
كانت العرب ولعلّ البشريّة جمعاء ترى من القلب ـ ومحلّه الصّدر ـ مركزًا للتّعقّل والإدراك وكذا سائر الصّفات النّفسيّة؛ وذلك باعتبار كونه منشأ الحيويّة في الإنسان، فمن القلب تنبثّ الحياة وتزدهر الحيويّة في الإنسان، ومنها النّشاط الفكريّ وتجوال الخواطر وسائر أحوال النّفس من حبّ وبغض وابتهاج وامتعاض! هذا مع العلم بأنّ البشريّة عرفت ـ منذ ألوف السّنين ـ أنّ مركز الإدراك هو الـمخّ ومحلّه الدّماغ من الرّأس، ومنه اشتقاق الرّئاسة لمركزيّة التّدبير. إذن لم تكن مركزيّة الدّماغ للإدراك ممّا تجهله العرب وسائر الناس، فما وجه التوفيق؟
وقد رجّح ابن سينا أن يكون الـمدرك هو القلب وأنّ الدّماغ وسيلة للإدراك، فكما أنّ الإبصار والسّمع يحصلان في مراكزهما من المخّ وتكون العين والأذن وسطًا لهذا الحصول، كذلك الدّماغ وسط للإدراك والتفكير 1.﴿ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ ﴾ 2
وبذلك يتلخّص الإنسان ـ في نشاطه الفكريّ والعلميّ ـ في قلبه، ويتّحد القلب مع النّفس والرّوح في التّعبير عن حقيقة الإنسان ذاته، ﴿ ... قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ... ﴾ 3 أي نفسي.
قال العلاّمة الطّباطبائيّ: لـمّا شاهد الإنسان أنّ الشّعور والحسّ قد يَبطل في الحيوان، أو يغيب عنه بإغماء أو صرع ونحوهما، ولا تبطل الحياة مادام القلب نابضًا، قطع بأنّ منشأ الحياة هو القلب وسرت منه إلى سائر الأعضاء، وأنّ الآثار الرّوحيّة وكذا الأحاسيس الـمتواجدة في الإنسان ـ من مثل الشّعور والإرادة والحبّ والبغض والرّجاء والخوف ـ كلّها للقلب، بعناية أنّه أوّل متعلّق للرّوح، وهذا لا ينافي كون كلّ عضو من الأعضاء مبدأ لعمل يخصّه، كالدّماغ للفكر والعين للإبصار والأذن للسّمع والرّئتين للتّنفّس ونحو ذلك، فإنّها جميعًا منزلة الآلات والوسط إلى ذلك.
قال: ويتأيّد ذلك بما وجدته التّجارب العلميّة في الطّيور، لا تموت بفقد الدّماغ، سوى أنّها تفقد الشّعور والإحساس، وتبقى على هذه الحال حتّى تموت بفقد الموادّ الغذائيّة وإيقاف نبضات القلب.
والبحوث العلميّة لم توفّق لحدّ الآن للعثور على مصدر الأحكام الجسديّة، أعني عرش التّدبير في البدن، إذ أنّها في عين التّشتّت والتّفرّق في بنيتها ونوعيّة عملها، هي مجتمعة تحت لواءٍ واحد، ومؤتمرة بأوامر أمير واحد، وحدة حقيقيّة من غير انفصام.
وليس ينبغي زعم التّغافل عن شأن الدّماغ وما يخصّه من أمر الإدراك، وقد تنبّه الإنسان لما عليه الرّأس من الأهميّة في استواء الجسد منذ أقدم الزمان، وقد جرى على ألسنتهم التّشبيه بالرّأس والاشتقاق منه حيثما يريدون التّعبير بالمبدئيّة في أيّ شيء.
ولكن مع ذلك نراهم ينسبون الإدراك والشّعور وكذا صفات النّفس ـ ممّا للشّعور فيه حظّ ـ إلى القلب الـمراد به الرّوح السّاطية على البدن والـمدبّرة له، كما ينسبونها إلى النّفس بمعنى الذّات، فلا فرق بين أن يقال: هواك قلبي أو هوتك نفسي. فأُطلق القلب وأُريد به النّفس؛ باعتبار كونه مبدأ جميع الإدراكات (العقليّة) والصّفات (النّفسيّة)، وفي القرآن الشّيء الكثير من ذلك: قال تعالى:﴿ ... يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ... ﴾ 4 ﴿ ... يَضِيقُ صَدْرُكَ ... ﴾ 5﴿ ... وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ... ﴾ 6.﴿ ... إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾ 7.
ــــــــــــــــــــــــ
1. راجع: تفسير الميزان، ج2، ص236.
2. القران الكريم: سورة ق (50)، الآية: 37، الصفحة: 520.
3. القران الكريم: سورة البقرة (2)، الآية: 260، الصفحة: 44.
4. القران الكريم: سورة الأنعام (6)، الآية: 125، الصفحة: 144.
5. القران الكريم: سورة الحجر (15)، الآية: 97، الصفحة: 267.
6. القران الكريم: سورة الأحزاب (33)، الآية: 10، الصفحة: 419.
7. القران الكريم: سورة المائدة (5)، الآية: 7، الصفحة: 108.
حِلية المتّقين
الشهيد مرتضى مطهري
أهمية ترويج ثقافة الاعتذار
السيد عباس نور الدين
معنى (عصب) في القرآن الكريم
الشيخ حسن المصطفوي
معنى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ..}
الشيخ محمد صنقور
الأطفال في سن الشهرين يرون الأشياء بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يعتقد قي السابق
عدنان الحاجي
التعرّف على الفائق (2)
محمود حيدر
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (2)
الشيخ محمد مصباح يزدي
لماذا تكررت قصة إبليس في القرآن الكريم؟
الشيخ مرتضى الباشا
ما الفرق بين الرحمانية والرحيمية؟
السيد عادل العلوي
في معنى مرض القلب وسلامته وتفاقمه وعلاجه
السيد محمد حسين الطبطبائي
عرجت روح عليّ وا أمير المؤمنين
حسين حسن آل جامع
جرح في عيون الفجر
فريد عبد الله النمر
من لركن الدين بغيًا هدما
الشيخ علي الجشي
كالبرق الخاطف في الظّلمة
أحمد الرويعي
يا جمعه تظهر سيدي
علي الخويلدي
شربة من كوز اليقين
أسمهان آل تراب
ما حدّثته أعشاش اليمامات
حبيب المعاتيق
وجهة
ناجي حرابة
أفق من الأنوار
زكي السالم
سأحمل للإنسان لهفته
عبدالله طاهر المعيبد
حِلية المتّقين
أهمية ترويج ثقافة الاعتذار
معنى (عصب) في القرآن الكريم
معنى: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ..}
الأطفال في سن الشهرين يرون الأشياء بطريقة أكثر تعقيداً مما كان يعتقد قي السابق
التعرّف على الفائق (2)
الفيلم القصير (عيديّة): أحلام الفقراء رهينة جيب مثقوب
في وداع الشهر الفضيل: ساحة الرحمة لها باب اسمه التوبة (2)
ليلة الفطر، ليلة الغفران
معنى قوله تعالى: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا..}