قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ حسن المصطفوي
عن الكاتب :
من علماء إيران المعاصرين، ولد سنة 1336هـ وتوفي يوم الإثنين 20 جمادي الأولى 1426 هـ عن تسعين سنة، حاصل على شهادة الدكتوراه من كلية الالهيات في تبريز ( المعقول والمنقول). له مؤلفات عديدة منها: rn(التحقيق في كلمات القرآن).

معنى (دهر) في القرآن الكريم

مصبا - الدهر: يطلق على الأبد، وقيل هو الزمان قلّ أو كثر. قال الأزهري: والدهر عند العرب يطلق على الزمان، وعلى الفصل من فصول السنة وأقلّ من ذلك، ويقع على مدّة الدنيا كلّها. وينسب الرجل الّذى يقول بقدم الدهر ولا يؤمن بالبعث: دهري. والرجل المسنّ إذا نسب إلى الدهر فيقال دهري على غير قياس.

 

مقا - أصل واحد وهو الغلبة والقهر، وسمّى الدهر دهرًا: لأنّه يأتي على كلّ شي‌ء ويغلبه. فأمّا‌ قول النبىّ صلى الله عليه وآله: لا تسبّوا الدهر فإنّ اللّه هو الدهر‌، فقال أبو عبيد: معناه أنّ العرب كانوا إذا أصابتهم المصائب قالوا: أبادنا الدهر، وأتى علينا الدهر، فأعلم رسول اللّه (ص): أنّ الّذي يفعل ذلك بهم هو اللّه جلّ ثناؤه، وأنّ الدهر لا فعل له، وأنّ من سبّ فاعل ذلك فكأنّه قد سبّ ربّه.

 

وقد يحتمل قياسًا أن يكون الدهر اسمًا مأخوذًا من الفعل وهو الغلبة، كما يقال رجل صوم وفطر، فمعنى‌ لا تسبّوا الدهر‌، أي الغالب الّذي يقهركم ويغلبكم على أموركم. ويقال دهر دهير، كما يقال أبد أبيد. وفي كتاب العين: دهرهم أمر أي نزل بهم. ويقولون ما دهري كذا أي ما همّتي، وهذا توسّع في التفسير، ومعناه ما أشغل دهري به.

 

فأمّا الهمّة فما تسمّى دهرًا. والدهورة: جمع الشي‌ء وقذفه في مهواة.

 

مفر - الدهر: في الأصل اسم لمدّة العالم من مبدأ وجوده إلى انقضائه، وعلى ذلك قوله تعالى {هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ} [الإنسان : 1]، ثمّ يعبّر به عن كلّ مدّة كثيرة، وهو خلاف الزمان فإنّ الزمان يقع على المدّة القليلة والكثيرة، ودهر فلان: مدّة حياته‌ واستعير للعادة الباقية مدّة الحياة، فقيل ما دهري بكذا. ويقال دهر فلانًا نائبة دهرًا أي نزلت به، حكاه الخليل، فالدهر هاهنا مصدر، وقيل: دهدره دهدرة، ودهر داهر ودهير. وقوله عليه السلام: لا تسبّوا الدهر فإنّ اللّه هو الدهر، قد قيل معناه: إنّ اللّه فاعل ما يضاف إلى الدهر من الخير والشرّ والمسرّة والمساءة، فإذا سببتم الّذي تعتقدون أنّ اللّه فاعل ذلك فقد سببتموه تعالى عن ذلك.

 

التحقيق

 

أنّ الأصل الواحد في هذه المادّة والكلمة: هو مجموعة ما يمتدّ من الزمان وما فيها من الكائنات، وهذا المعنى عند الإطلاق يكون من بدء الزمان والخلقة إلى آخرها، ويطلق بالقرائن على مقدار ممتدّ منها مجازًا، فيقال: دهر فلان. وهذا المعنى هو الفارق بينها وبين الزمان والمدّة والأبد وغيرها.

 

وبهذا الاعتبار يقول الكفّار {وما يهلكنا إِلَّا الدَّهْرُ} فينّسبون الحوادث والجريانات الواقعة إلى الدهر، وأمّا الزمان من حيث هو أو امتداده أو الأبديّة وأمثالها: لا تصلح لأن تكون مؤثّرة في الحوادث، فإنّها معان اعتباريّة ومن الأعراض التي لا وجود لها في أنفسها.

 

وأمّا جملة - فإنّ الدهر هو اللّه‌: فإنّهم يتوجّهون إلى اللّه المتعال الّذي لا مؤثّر في العالم إلّا هو، ويعبّرون عنه بالدهر، فالاختلاف لفظي، والقدرة المؤثّرة والحيّ العالم المحيط الأبدي هو اللّه العزيز المتعال، والدهر ظهور من رحمته وقدرته، ونظم العالم أثر من علمه وتدبيره.

 

نعم كلّ فرد من أفراد الإنسان يتصوّر ويتعقّل للربّ تعالى مفهومًا على مقتضى‌ فهمه وإدراكه وعلى سعة معرفته ونورانيّته، عالـمًا كان أو عارفًا أو جاهلًا أو محجوبًا، فمن كان محجوبًا بالكليّة عن نوره وكافرًا بالحقّ: فلا يتعقّل إلّا ما يشاهد ويرى، ولا يصل فكره ونظره إلّا إلى ما يتراءى من العظمة والإحاطة والنظم العجيب والقدمة والثبوت للدهر، غفلة عمّا فوقه وكافرًا به.

 

ثمّ إنّ الطبيعة المطلقة تعبير آخر عن الدهر: والفرق بينهما أنّ الدهر هو الزمان الممتدّ مع ما فيها من التكوينيّات، والطبيعة هي التكوينيّات الموجودة المنظّمة في الزمان الممتدّ، فالنظر الأوّل في الطبيعة إلى التكوينيّات. وبهذا اللحاظ يطلق على الدهريّة: عنوان الطبيعيّة أيضًا.

 

ونحن نستدلّ عليهم: بالنظم وما يتراءى من التغيّر والاختلاف والتلوّن المتناسب المنتظم في الطبيعة، فهي تدلّ دلالة قطعيّة على خالق عالم قادر مريد حي. فظهر أنّ تفسير الدهر بالزمان والأبد ونظائرهما: تفسير ناقص.

 

وأمّا مفهوم القهر والغلبة: فالظاهر أن يكون الاشتقاق انتزاعيًّا وهذا المفهوم هو المتفاهم من حكومة الدهر وسلطانه وإحاطته.

 

{هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا} [الإنسان : 1] - أي مقدار معيّن محدود من مطلق الدهر الممتدّ المحيط الأبدي. فهذا القيد يدلّ على امتداد الدهر وكونه غير معيّن، والاستفهام للتقرير.

 

{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا} [الجاثية : 24]. {وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ} [الجاثية : 24] - فهم لا يتجاوز إدراكهم عن الحياة الدنيا المادّيّة النازلة القريبة المحسوسة، وإنّهم لغافلون عن الحياة الآخرة، وينسبون التأثير في هذه الحياة إلى الدهر، غافلاً عمّا فوقه وعمّن وراءه من العزيز الحكيم.

 

وأجاب تعالى عن قولهم- {وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} [الجاثية : 24].

_________________
- مصبا = مصباح المنير للفيومي ، طبع مصر 1313 هـ .
‏- مقا = معجم مقاييس اللغة لابن فارس ، 6 ‏مجلدات ، طبع مصر 1390 ‏هـ .
‏- مفر = المفردات في غريب القرآن للراغب ، طبع  1334 ‏هـ.

 

 

 

 

 

 

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد