
ترجمة: محمد جواد آل السيد ناصر الخضراوي
(بقلم: البروفيسور باري سميث[1]، مجلة ذا كونفرسيشن)
بسبب انشغالنا الدائم أمام الشاشات، نتجاهل في كثير من الأحيان حواسنا باستثناء السمع والبصر. ومع ذلك، فهي تعمل باستمرار. وعندما نكون أكثر انتباهاً، نشعر بخشونة ونعومة أسطح الأشياء، وتصلب أكتافنا، وليونة الخبز.
وفي الصباح، قد نشعر بوخز معجون الأسنان، ونسمع ونشعر بصوت الماء الجاري في الحمام، ونشم رائحة الشامبو، ثم لاحقاً رائحة القهوة الطازجة.
وقد أخبرنا أرسطو أن لدينا خمس حواس. لكنه أخبرنا أيضاً أن العالم يتكون من خمسة عناصر، ولم نعد نؤمن بذلك. وتشير الأبحاث الحديثة إلى أننا قد نمتلك في الواقع عشرات الحواس. ومعظم تجاربنا متعددة الحواس. فنحن لا نرى ونسمع ونشم ونلمس بشكل منفصل، بل تحدث جميعها في آن واحد ضمن تجربة موحدة للعالم من حولنا ولأنفسنا.
وما نشعر به يؤثر على ما نراه، وما نراه يؤثر على ما نسمعه. فالروائح المختلفة في الشامبو قد تؤثر على كيفية إدراكنا لملمس الشعر. فعلى سبيل المثال، تجعل رائحة الورد الشعر يبدو أكثر نعومةً وحريرية.
ويمكن للروائح الموجودة في الزبادي قليل الدسم أن تجعله يبدو أكثر غنىً وكثافةً في الفم دون إضافة المزيد من المستحلبات. ويتأثر إدراك الروائح في الفم، والتي تصل إلى الأنف، بلزوجة السوائل التي نتناولها.
وقد أخبرني البروفيسور تشارلز سبنس، المتعاون معي منذ فترة طويلة من مختبر الحواس المتعددة في جامعة أكسفورد، أن زملاءه في علم الأعصاب يعتقدون أن عدد الحواس يتراوح بين 22 و33 حاسة.
وتشمل هذه الحواس الإحساس بالوضع، الذي يمكّننا من معرفة مكان أطرافنا دون النظر إليها. ويعتمد إحساسنا بالتوازن على الجهاز الدهليزي في قنوات الأذن، بالإضافة إلى حاسة البصر والإحساس بالوضع.
ومن الأمثلة الأخرى الإحساس الداخلي، الذي نستشعر من خلاله التغيرات في أجسامنا، مثل زيادة طفيفة في معدل ضربات القلب والشعور بالجوع. كما أن لدينا إحساسًا بالتحكم عند تحريك أطرافنا: وهو إحساس قد يغيب لدى مرضى السكتة الدماغية الذين قد يعتقدون أحيانًا أن شخصًا آخر يحرك ذراعهم. وهناك أيضًا إحساس الملكية. ويشعر مرضى السكتة الدماغية أحيانًا أن ذراعهم ليست ملكهم، على سبيل المثال، حتى وإن كانوا لا يزالون يشعرون بأحاسيس فيها.
وبعض الحواس التقليدية هي مزيج من عدة حواس. فاللمس، على سبيل المثال، يشمل الألم، والحرارة، والحكة، والإحساس اللمسي. وعندما نتذوق شيئًا ما، فإننا في الواقع نختبر مزيجًا من ثلاث حواس: اللمس، والشم، والتذوق – أو حاسة التذوق – التي تتحد معًا لتكوين النكهات التي ندركها في الطعام والشراب.
وتشمل حاسة التذوق الأحاسيس التي تنتجها مستقبلات على اللسان، والتي تمكننا من تمييز المالح، والحلو، والحامض، والمر، والأومامي[2] (المذاق اللذيذ). ماذا عن النعناع، والمانجو، والبطيخ، والفراولة، والتوت؟
ولا توجد لدينا مستقبلات للتوت على اللسان، كما أن نكهة التوت ليست مزيجًا من الحلو والحامض والمر. ولا توجد معادلة رياضية لنكهات الفاكهة. وندركها من خلال عمل اللسان والأنف معًا. فالشم هو الذي يساهم بالجزء الأكبر فيما نسميه التذوق.
ومع ذلك، هذا لا يعني استنشاق الروائح من البيئة. وتُطلق مركبات الرائحة أثناء المضغ أو الشرب، وتنتقل من الفم إلى الأنف عبر البلعوم الأنفي في مؤخرة الحلق. ويلعب اللمس دورًا مهمًّا أيضًا، إذ يربط بين المذاق والرائحة، ويُرسّخ تفضيلاتنا للبيض السائل أو المتماسك، وللملمس المخملي الفاخر للشوكولاتة.
ويتأثر البصر بجهاز التوازن. وعندما تكون على متن طائرة على الأرض، انظر إلى أسفل المقصورة. وانظر مرة أخرى أثناء الصعود. وسيبدو لك أن مقدمة المقصورة أعلى منك، مع أن كل شيء بصريًّا في نفس موضعه بالنسبة لك كما كان على الأرض. وما تراه هو التأثير المشترك للبصر وقنوات أذنك التي تُخبرك بأنك تميل للخلف.
وتُعدّ الحواس مجالًا خصبًا للبحث، ويتعاون الفلاسفة وعلماء الأعصاب وعلماء النفس في مركز دراسة الحواس التابع لكلية الدراسات المتقدمة بجامعة لندن.
وفي عام 2013، أطلق المركز مشروع “إعادة التفكير في الحواس”، بإدارة زميلي الراحل البروفيسور السير كولين بلاكيمور. واكتشفنا كيف يُمكن لتعديل صوت خطواتك أن يُشعرك بخفة أو ثقل جسمك.
وتعلّمنا كيف تُساعد الأدلة الصوتية في متحف تيت بريطانيا للفنون، التي تُخاطب المستمع كما لو كان النموذج في اللوحة يتحدث، الزوار على تذكّر المزيد من التفاصيل البصرية للوحة. واكتشفنا كيف يُؤثر ضجيج الطائرات على حاسة التذوق لدينا، ولماذا يُنصح دائمًا بشرب عصير الطماطم على متن الطائرة.
وبينما يقلّ إدراكنا للمذاق المالح والحلو والحامض في وجود الضوضاء البيضاء[3]، يبقى إدراكنا لمذاق الأومامي كما هو، والطماطم وعصيرها غنيان به. وهذا يعني أن ضجيج الطائرة سيعزز النكهة اللذيذة.
وفي معرضنا التفاعلي الأخير، “الحواس مكشوفة” في “كول دروبس يارد”[4] (Coal Drops Yard) بمنطقة كينغز كروس في لندن، يمكن للزوار اكتشاف كيفية عمل حواسهم بأنفسهم، ولماذا لا تعمل كما نعتقد.
وعلى سبيل المثال، يُجسّد وهم الحجم والوزن من خلال مجموعة من أحجار الكيرلنغ[5] الصغيرة والمتوسطة والكبيرة. ويمكن للزوار رفع كل حجر وتحديد أيها الأثقل. ويبدو الحجر الأصغر أثقل، ولكن يمكنهم بعد ذلك وضعها على ميزان دقيق ليكتشفوا أنها جميعًا متساوية في الوزن.
ولكن هناك دائمًا الكثير من الأشياء من حولك تُظهر مدى تعقيد حواسك، إذا توقفت للحظة لتستوعب كل شيء. ولذا في المرة القادمة التي تمشي فيها في الخارج أو تستمتع بوجبة، خذ لحظة لتقدير كيف تعمل حواسك معًا لمساعدتك على الشعور بكل الأحاسيس المصاحبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر
https://www.sciencealert.com/humans-may-actually-have-over-30-senses-scientists-say
الهوامش:
[1] البروفيسور باري سميث، مدير معهد الفلسفة، كلية الدراسات المتقدمة، جامعة لندن.
[2] أومامي هو المذاق الأساسي الخامس (إلى جانب الحلو والحامض والمالح والمر)، وهو مصطلح ياباني يعني “المذاق اللذيذ”، ويتميز بنكهة غنية وعميقة تُشبه اللحم، ناتجة عن مركبات مثل الغلوتامات والإينوزينات والغوانيلات. اكتشفه كيكونا إيكيدا عام 1908، ويوجد في أطعمة مثل الجبن المعتق واللحوم المُعالجة والفطر وصلصة الصويا والطماطم، وغالبًا ما يُعزز بإضافة غلوتامات أحادية الصوديوم. يُشير أومامي إلى وجود البروتين، وهو عنصر أساسي للصحة، كما يُعزز النكهات الأخرى في الأطباق. المصدر: ويكيبيديا
[3] الضوضاء البيضاء هي صوت ثابت وعشوائي يحتوي على جميع الترددات المسموعة بنفس الشدة، مثل التشويش المستمر الصادر من راديو غير مضبوط، وتعمل كغطاء صوتي لإخفاء الأصوات المزعجة، وتعزيز التركيز، والمساعدة على النوم من خلال خلق طنين خلفي ثابت. وهي تشبه صوت المروحة أو المطر أو تشويش التلفاز، وتُستخدم لتهدئة الأطفال الرضع، وتحسين التركيز، ومساعدة البالغين الذين يعانون من مشاكل في النوم مثل طنين الأذن. المصدر: https://www.sleepfoundation.org/noise-and-sleep/white-noise
[4] يُعدّ “كول دروبس يارد” في منطقة كينغز كروس بلندن وجهة تسوق وتناول طعام فريدة من نوعها، بُنيت من مستودعات فحم فيكتورية مُعاد ترميمها، وتضم متاجر راقية ومطاعم متنوعة ومساحات عامة، جميعها متصلة بأسقف مقببة رائعة من تصميم استوديو هيذرويك، مما يخلق مركزًا ثقافيًا نابضًا بالحياة على ضفاف قناة ريجنت. ويُشكّل جزءًا أساسيًا من مشروع تجديد كينغز كروس، حيث يُقدّم مزيجًا من متاجر التجزئة الحديثة داخل مبانٍ صناعية تاريخية، بالقرب من محطات النقل الرئيسية مثل محطتي كينغز كروس وسانت بانكراس. المصدر: http://https://guide.michelin.com/en/article/travel/coal-drops-yard-kings-cross-london
[5] أحجار الكيرلنغ، أو “الصخور”، عبارة عن كرات جرانيتية مصقولة بمقبض، تُستخدم في رياضة الكيرلنغ، ويتراوح وزنها بين 17 و20 كيلوغرامًا. تشتهر هذه الأحجار بصناعتها من جرانيت نادر وكثيف من جزيرة “أيلسا كريغ” في اسكتلندا ومحجر “تريفور” في ويلز، وهو جرانيت ذو قيمة عالية لانخفاض امتصاصه للماء، مما يمنع التآكل ويضمن انزلاقًا سلسًا على الجليد. يتميز الجزء السفلي بشكل مقعر، يسمح فقط لشريط رفيع من الجرانيت بملامسة الجليد، مما يُنتج “الالتفاف” أو الدوران المميز لهذه الرياضة. المصدر: http://https://www.google.com/search?q=Curling+stones
الشهادة طريق المجد والرضوان
الأستاذ عبد الوهاب حسين
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
الشيخ محمد صنقور
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
الشيخ شفيق جرادي
نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا
عدنان الحاجي
مضاعفة العذاب
الشيخ مرتضى الباشا
لزوم ذكر الله وجلاء القلوب
السيد محمد حسين الطهراني
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
معنى (فقد) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
حين نعيش لأجل الماضي.. كيف نفقد معنى الحياة؟
السيد عباس نور الدين
غزوة حنين في الرّابع من شهر شوّال
الشيخ محمد جواد مغنية
جزيرة تاروت، ومَن أنت؟
أحمد الرويعي
بين احتمال ومحض تجريد
محمد أبو عبدالله
المعبد الشّعريّ
الشاعر هادي رسول
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
الشهادة طريق المجد والرضوان
إعراب: {.. بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ}
نحو فلسفة القيم الحضارية (4)
نشاط الدماغ وراء السلوك الجماعي وتماسكنا مع بعضنا
مضاعفة العذاب
لزوم ذكر الله وجلاء القلوب
(السّابعة ربيعًا) رواية جديدة لفاطمة أحمد آل عبّاس
الإيقاظ والتّنبيه في القرآن الكريم
معنى (فقد) في القرآن الكريم
تأخير التوبة اغترار