قرآنيات

معلومات الكاتب :

الاسم :
الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
عن الكاتب :
فيلسوف، مفسر وعالم دين إسلامي و مرجع شيعي، مؤسس مؤسسة الإسراء للبحوث في في مدينة قم الإيرانية

المراد من عدم استحياء الله

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} [البقرة: 26].

 

اختلف المفسرون في تفسير الاستحياء المنفي عن الله؛ فطائفة فسرته بالترك فقالوا: عدم الاستحياء هو بمعنى عدم الترك، وأخرى اعتبرته بمعنى الخشية والخوف فقالوا: عدم الاستحياء يعني عدم الخوف، وطائفة ثالثة - وهي الأخيرة - عدته بمعنى الامتناع، ففسروا عدم الاستحياء بعدم الامتناع.

 

بالطبع هذه المعاني قريبة من بعضها. من منطلق البحث القرآني، فإن منشأ هذه التأويلات هو اعتقاد البعض بأنه لا ينبغي أن يتصف الله بالمعاني اللغوية للألفاظ، كما أن البعض الآخر يذهب إلى التصور القائل: بأننا نؤمن بما أنزل، ولكننا نوكل علمه إلى الله؛ إذ ليس بمقدر المخلوق الاطلاع على حقيقة أوصاف الخالق، وأخيراً فقول الجماعة الثالثة، وهو الذي عليه رأي أكثر أهل العلم، هو: إن الله تعالى خاطبنا بلسان العرب، وفيه الحقيقة والمجاز، فما صح وفقاً للعقل نسبناه إليه سبحانه، وما استحال طبقاً للعقل أولناه بما يليق به تعالى(1).

 

تنويه:

 

1. يشكل الغور في مجال الصرف والنحو - من ناحية - المحور الأساسي لتفسير البعض من الباحثين في المجال القرآني، ومن ناحية أخرى، فإن ما توصلوا إليه في مجال العقل، فهو يعانى إما من تفريط الأشاعرة وإما من إفراط المعتزلة، في حين ما زالت معارف الوحي الإلهي مهجورة ومستورة.

 

2. الحياء والخجل يكون أحياناً على أساس التقاليد، والعادات، والآداب القومية، والعرقية، واللغوية، وأمثال ذلك مما يفتقر إلى خلفية من الحقيقة، وهو قابل للتحول بمجرد اعتبار المعتبرين في كل عصر ومصر وجيل، وفي أحيان أخرى يرتكز على حقائق التكوين بحيث يعد علامة على ثبوت كمال وجودي أو سقوطه.

 

فالشيء المستقر في فهرست الاعتبار، والخارج عن قائمة التكوين، والذي لا يشكل علة لأمر وجودي أو أمارة على كمال وجودي فإنه، وإن تمتع بأهمية خاصة لدى قوم أو أمة، لكنه ليس ذا أثر لدى الله سبحانه وتعالى. من هذا المنطلق فإن القرآن الكريم يعرض لأصل شامل ليعلم حول أي محور تدور أفعال الله، وأن زمام هذا المحور إنما هو بيد الحكمة الإلهية غير المتناهية: {إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ} [الأحزاب: 53].

 

بعد استعراض الآداب الاجتماعية الخاصة بالحضور في مجلس الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) فقد علل النهي عن الأحاديث التي يأنس بها الناس العاديون والمملة للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بأن تلك الأحاديث التي تجلب لكم الأنس هي مدعاة لأذى الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو يستحي من نهيكم لكن الله لا يستحي من ذلك؛ لأن فعلكم هو منكر، والنهي عن فعلكم هو حق، والله لا يستحيي من الحق. إذن فالله ينهاكم عن الأحاديث التي تسبب الأذى للنبي الكريم (صلى الله عليه وآله وسلم)، ورسوله الأمين بدوره يبلغكم هذا النهي.

 

الغرض هو أن المدار في حياء الله وعدمه، هو كون الشيء حقاً أو باطلاً، وليس الجعل الاعتباري، والمقصود بالحق أو الباطل هو توفر الكمال الوجودي أو نقصه، وهو أمر تكويني، وليس قضية اعتبارية. فمسألة ضرب المثل بالجماد والنبات والحيوان من أجل تبيين المعارف هو أمر حق، والله لا يستحيي من أي حق.

 

ومن هذا المنطلق فهو تعالى يضرب الأمثال بقضايا ذات علاقة بالبعوضة والذبابة وأمثالها. من هنا فإن المؤمنين الحقيقيين العالمين بالعلوم الإلهية يدركون أحقية ذلك: (وأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق)؛ بمعنى، أن هذا التمثيل هو حق، وقد أوضح سابقاً أن الله لا يستحيي من الحق؛ إذن فالله لا يستحيي من هذا التمثيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

1.راجع تفسير البحر المحيط، ج 1، ص265.

 

تعليقات الزوار

الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان التعليق
التعليق
رمز التأكيد