مقالات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ علي رضا بناهيان
عن الكاتب :
ولد في عام 1965م. في مدينة طهران وكان والده من العلماء والمبلغين الناجحين في طهران. بدأ بدراسة الدروس الحوزوية منذ السنة الدراسية الأولى من مرحلة المتوسطة (1977م.) ثم استمرّ بالدراسة في الحوزة العلمية في قم المقدسة في عام 1983م. وبعد إكمال دروس السطح، حضر لمدّة إثنتي عشرة سنة في دروس بحث الخارج لآيات الله العظام وحيد الخراساني وجوادي آملي والسيد محمد كاظم الحائري وكذلك سماحة السيد القائد الإمام الخامنئي. يمارس التبليغ والتدريس في الحوزة والجامعة وكذلك التحقيق والتأليف في العلوم الإسلامية.

نحن لا نخشى غير الله (1)

إن موضوع بحثنا هو الخوف؛ لا الخوف من الله بالطبع، بل الخوف الطبيعي الذي يحيط بالإنسان، أي الخوف من غير الله، كالخوف من العدوّ أو الخوف من أي بلاء قد ينزل بالإنسان.

 

الخوف موجود في وجود الإنسان بشكل طبيعي. ولكن إن لم يستخدم الإنسان هذا الخوف في محلّه، أي في الخوف من الله، سيستخدمه في غير محلّه، أي سيخاف من غير الله. الشجاعة فضيلة بارزة يُثني عليها جميع الثقافات.

 

الخوف بشكل مطلق هو من علامات الضعف ومن بواعث الضعف كذلك. الكل يعلم أن الخوف ليس بشيء حسن، ولكن عندما يبدأ الإنسان بتبرير الخوف، فذلك منطلق جميع المصائب. والأمرّ من ذلك هو أن يبدأ الناس بالتنظير للخوف. فهنا تكون الويلات والطامّة الكبرى على أبناء البشر. إن تبرير الخوف والأكثر من ذلك التنظير له يُشقيان الإنسان. وإلّا فإن خاف الإنسان من بعض الأشياء ثمّ اعترف بذلك بصراحة، فكأنه قد فتح على نفسه باب النجاة ولن يكون سببًا لانحراف المجتمع.

 

إذا قال امرء: «أنا أخاف من الموت، أنا أخاف من الفقر، أنا أخاف من العدوّ، أنا أخاف من الخسارة...» فإن مثل هذا الإنسان عارف بنفسه ولا يبرّر خوفه. أما الذي يخاف ويبرّر خوفه ويقول مثلاً: «لا؛ لیس هذا من باب الخوف، بل...» أو يحتجّ بذرائع لتبرير خوفه، فإن ذلك سيئ جدًّا.

 

التنظير للخوف أسوأ بكثير من تبرير الخوف. كأنّ إحدى رسالات بعض أهل العلم في الحوزة والجامعة هو التنظير للخوف! أولئك الذين يريدون أن ينظّروا للخوف في الحوزة، فإنهم يرتكبون هذه الجريمة بأدبيات ونصوص دينيّة. أمّا الذين يريدون أن ينظّروا للخوف في الجامعة، فينطلقون في عمليّات التنظير للخوف بأدبيات غير دينية، مثل الأدبيات التجريبية والعلوم الاجتماعية والحقوقيّة وأمثالها.

 

قبل أن نتحدّث حول الخوف وتعقيداته ودوره المدمّر في حياة البشر وفي حياتنا فردًا فردًا، نقف عند آية من القرآن تدلّ على أن الخوف من أهم مكائد إبليس.

 

عندما نتحدّث عن الذنوب والسيئات، ماذا يتبادر إلى ذهننا في بادئ الأمر؟ الشهوات! كذلك عندما نتحدث عن وساوس إبليس، أول ما يتبادر إلى أذهاننا الشهوات. ولكن القرآن يبيّن أن عمليّات وسوسة إبليس تنطلق من التخويف. فإنه تعالى يقول: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاء) [البقرة/268] يعني أن الشيطان يخوّف الإنسان من الفقر ـ أي من الحرمان بشكل عام الذي هو أعم من الحرمان المالي ـ وبعد ذلك يجرّه إلى الفحشاء.

 

الأولويّة الأولى عند إبليس من بين شتّى الأساليب التي يمارسها هي أن يخوّف الناس. فإذا ما خاف الإنسان، جرّه بعد ذلك إلى القضايا الأخرى كالشهوات. فعلى أساس هذه الآية الكريمة، يمكننا القول نوعًا ما أن من يستطيع أن يقاوم هذا الكيد من مكائد إبليس ولا يرتعب، فإنّه قد يقدر على مقاومة باقي الوساوس أيضًا. كيف يتورّط الناس في الشهوات ولماذا؟ لأنهم يخافون من أن تفوتهم فرصة الالتذاذ. فيقعون في الذنوب. فترى عنصر الخوف ماثلاً في مجال الشهوات أيضًا. فلو استطاع الإنسان أن يجرّد نفسه من الخوف فإنه قد لا يتورّط بكثير من الشهوات.

 

إذا خاف المرء ضَعُف، ومن ثَمّ يفقد قواه الفكريّة، ثم تتبلور فيه صفة هي موجودة في الإنسان بطبيعته وهي «العجلة»؛ أي سيستعجل فيدفعه الاستعجال إلى الشقاء ويتورّط بكثير من الذنوب.

 

يمكننا أن نعتبر الخوف صفة وحالة رئيسة لدى الإنسان، ليُحرَم من كلّ شيء! كذلك يمكن أن نعتبر الشجاعة صفة وفضيلة رئيسة، لنيل كلّ شيء! طبعًا لابدّ أن نفهم الخوفَ والشجاعةَ بمعناهما العميق والواسع.

 

ليست الشجاعة عدم الخوف في ساحة القتال فقط. ليست الشجاعة مجرّد أن يقف الإنسان أمام رمي الرصاص دون فرار. الشجاعة تعني أن يحظى الإنسان بقلب قوي ولا يحسب أنّه يفقد فُرَصَه ونِعَمَه! من المهمّ جدًّا أن لا يتوهّم الإنسان أنه سيفقد فرصة أو نعمة. بمجرّد أن يلقّن الإنسان نفسه أن "لن يفقد هذه النعمة" سينجو من الخوف.

 

قبل أن نؤمن بالله أو نقوّي إيماننا به أو قبل أن نجعل إيماننا ذا تأثير في حياتنا يحسن بنا أن نجرّد حياتنا من الخوف، فلا تكون حياتنا قائمة على الخوف! ولكن وللأسف أصبح هذا النمط من الحياة شائعًا جدًّا فلا يحسبه أحدٌ حالة مرضيّة أو مرضًا نفسيًّا.

 

كثير من الناس إذا تكلّموا معًا، يتحدثون بكل صراحة عن مخاوفهم ومبادراتهم لتفادي هذه المخاوف، فأصبح الخوف هو الحافز الرئيس لمبادراتهم وتخطيطاتهم. إنها ظاهرة شائعة جدًّا وما أسوأها. ولا أحد يقول: إن هذا النمط من الحياة سيء وغلط!

 

ما أكثر الآباء والأمّهات الذين يربّون أطفالهم بالخوف، فيحرّضونهم على الأدب والترتيب والحركة والنشاط و... عبر تخويفهم. في حين أنه ليس هنا مورد استخدام الخوف!

 

في تلك الحياة الولائية في ظل حكم الإمام صاحب العصر والزمان (عج) سيزول خوف الناس! فلو تجرّد الإنسان من كثير من هذه المخاوف الشائعة في الحياة، سيحيى بمزيد من الإبداع. فعلى سبيل المثال افرضوا لو لم تكن دراستكم أو عملكم خوفًا من الفقر، كيف كنتم تعملون وتدرسون؟ إن كنت عاملاً تصبح عاملاً مبدعًا في المصنع وإن كنت طالبًا تصبح عالمًا بأسهل ما يكون. إنها لحقيقة أثبتتها التجارب النفسيّة أيضًا، فتبيّن التجارب أنه عندما تُخَصَّص جائزة لامتحان ما، تنخفض نسبة الإبداع في حل المسائل لدى الممتَحَنين بسبب خوف الحرمان من الجائزة. أمّا إذا كان الامتحان بلا جائزة، تزداد نسبة الإبداع في حلّ المسألة.

 

ترى غير قليل من الناس لا ينفكون عن البحث دومًا في ذهنهم وأفكارهم ليجدوا مشكلة يخافون منها! هذه طبيعة أذهان الذين قد تعوّدوا على «الحياة بدافع الخوف»؛ فهم يبحثون في أذهانهم ليخافوا من شيء ويشغلوا بالهم به. إن هذا الخوف مدعاة لضعف الإنسان. ومن جانب آخر بما أن معظم الناس أو كلّهم تقريبًا لا يخلو من هذا الضعف، فلا أحد يعتبره عيبًا أو مرضًا، ومن ثمّ لا يستغفر منه.

 

يجب أن يتغيّر نمط الحياة فينا وكذلك يجب أن يتغير أسلوب الإدارة في المجتمع وفي الأوساط التعليمية والتربويّة، ويجب أن يتقلّص الخوف إلى أدنى حدّه. لابدّ للإنسان أن يعيش بشجاعة، فإن الشجاعة لا تقتصر على جبهات القتال. فإن سرت الشجاعة في حياة الإنسان كلّها ستترك بصمة تأثيرها في كثير من قراراتنا المهمّة في الحياة. كما يمكن للخوف أن يأخذ بناصية قراراتنا. فعلى سبيل المثال قد يختار طالبٌ لإكمال دراسته فرعًا فيه دخل كبير، بينما تكون رغبته في فرع آخر وأساسًا قد خلق من أجل عمل آخر، ولكنه يختار طريقًا ومصيرًا آخر خشيةَ الإملاق.

 

أحد الأصول التي لابد من مراعاتها في أسلوب إدارة الأسرة، هو أن يراقب الآباء والأمهات أنفسهم حين يشجّعون أولادهم. فقد جاء في الروايات أن لا تمدح أحدًا أمامه، فإن فعلت ذلك فكأنك قد طعنته أو ذبحته؛ «مَنْ مَدَحَكَ فَقَدْ ذَبَحَك‏» [غرر الحكم/ص466] لماذا لا يحسن هذا التشجيع؟ لأنه يحدث خوفًا إلى جانب هذا التشجيع، وهو الخوف من فقدان هذه المكانة، أو الخوف من التخلّف في المنافسة. لابد من إزالة هذه المخاوف من الحياة.

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد