما خالفتم فيه أمره.

 

10- التراخي، التنازع وعصيان أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الذنوب: يستفاد من جملة ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ﴾ أنّ التراخي، والتنازع، وعصيان أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم في معركة أُحُد من الذنوب، وكانت تستحقّ العقاب (11)، ولكن الله عفا عنهم برحمته من دون استحقاق لهم لذلك، لمكان معصيتهم له.

 

11- الفضل الإلهي منشأ نصرة المجاهدين والعفو عن الذنوب: منشأ جملة ﴿وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، لأنه يحب المؤمنين، ولا يتركهم وشأنهم، ولا يكلهم إلى أنفسهم إلا بعض الأحيان ليتنبهوا، ويثوبوا إلى رشدهم، فيزدادوا التصاقاً بالشريعة، واهتماماً بالمسؤوليات، ويقظة، وإحساساً (12).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

آيات الجهاد - جمعية المعارف الإسلاميّة الثقافية

1- سورة آل عمران، الآية 152.

2- تفسير مجمع البيان، ج 1-2، ص 858.

3- سورة آل عمران، الآية 125.

4- م. ن، ج 1 – 2، ص 858.

5- تفسير راهنما، ج3، ص 116.

6- تفسير مجمع البيان، ج 2، ص 858.

7- تفسير الميزان، ج 4، ص 44، و تفسير مجمع البيان، ج 2، ص 859.

8- تفسير راهنما، ج 3، ص 118.

9-  م. ن.

10- تفسير الميزان، ج 4، ص 44.

11- تفسير راهنما، ج 3، ص 119.

12- تفسير الأمثل، ج 2، ص 733.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد