
ترجمة عدنان أحمد الحاجي
كانت مسيرة حياة السيدة سالي المهنية تتطور ولها مستقبل واعد ومشرق. كانت تحب وظيفتها، وتعمل بجد، والناس يقدرون جهودها، وكانت تشعر بالفخر بالمستوى الذي وصلت إليه، وأن لحياتها العملية معنىً. ثم التقت بشخص ووقعت في حبّه، معتقدةً أنها وجدت شريك حياتها وفارس أحلامها. تزوجت وانتقلت إلى بلد جديد، تاركةً كل شيء وراءها. لم تعد مؤهلاتها سارية المفعول في ذلك البلد، حيث تجاهلوا إنجازاتها هناك، واضطرت للبدء من الصفر.
الزواج الذي تخيلته زواجًا كاملاً ومُرضيًا يسوده الدفء والالتزام والحياة المشتركة، والدعم المتبادل، والألفة والحميمية غالباً ما بدا فارغاً من الناحية العاطفية، وشعرت بخيبة أمل. تساءلت لماذا ارتبطت بحب رجل لم يبادلها إياه؟ ندمت على حياتها المهنية التي خسرتها. وهي الآن نادمة على الثمن الذي دفعته مقابل ذلك القرار المصيري الذي اتخذته بدافع الأمل، وتساءلت لماذا ضحيت بكل ذلك؟ لماذا لم أشعر بتحقق ما توقعته وتساءلت لماذا قادتها خياراتها إلى الشعور بالندم وعدم الرضا. ندمها أصبح يمسّ حياتها المهنية (العمل الذي خسرته) وحياتها الشخصية (شريك الحياة الذي كانت تعلق عليه آمالها) على حد سواء - وهما مجالان تُبين الدراسات أنهما الأكثر اقترانًا بالندم (1).
في علم النفس، يُعرَّف الندم بأنه الاستجابة الانفعالية التي نشعر بها عندما نُدرك أن خيارًا مختلفًا كان من الممكن أن يُؤدي إلى نتيجة أفضل. إنه أكثر من مجرد خيبة أمل، فهو ينطوي على التأمل في القرارات أو الخيارات التي اتخذناها، كما ينطوي على مراجعتها ودراستها بتأنٍّ، والبحث في أسباب اتخاذنا إياها، والنظر في العوامل التي أثّرت علينا حين اتخاذنا إياها (المشاعر، والضغوط النفسية أو المجتمعية، والمعلومات، والعادات)، وتقييم نتائجها وعواقبها، وتخيُّل مسارات أو استراتيجيات بديلة، وغالبًا ما نتمنى لو أننا تصرفنا بشكل مختلف.
دماغك والندم
الندم ليس مجرد شعور عابر، بل هو عملية ذهنية تشمل تفاعلًا بين مناطق متعددة من الدماغ لاستحضار خيارات أو قرارت الماضي كما لو كانت حاضرة الآن وما زالت قوية ومشحونة عاطفيًّا.
عندما تتأمل سالي في خياراتها وتسترجعها - "ماذا لو بقيت في بلادها؟ ماذا لو انتظرت شخصًا يُناسبها بالفعل؟" - انخرط دماغها في التفكير الافتراضي، أي عملية تخيُّل نتائج بديلة لأحداث وقعت بالفعل. هذا المحاكاة الذهنية هو ما يجعل الندم قويًّا جدًّا ويصعب التخلص منه. وهكذا يستمر الدماغ في مقارنة ما حدث بالفعل بما كان يمكن أن يحدث. وكل مقارنة قد تُثير انفعالات، مثل الحزن أو الشعور بالذنب أو لوم الذات. وحيث أن هذه البدائل المتخيّلة تبدو أكثر واقعية، يصعب التخلص من الندم، لأنه شعور يبقى حيًّا. ذلك أن الدماغ لا يكتفي بتقبّل الماضي، بل يُعيد تخيّل خيارات أفضل.
يلعب الفص الجبهي الحجاجي (2) دورًا محوريًّا في هذه العملية. فهو يُقيّم القرارات السابقة، ويُحاكي النتائج البديلة، ويُوازن بين المكاسب والخسائر الممكنة لـ (الخيارات التي لم تُتخذ)، ما يجعل السيناريوهات البديلة المتخيلة تحمل ثقلًا عاطفيًّا يكاد يُضاهي التجارب والخيارات الواقعية. ومن خلال ذلك، يُساعد في تفسير سبب الشعور بالندم بهذه الحدة وتأثيره في الخيارات المستقبلية (3). لذا، البدائل المتخيلة ليست مجرد "أفكار". بل تُثير مشاعر حقيقية بنفس الشدة التي تثيرها الأحداث الواقعية تقريبًا. فعلى سبيل المثال، قد يتخيل أحدهم أنه "لو قبل تلك الوظيفة، لأصبحت حياته أفضل". وهذا التخيل قد يُسبب له ندمًا أو حزنًا حقيقيًّا، حتى وإن لم يحدث شيء في الواقع. فالدماغ لا يميز بين التجارب الواقعية والبدائل المتخيلة، ويشعر بمشاعر حقيقية تجاه البدائل المتخيلة، وكأنها حدثت بالفعل. لذلك، قد يكون الندم مؤلمًا جدًّا.
في هذه الأثناء، تعمل اللوزة الدماغية، مركز الإنذار العاطفي والمسؤولة عن الاستجابة الفورية للانفعالات والتهديدات في الدماغ، على تضخيم حدة الندم. فالتفكير في الوظيفة التي تركناها أو العلاقة الزوجية المخيبة للآمال لا تبقي هذه أفكارًا مجردة، بل تتحول إلى أحاسيس تولّد ألمًا داخليًّا عميقًا - ضيقًا في الصدر، وثقلًا وضعفًا في الجسم نتيجة للضائقة العاطفية التي ألمت بنا. ومن شأن هذا التفاعل أن يكون أقوى وأشد وطأة بشكل خاص عندما نشعر بمسؤوليتنا عن نتائج ما حدث لنا، ونلوم أنفسنا على ذلك، كما هو الحال مع ما جرى مع سالي (4). ولأن سالي تشعر بالمسؤولية عن خياراتها، كانت استجابة لوزتها الدماغية أقوى، ما جعل الندم أشدّ وطأة. ولذ أصبح الندم مؤلمًا من الناحية العاطفية والبدنية.
العيش في دوامة الندم
لم ينقطع عن سالي حديث النفس (5): ما زالت عالقة في دوامة من التفكير، تجتر خيارات الماضي. تدور أفكارها حول ما كان ينبغي عليها فعله بشكل مختلف. "كان عليّ الانتظار. كان عليّ ألا أغادر بلدي. كان بإمكاني الجمع بين العمل وشريك الحياة المناسب في بلدي. لماذا رضخت للأمر الواقع؟".
حتى عندما تستذكر الصداقات، والصمود النفسي، والتجارب الجديدة التي اكتسبتها بعد الانتقال من بلدها إلى البلد الآخر مع زوجها، بقي الندم يلاحقها ودماغها يُعيدها باستمرار إلى دوامة الندم. تُثبت دراسات علم الأعصاب أن أدمغتنا تُولي اهتمامًا معتبرًا للخيارات المصيرية المرتبطة بالهوية والمعنى، وهذا ما يُفسر تركيز سالي على قرارات العمل والعلاقة الزوجية التي تُحدد هويتها. لذا، تبدو الخسائر (حقيقية كانت أم متخيلة) أقوى من المكاسب، فالدماغ مُبرمج على التركيز على ما حدث خطأً أكثر مما حدث صوابًا وعلى الانشغال المفرط بالخيرات المصيرية التي تمس الهوية، وعلى التعامل مع الفرص الضائعة باعتبارها تهديدات تتطلب المراجعة المستمرة.
بعبارة أخرى ندم سالي ليس مجرد ضعف عاطفي، بل يتعلق بالعمليات الدماغية المتوقعة، حيث تستحوذ القرارات المصيرية على الانتباه، ما من شأنه أن يجعل "ما كان يمكن أن يكون (البدائل المتخيلة)" أكثر واقعية وألمًا ج مما حدث في الواقع.
غالباً ما تأتي هذه اللحظات في أوقات التأمل الهادئة في الصباح الباكر أو في وقت متأخر من الليل، تبدأ بالتفكير في حياتها. عندما تسرح ذهنيًّا. تلاحظ كيف تتشابك كل مشكلة (تؤدي إلى ندم) مع الندم الآخر. فقدان هويتها المهنية يتشابك مع علاقة زوجية غير مُرضية، مُشكلتين عقدة (حالة عاطفية مُعقدة) من شوقها إلى ما فقدته ولوم نفسها بسبب خياراتها التي أوصلتها إلى هذه الحالة. ما جعل ندمها أعمق وأصعب على ايجاد المخرج.
لماذا الندم مؤلم؟
تفيد الدراسات بأن الناس غالبًا ما يشعرون بأعمق مستويات الندم في مجالات محورية تتعلق برضاهم عن الحياة: المهنية، والتعليم، والعلاقات العاطفية - لأن هذه الجوانب تُحدد هويتهم.
بالنسبة لسالي، فإن تركها لمهنة واعدة في بلدها واختيارها لعلاقة عاطفية لا تلبي احتياجاتها يمسّ جوهر هويتها (6). ولأن هذه الخيارات هي التي شكلت شخصيتها الحالية، فإن الندم بدا شخصيًّا وعميقًا وشكّل حاضرها وحياتها الحالية التي علقت فيها.
تحويل الندم إلى نمو
حتى أشد أنواع الندم لا يجب أن يبقى مدمراً، بل يمكن أن يصبح مصدر صمود وإلهام للأفكار ووسيلة لفهم القيم ونقاط القوة.
تشير الأبحاث إلى عدة استراتيجيات:
إعادة صياغة الأفكار: تستطيع سالي اعتبار قراراتها السابقة خطوات في رحلتها الشخصية بدلاً من اعتبارها إخفاقات. هذا النوع من إعادة التقييم الإدراكي (7) ينشّط دوائر عصبية، بما فيها قشرة الفص الجبهي الحجاجي، محولاً التركيز من "ما حدث خطأً" إلى "ما يمكن تعلم مما حدث" (3). ورغم صعوبة الانتقال من بلدها إلى الخارج، إلا أنه منحها القدرة على التكيف، ونظرة أوسع، وسبلاً جديدة للتواصل مع العالم، محولاً الصعوبات السابقة إلى فرص للنمو.
التعاطف مع الذات (أن يكون متقبلاً للإحباطات والخسائر والأخطاء) (8): يساعدها التعامل بلطف مع نفسها على تهدئة استجابات اللوزة الدماغية العاطفية المفرطة، مما يقلل من حدة الشعور بالخجل والنقد الذاتي. وبممارسة التعاطف مع الذات، تُقرّ بأن خياراتها السابقة اتُخذت بناءً على المعرفة والموارد المتاحة في تلك الفترة، ما يسمح لها بمسامحة نفسها لا جلدها على أخطاء مُتصوَّرة (4، 9).
ممارسة التأمل: مكّن التركيز على اللحظة الحاضرة سالي من ملاحظة الشعور بالندم دون أن يكون ذلك الشعور طاغيًا. فمن خلال اليقظة الذهنية الكاملة (التركيز على اللحظة) (10)، تستطيع أن تُقرّ بأفكار مثل: "أتمنى لو كانت الأمور مختلفة"، دون أن تُغرق نفسها في التفكير المُفرط، وأن تستخدم هذه الأفكار لاتخاذ خيارات أكثر وعياً في المستقبل.
تدريجيًّا، تدرك سالي أن الندم ليس حكماً على نفسها وقيمتها ولا يعني أنها فاشلة ولا قاصرة، بل هو بوصلة تشير إلى ما هو أهم. كل "ماذا لو" يحمل في طياته دروساً يمكن لسالي أن تستفيد منها. فبدلاً من الانزلاق في دوامة لوم الذات، استخدمت سالي تلك الأفكار لتتعلم الثقة بالنفس، وبالصبر لمعرفة أين ومتى تسرعت ورضخت للأمر الواقع، ونوع العلاقة الزوجية والمهنة الأكثر أهمية بالنسبة لها والتي تُحقق لها الرضا الحقيقي.
وبعبارة أخرى يُصبح الندم مصدراً للمعلومات، لا إدانة للنفس. يُساعد على فهم النفس بشكل أفضل، واتخاذ خيارات أكثر انسجاماً مع الذات في المستقبل، لا لوم النفس على ما حدث في الماضي.
الخلاصة
قصة سالي تُبين أن الندم تجربة إنسانية عميقة مرتبطة بنشاط الدماغ. قد يبدو الماضي حاضرًا، والخيارات التي لم تُتخذ حاضرة في الذهن، والألم حقيقيًّا. فالندم ليس عيبًا أو ضعفًا، بل ينشأ بشكلٍ طبيعيٍّ من طريقة عمل الدماغ، وينطوي على عملياتٍ دماغية كالذاكرة والخيال والعاطفة.
لذا، عندما يبدو الماضي حاضرًا في الذهن ومشحونًا عاطفيًّا، فهذا ليس فشلًا، بل هو نتيجةٌ لعمليات دماغية.
لكن فهم الندم من الناحية العلمية العصبية - فهم محاكاة الدماغ للخيارات المتصورة، وتضخيم المشاعر السلبية، ما يجعل الخيارات المُتخيّلة تبدو حقيقية من الناح العاطفية، وعادة الدماغ في استخدام الندم كآلية تغذية راجعة للتأثير في السلوك المستقبلي (حين يحدث خطأ في الخيار، يعيد الدماغ تلك التجربة ذهنيًّا ويقارن ما حدث بما كان يمكن أن يحدث، ما من شأنه أن يولد شعورًا بالندم). يُؤثر هذا الندم في القرارات المستقبلية، ما يُساعد الدماغ على تجنب أخطاء مماثلة أو اتخاذ قرارات أكثر حكمة في المستقبل. فالندم ليس مؤلمًا فحسب، بل هو جزء من طريقة تعلم الدماغ. وعند التعامل معه بوعي، لا تُوقعنا حلقات التغذية الراجعة هذه في دوامة الاجترار، بل تمكننا من التعامل مع الندم بروح رياضية، وتُعلّمنا التعاطف مع الذات، وتُصقل قيمنا، وتُرشدنا إلى اتخاذ قرارات أفضل في المستقبل. لا ينبغي لسالي أن تنسى شعورها بالندم؛ بل يُمكنها أن تتعامل معه بوعي، وتسمح له بتوجيه خياراتها دون أن يسيطر عليها ويُحدد لها مسار حياتها.
فالندم، في نهاية المطاف، ليس مجرد أثر للخسارة، بل هو أعمق من مجرد حزن أو أسى مُستمر على ما فُقد ويُمكن أن يكون فاعلًا وبنّاءً، ومصدرًا للأفكار والشجاعة للإقدام على خيارات أفضل في المستقبل والوعي الذاتي بمكن التعلم منه دون العيش فيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- https://psycnet.apa.org/record/2005-08738-010
2- https://ar.wikipedia.org/wiki/قشرة_جبهية_حجاجية
3- https://www.frontiersin.org/journals/psychology/articles/10.3389/fpsyg.2025.1667136/full
4- https://www.tandfonline.com/doi/abs/10.1080/17470919.2010.506128
5- http://https://ar.wikipedia.org/wiki/مونولوج
6- https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/0146167205274693
7- " يُعرف إعادة التقييم الإدراكي بأنه محاولة لإعادة تفسير موقف يثير المشاعر (الانفعالات) بطريقة تغير معناه وتغير وقعه الانفعالي". ترجمناه من نص ورد على هذا العنوان : http://https://www.frontiersin.org/articles/10.3389/fnsys.2014.00175/full
9- https://hbrarabic.com/المفاهيم-الإدارية/التعاطف-مع-الذات/
10- https://ar.wikipedia.org/wiki/يقظة_كاملة
المصدر الرئيس
https://psychologytimes.co.uk/the-neuroscience-of-regret/
من آثار فتنة الجمل
الشيخ محمد جواد مغنية
مقام العقل السّامي
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (سعد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
الأساس العلمي لوجود المحلات التجارية المتنافسة قريبة من بعضها
عدنان الحاجي
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (2)
محمود حيدر
ثوراتٌ تمهيديّة للظهور المبارك
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى}
الشيخ مرتضى الباشا
الحكم أمانة
الشيخ جعفر السبحاني
الغضب نار تأكل صاحبه
السيد عبد الحسين دستغيب
حروب عليٍّ (ع) كانت بأمر الرسول (ص) (2)
الشيخ محمد صنقور
الإمام الصادق: مستودع أسرار العلوم
حسين حسن آل جامع
أفق من الأنوار
زكي السالم
تجلّـيت جلّ الذي جمّـلك
الشيخ علي الجشي
فانوس الأمنيات
حبيب المعاتيق
أيقونة في ذرى العرش
فريد عبد الله النمر
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
خارطةُ الحَنين
ناجي حرابة
هدهدة الأمّ في أذن الزّلزال
أحمد الرويعي
وقف الزّمان
حسين آل سهوان
سجود القيد في محراب العشق
أسمهان آل تراب
من آثار فتنة الجمل
مقام العقل السّامي
معنى (سعد) في القرآن الكريم
الأساس العلمي لوجود المحلات التجارية المتنافسة قريبة من بعضها
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (2)
النسل الصالح: رعاية وصيانة
ثوراتٌ تمهيديّة للظهور المبارك
(المجاز بين اللّغة والأدب) أمسية أدبيّة للدّكتور أحمد المعتوق
(وطويت سبعًا) جديد الشاعر محمود المؤمن
التأسيس الَّلاهوتي لفلسفة الحرب (1)