
قوله تعالى: {وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا}(1) الهاء في آيات السورة هل تعود على مرجع واحد هي الشمس أو أنَّ مرجع الضمير مختلف؟ وما معنى قوله : {دَسَّاهَا}.
الضمير في قوله تعالى: {وَضُحَاهَا} يعود على الشمس، فالآية تُقسمُ بالشمس، وتقسم بضحى الشمس، وضحى الشمس هو امتداد أشعتها وانبساط ضوئها في الآفاق. وكذلك فإنَّ الضمير في قوله: {إِذَا تَلَاهَا}(2) يعود على الشمس، ومعنى الآية: أُقسم بالقمر حين يتلو الشمس في الإضاءة أو يتلوها في الظهور بعد غروبها، وهكذا فإنَّ الضمير في: {جَلَّاهَا} يعود على الشمس، ومعناه أنَّ النهار يجلِّي الشمس أي أنَّه يُظهر جرمها.
ويُمكن أن يكون معنى قوله تعالى: {وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا}(3) هو أنَّ النهار يُجلِّي الظلمة ويزيلها، فيكون الضمير في: {جَلَّاهَا} عائداً على الظلمة، وعود الضمير على الظلمة رغم أنَّها ليس مذكورة لا يضر، وذلك لصحة عود الضمير على لفظٍ غير مذكور إذا كان معناه واضحاً وغير ملتبس كما في قوله تعالى: {حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ}(4) فالضمير في توارتْ يرجع على الشمس رغم أنَّها ليست مذكورة في الكلام إلا أنَّه نظراً لوضوح المراد دون لبسٍ صحَّ البناء على عود الضمير على غير مذكور، وكذلك هو الشأن في قوله تعالى: {مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ}(5) فإنَّ الضمير في قوله تعالى: {عَلَى ظَهْرِهَا} يرجع إلى الأرض يعني ما ترك على ظهر الأرض من دابَّة.
وأمَّا الضمير في قوله: {يَغْشَاهَا} فيرجع على الشمس أيضاً يعني أقسم بالليل حين يغشى الشمس أي أنَّه يسترها، فالآية الأولى تُقسم بالنهار إذا جلَّى الشمس وأظهرها، والآية الثانية تُقسم بالليل إذا غشَّى الشمس وسترها عن الأعين.
وأمَّا الضمير في قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا}(6) فيرجع على السماء، ومعنى الآية أُقسم بالسماء وأُقسم بالذي بناها، وهو الله جلَّ وعلا، فكلمة "ما" اسم موصول بمعنى الذي. وقيل هي مصدرية فيكون معنى الآية أُقسم بالسماء وأُقسم ببنائها.
وأمَّا الضمير في قوله تعالى: {وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا}(7) فيرجع على الأرض، ومعنى الآية أقسم بالأرض وأقسمُ بالذي طحاها وهو الله جلَّ وعلا. ومعنى: {طَحَاهَا} بسطها وهيئها لتكون قابلة للسكنى والاستقرار.
وأمَّا الضمير في قوله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا}(8) فيعود على النفس، ومعنى الآية أُقسم بالنفس وأُقسم بالذي سوَّاها، وهكذا فإنَّ الضمير في قوله تعالى: {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا *قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}(9) يعود على النفس، فهو تعالى قد ألهم النفس فجورها وتقواها، وقد أفلح من زكَّى النفس ونمَّاها وطهَّرها، وقد خاب وخسر من دسَّ النفس أو دسَّى النفس.
وأمَّا الضمير في قوله تعالى: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}(10) فيعود على قبيلة ثمود، وكذلك هو الضمير في قوله تعالى: {إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}(11) فإنَّه يعود على قبيلة ثمود، فأشقاها هو أشقى قبيلة ثمود الذي عقر ناقة صالح (ع).
وأمَّا الضمير في قوله تعالى: {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}(12) فيرجع على الناقة، فسُقياها يعنى سقيا الناقة، وهو حصَّتها من الماء كما قال تعالى: {قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ}(13)
ومعنى الآية هو أنَّ رسول الله وهو صالح (ع) قال لهم احذروا ناقة الله فلا تعقروها أو تؤذوها، واحذروا سقياها فلا تمنعوها منه، فناقة الله منصوب على التحذير أي أنَّها مفعولٌ به لفعلٍ محذوفٍ تقديره احذروا ناقة الله، وسقياها معطوف على الناقة. وكذلك فإنَّ الضمير في قوله: {فَعَقَرُوهَا} عائدٌ على الناقة، ومعنى العقر هو القتل أي فقتلوها.
وأمَّا قوله: {فَسَوَّاهَا} من قوله تعالى:{فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا}(14) فيرجع على الدمدمة وهي هنا – ظاهراً- بمعنى الهلاك وعذاب الاستئصال، ومعنى الآية هو أنَّه تعالى دمدم عليهم بذنبهم أي دمَّر عليهم بسبب ذنبهم فسوَّى عليهم الدمدمة أي أطبق بها عليهم وعمَّهم بها.
وأمَّا الضمير في قوله: {وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا}(15) فيرجع -ظاهراً- على الدمدمة أي أنَّ الله تعالى لا يخاف عاقبة ما صنعه بهم من الدمدمة عليهم، فهو تعالى قاهر فوق عباده: { لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}(16)
وأمَّا معنى قوله تعالى:{وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}(17) فهو أنَّه خسر من دسَّ نفسه في المعاصي، والدس يعني إدخال شيءٍ في شيء بلطف وخفاء، وقيل إنَّ دساها من التدسية والفعل دسَّى وأصلها دسَّس ثم قلبت السين الثالثة ياءً، ومعنى التدسية مقابل لمعنى التزكية، فالتزكية تعني النماء، والتدسية تعني النقص، فتزكية النفس يعني إنماءها بالعمل الصالح والارتقاء بها عن القبائح، والتدسية تعني إنقاص النفس بمثل الفجور والمعاصي، والهبوط بها عن مراتب الكمال، وذلك باجتراح الذنوب ورذائل الصفات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1-سورة الشمس: 1.
2- سورة الشمس: 2.
3- سورة الشمس: 3.
4- سورة ص: 32.
5- سورة فاطر: 45.
6- سورة الشمس: 5.
7- سورة الشمس: 6.
8- سورة الشمس: 7.
9- سورة الشمس: 8، 10.
10- سورة الشمس: 11.
11-سورةالشمس: 12.
12- سورة الشمس: 13.
13- سورة الشعراء: 155.
14-سورة الشمس:14.
15-سورة الشمس: 15.
16-سورة الأنبياء: 23.
17- سورة الشمس : 10.
صبغة الخلود
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (عقد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (4)
محمود حيدر
النظام الاقتصادي في الإسلام (1)
الشهيد مرتضى مطهري
مناجاة المريدين (10): وفي محبّـتك وَلَهي
الشيخ محمد مصباح يزدي
تمارين الحركة جانب ضروري من اللياقة البدنية كلما تقدّمنا في السّنّ
عدنان الحاجي
الدولة المهدويّة
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
الحسن والقبح العقليّان
الشيخ جعفر السبحاني
العبادة على سبعين وجهًا
الشيخ مرتضى الباشا
الدّين وعقول النّاس
الشيخ محمد جواد مغنية
الإمامُ السّجّاد سراج محاريب الأسحار
حسين حسن آل جامع
إلى سادن السّماء
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
أزليّة في موسم العشق
فريد عبد الله النمر
في حنينٍ وفي وجد
الشيخ علي الجشي
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
صبغة الخلود
(الحقيقة لها عدة وجوه) جديد الكاتبة سوزان عبدالرزاق آل حمود
معنى (عقد) في القرآن الكريم
في وجوب التنظير من أجل هندسة معرفيَّة لتفكير عربي إسلامي مفارق (4)
قراءة في كتاب: المرأة في العرفان للعلّامة الآملي
النظام الاقتصادي في الإسلام (1)
الأخلاق في الإسلام
مناجاة المريدين (10): وفي محبّـتك وَلَهي
جدال اليهود وعنادهم
معنى (أمل) في القرآن الكريم